بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
موسوعة صحف الطيبين  في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة : كتاب الوجوه ( الفيسبك facebook)
 كتابات وبحوث ومقالات وأجوبة 

الميزان في تفسير القرآن /  بحوث موضوعي
معنى وتفسير
البر والأبرار

 

صورة البر والأبرار بحجم عالي كبيرة

   

من سورة الطور
إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم
البر : هو الله وهو من الأسماء الحسنى

ج19

9

معاني ألفاظ آية : لكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة .... البقرة 177: الجزء 1 من الميزان في تفسير القرآن

428

 تعريف للأبرار : و بيان لحقيقة حالهم ومراتبهم

429

بحث روائي : معنى الأبرار

431

   

معنى وتفسير
تفسير البر في سورة الدهر
حقائق الأبرار وجزائهم الكريم

ج20

124

معاني ألفاظ : آيات السورة 124
 من خصائص الأبرار : يوفون بالنذر ويطعمون على حب الله ولوجهه  
 جزاء الأبرار في الجنة وأوصاف أحوالهم وملكهم الكبير 128
بحث روائي‏ : في سورة الإنسان وشأن نزولها وكونها مدنية 131
(شأن نزول سورة الدهر لوفاء آل محمد نذر شفاء الحسن والحسين) 132
( تأكيد نزول هل أتى أي سورة الإنسان في المدينة ورد ما يخالفه ) 133
( ما ذكر من شأن النزول يرجع لشأن النزول في آل محمد ) 134
( مضمون الآيات يساعد على أنها نزلت في المدينة أكثر من غيره ) 135
( تفسير روائي لمعنى ألفاظ الآيات سورة هل أتى (الإنسان، الدهر)) 136
كلام في هوية الإنسان على ما يفيده القرآن‏ : 138
   

معنى وتفسير
تفسير البر في سورة المطففين
حقائق الأبرار وجزائهم الكريم

ج20

 

بيان فيه بعض التفصيل ( لبيان منزلة الأبرار وشرح معاني ألفاظ السورة

238

بحث روائي‏ : ( في جزاء الأبرار وغيرهم ) :

240

المقام العالي للأبرار : هم المقربون :

241

 

 

من سورة البقرة
البر هو التقوى وبيان عمل ليس من البر

ج2

55

{ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى }

57

بحث روائي : ( في البر هو التقوى والدخول من الأبواب ) :

58

 

 

من سورة آل عمران
لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون

344

 

 

من سورة آل عمران
ربنا ... توفنا مع الأبرار

87

بحث روائي‏ : ( آية الذين يتفكرون وهجرة الأبرار علي وآله ) :

89

   

من سورة المائدة
تعاونوا على البر والتقوى

157

   

 

من سورة الطور
 إنا كنا من قبل ندعوه  إنه هو البر الرحيم
البر : هو الله وهو من الأسماء الحسنى
 

{ فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى‏ نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (14) أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (15)
اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (16) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَعِيمٍ (17) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَ وَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (18) كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (19) مُتَّكِئِينَ عَلى‏ سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَ زَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (20)
وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ ما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (21) وَ أَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَ لَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (22) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَ لا تَأْثِيمٌ (23) وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (24) وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (25)
قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَ وَقانا عَذابَ السَّمُومِ (27)
 إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ
 إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28)}
الطور .
سورة الطور52 : الآيات 11 الى 28، الميزان في تفسير القرآن ج19ص9.
قوله تعالى : { إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ‏ } .
تعليل لقوله : { فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا.....} .
كما أن قوله : { إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ‏ } .
تعليل له .
و تفيد هذه الآية : مع الآيتين قبلها ، أن هؤلاء كانوا في الدنيا يدعون الله بتوحيده للعبادة و التسليم لأمره ، و كانوا مشفقين في أهلهم ، يقربونهم من الحق ، و يجنبونهم الباطل .
فكان ذلك : سببا لمن الله عليهم بالجنة ، و وقايتهم من عذاب السموم ، و إنما كان ذلك سببا لذلك لأنه تعالى بر رحيم ، فيحسن لمن دعاه و يرحمه .
فالآيات الثلاث في معنى قوله : { إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ } العصر .
و البر : من أسماء الله تعالى الحسنى .
و هو من البر : بمعنى الإحسان ، و فسره بعضهم باللطيف .

+++++++++

معنى وتفسير
البر والأبرار

معاني ألفاظ آية  : لكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة .... البقرة 177:

قال الله سبحانه وتعالى :
{ لَيْسَ الْبِرَّ
أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ
وَ لكِنَّ الْبِرَّ
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ الْكِتابِ وَ النَّبِيِّينَ
وَ آتَى الْمالَ عَلى‏ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ السَّائِلِينَ وَ فِي الرِّقابِ وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ
وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ
 أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) } سورة البقرة .
الميزان في تفسير القرآن ج‏1ص428.
(بيان) مفردات ألفاظ الآية :
قيل: كثر الجدال و الخصام بين الناس بعد تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة و طالت المشاجرة فنزلت الآية.
قوله تعالى: { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ } .
البر : بالكسر التوسع من الخير و الإحسان .
 و البرَ : بالفتح صفة مشبهة منه .
و القبل : بالكسر فالفتح الجهة ، و منه القبلة ، و هي النوع من الجهة .
و ذوو القربى : الأقرباء .
و اليتامى : جمع يتيم و هو الذي لا والد له .
و المساكين : جمع مسكين و هو أسوأ حالا من الفقير .
و ابن السبيل : المنقطع عن أهله .
و الرقاب : جمع رقبة و هي رقبة العبد .
و البأساء : مصدر كالبؤس و هو الشدة و الفقر .
و الضراء : مصدر كالضر ، و هو أن يتضرر الإنسان بمرض أو جرح أو ذهاب مال أو موت ولد .
و البأس : شدة الحرب.

تفسير الآية :
قوله تعالى : { وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ } .
عدل عن تعريف البر بالكسر : إلى تعريف البر بالفتح ليكون بيانا و تعريفا للرجال ، مع تضمنه لشرح وصفهم ، و إيماء إلى أنه لا أثر للمفهوم الخالي عن المصداق و لا فضل فيه .
و هذا دأب القرآن : في جميع بياناته ، فإنه يبين المقامات ، و يشرح الأحوال بتعريف رجالها ، من غير أن يقنع ببيان المفهوم فحسب .
و بالجملة قوله : { وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ } .

 تعريف للأبرار : و بيان لحقيقة حالهم .

و قد عرفهم أولا : في جميع المراتب الثلاث : من الاعتقاد ، و الأعمال ، و الأخلاق .

بقوله : { مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ } .
 و ثانيا بقوله : { أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا } .
 و ثالثا بقوله : { وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} .

فأما ما عرفهم به أولا ( أي المرتبة الأولى لإيمان الأبرار ) .
فابتدأ فيه بقوله تعالى : { مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ الْكِتابِ وَ النَّبِيِّينَ } .
 و هذا جامع : لجميع المعارف الحقة التي يريد الله سبحانه من عباده الإيمان بها ، و المراد بهذا الإيمان الإيمان التام الذي لا يتخلف عنه أثره .
الميزان في تفسير القرآن ج‏1ص429.
 لا في القلب : بعروض شك ، أو اضطراب ، أو اعتراض ، أو سخط في شي‏ء مما يصيبه مما لا ترتضيه النفس،  و لا في خلق ، و لا في عمل .

و الدليل : على أن المراد به ذلك ، قوله في ذيل الآية : { أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا } ، فقد أطلق الصدق و لم يقيده بشي‏ء من أعمال القلب و الجوارح ، فهم مؤمنون حقا صادقون في إيمانهم ، كما قال تعالى :
 { فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً }  النساء 68 ،
و حينئذ : ينطبق حالهم على المرتبة الرابعة ، من مراتب الإيمان التي مر بيانها في ذيل قوله تعالى : { إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ }  البقرة 131.
( وإن شاء الله يأتي ذكر مراتب الإسلام والإيمان في الميزان في موضوع مستقل )


ثم ذكر تعالى نبذا من أعمالهم : ( أي أعمال الأبرار وهي المرتبة الثانية ) .

بقوله : { وَ آتَى الْمالَ عَلى‏ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ السَّائِلِينَ وَ فِي الرِّقابِ
 وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ } .
 فذكر الصلاة : و هي حكم عبادي ، و قد قال تعالى : { إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ } : العنكبوت 45، و قال : { وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي } طه14 .
و ذكر الزكاة : و هي حكم مالي فيه صلاح المعاش .
 و ذكر قبلهما : إيتاء المال ، و هو بث الخير و نشر الإحسان غير الواجب لرفع حوائج المحتاجين و إقامة صلبهم.

ثم ذكر سبحانه نبذا من جمل أخلاقهم : ( أي أخلاق الأبرار وهي المرتبة الثالث ).
بقوله : { وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ } .
 فالعهد : هو الالتزام بشي‏ء و العقد له ، و قد أطلقه تعالى ، و هو مع ذلك لا يشمل الإيمان و الالتزام بأحكامه ، كما توهمه بعضهم ، لمكان قوله : { إذا عاهدوا } ، فإن الالتزام بالإيمان و لوازمه لا يقبل التقيد بوقت دون وقت كما هو ظاهر، و لكنه يشتمل بإطلاقه كل وعد وعده الإنسان ، و كل قول قاله التزاما ، كقولنا: لأفعلن كذا و لأتركن.
 و كل عقد : عقد به في المعاملات و المعاشرات و نحوها .

و الصبر : هو الثبات على الشدائد ، حين تهاجم المصائب ، أو مقارعة الأقران .

 و هذان الخلقان : و إن لم يستوفيا جميع الأخلاق الفاضلة ، غير أنهما إذا تحققا تحقق ما دونهما .
و الوفاء بالعهد و الصبر عند الشدائد : خلقان ، يتعلق أحدهما بالسكون ، و الآخر بالحركة و هو الوفاء .
فالإتيان بهذين الوصفين : من أوصافهم ، بمنزلة أن يقال : إنهم إذا قالوا قولا أقدموا عليه و لم يتجافوا عنه بالزوال.

و أما ما عرفهم به ثانيا بقوله :
{ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا } ، فهو وصف جامع لجمل فضائل العلم و العمل .
الميزان في تفسير القرآن، ج‏1، ص: 430
فإن الصدق : خلق يصاحب جميع الأخلاق ، من العفة ، و الشجاعة ، و الحكمة ، و العدالة ، و فروعها .

فإن الإنسان : ليس له إلا الاعتقاد ، و القول ، و العمل .
 و إذا صدق : تطابقت الثلاثة ، فلا يفعل إلا ما يقول ، و لا يقول إلا ما يعتقد .
و الإنسان : مفطور على قبول الحق و الخضوع له باطنا ، و إن أظهر خلافه ظاهرا .
فإذا أذعن : بالحق و صدق فيه ؛ قال ما يعتقده ، و فعل ما يقوله .
و عند ذلك : تم له الإيمان الخالص ، و الخلق الفاضل ، و العمل الصالح .
قال تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } التوبة120.
 و الحصر في قوله : { أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا } ، يؤكد التعريف و بيان الحد .
 و المعنى- و الله أعلم- : إذا أردت الذين صدقوا ، فأولئك هم الأبرار.


و أما ما عرفهم به ثالثا بقوله : { وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } .
 الحصر
: لبيان الكمال ، فإن البر و الصدق ، لو لم يتما ، لم تتم التقوى .

و الذي بينه تعالى : في هذه الآية من الأوصاف الأبرار ، هي التي ذكرها في غيرها .
قال تعالى : { إِنَّ الْأَبْرارَ
يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً - عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً- وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً- إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ- إلى أن قال- وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً }  الدهر5 - 12 .
 فقد ذكر فيها : الإيمان بالله و اليوم الآخر ، و الإنفاق لوجه الله ، و الوفاء بالعهد و الصبر .

و قال تعالى أيضا : { كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ
لَفِي عِلِّيِّينَ وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ. إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ- إلى أن قال- يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ- إلى أن قال- عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ } المطففين 18- 28.
 بالتطبيق : بين هذه الآيات ، و الآيات السابقة عليها ، يظهر حقيقة وصفهم ، و مآل أمرهم إذا تدبرت فيها .
 و قد وصفتهم الآيات : بأنهم عباد الله و أنهم المقربون .
و قد وصف الله سبحانه : عباده ، فيما وصف ، بقوله : { إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ } الحجر42 .
و وصف المقربين : بقوله : { وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ } الواقعة - 12.
 فهؤلاء : هم السابقون في الدنيا إلى ربهم ، السابقون في الآخرة إلى نعيمه .

و لو أدمت البحث : عن حالهم ، فيما تعطيه الآيات ، لوجدت عجبا .
و قد بان مما مر :
أن الأبرار : أهل المرتبة العالية من الإيمان .
و هي المرتبة الرابعة : على ما مر بيانه سابقا ، قال تعالى : { الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ } الأنعام - 82 .
 الميزان في تفسير القرآن، ج‏1، ص: 431

قوله تعالى : { وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ } .
 منصوب على المدح : إعظاما لأمر الصبر ، و قد قيل إن الكلام إذا طال بذكر الوصف بعد الوصف ، فمذهبهم أن يعترضوا بين الأوصاف بالمدح و الذم ، و اختلاف الإعراب بالرفع و النصب .

 

 

بحث روائي : معنى الأبرار :
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
من عمل : بهذه الآية ، فقد استكمل الإيمان .
أقول : و وجهه واضح بما بيناه .
 و قد نقل عن الزجاج و الفراء أنهما قالا: إن الآية مخصوصة بالأنبياء المعصومين ، لأن هذه الأشياء لا يأتيها بكليتها على حق الواجب فيها إلا الأنبياء . انتهى .
 و هو ناشئ : من عدم التدبر فيما تفيده الآيات ، و الخلط بين المقامات المعنوية .
 و قد أنزلت : آيات سورة الدهر في أهل بيت رسول الله صلى الله عليهم وسلم ، و سماهم الله فيها أبرارا ، و ليسوا بأنبياء .
نعم : خطرهم عظيم ، و قد وصف الله حال :
أولي الألباب : الذين يذكرون الله قياما و قعودا و على جنوبهم ، و يتفكرون في خلق السماوات و الأرض .
 ثم ذكر مسألتهم : أن يلحقهم الله بالأبرار ، قال: { وَ تَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ } آل عمران- 193.

و في الدر المنثور : أخرج الحكيم الترمذي عن أبي عامر الأشعري قال: قلت:
يا رسول الله : ما تمام البر ؟
 قال : أن تعمل في السر ، ما تعمل في العلانية .

و في المجمع : عن أبي جعفر و أبي عبد الله عليهم السلام :
 ذوي القربى : قرابة النبي .
أقول : و كأنه من قبيل عد المصداق ، بالنظر إلى آية القربى .

و في الكافي : عن الصادق عليه السلام :
الفقير : الذي لا يسأل الناس .
و المسكين : أجهد منه .
و البائس : أجهدهم .
و في المجمع، عن أبي جعفر عليه السلام :
ابن السبيل : المنقطع به.
و في التهذيب، عن الصادق عليه السلام : سئل عن مكاتب عجز عن مكاتبته و قد أدى بعضها.
 قال: عليه السلام :
 يؤدي عنه من مال الصدقة- فإن الله عز و جل يقول: وَ فِي الرِّقابِ.
و في تفسير القمي: في قوله: { وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ } .
 قال: عليهه السلام : في الجوع و العطش و الخوف .
 و في قوله : { وَ حِينَ الْبَأْسِ } .
قال: قال عليه السلام : عند القتال‏.
الميزان في تفسير القرآن ج‏1ص432.

 

 

 

===============

معنى وتفسير
تفسير سورة الدهر
حقائق الأبرار وجزائهم الكريم

معاني ألفاظ : قوله تعالى :
{ إِنَّ الْأَبْرارَ
يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورا
(5) } الإنسان .

الكأس : إناء الشراب إذا كان فيه شراب .
و المزاج : ما يمزج به كالحزام لما يحزم به .
و الكافور : معروف يضرب به المثل في البرودة ، و طيب الرائحة ، و قيل: هو اسم عين في الجنة .
و الأبرار : جمع بر ، بفتح الباء صفة مشبهة من البر و هو الإحسان .
و يتحصل معناه : في أن يحسن الإنسان في عمله ، من غير أن يريد به نفعا يرجع إليه من جزاء أو شكور ، فهو يريد الخير لأنه خير ، لا لأن فيه نفعا يرجع إلى نفسه ، و إن كرهت نفسه ذلك ، فيصبر على مر مخالفة نفسه فيما يريده ، و يعمل العمل لأنه خير في نفسه ، كالوفاء بالنذر ، أو لأن فيه خيرا لغيره كإطعام الطعام للمستحقين من عباد الله .
و إذ لا خير : في عمل ، و لا صلاح إلا بالإيمان بالله و رسوله و اليوم الآخر كما قال تعالى :
{ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ } الأحزاب 19 إلى غير ذلك من الآيات .
فالأبرار : مؤمنون بالله و رسوله و اليوم الآخر ، و إذ كان إيمانهم إيمان رشد و بصيرة ، فهم يرون أنفسهم عبيدا مملوكين لربهم ، له خلقهم و أمرهم ، لا يملكون لأنفسهم نفعا و لا ضرا .
الميزان في تفسير القرآن ج‏20 ص125.
عليهم : أن لا يريدوا إلا ما أراده ربهم ، و لا يفعلوا إلا ما يرتضيه ، فقدموا إرادته على إرادة أنفسهم ، و عملوا له فصبروا على مخالفة أنفسهم فيما تهواه و تحبه و كلفة الطاعة ، و عملوا ما عملوه لوجه الله ، فأخلصوا العبودية في مرحلة العمل لله سبحانه .
و هذه الصفات : هي التي عرف سبحانه الأبرار بها ، كما يستفاد من قوله : { يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ } ، و قوله : { إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ } و قوله : { وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا } .
و هي المستفادة من قوله في صفتهم : { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ...... } البقرة 177 .
و قد مر بعض الكلام : في معنى البر في تفسير الآية .
و سيأتي بعضه في قوله : { كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ } المطففين 18.

++++

( جزاء الأبرار وشرابهم : )

و الآية أعني قوله :
 { إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ..... } .
بما يتبادر : من معناها من حيث مقابلتها ، لقوله : { إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ ....} ، المبين لحال الكافرين في الآخرة .
 تبين حال الأبرار : في الآخرة في الجنة ، و أنهم يشربون من شراب ممزوج بالكافور باردا طيب الرائحة .
 

قوله تعالى : { عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً } .
 { عَيْناً } : منصوب بنزع الخافض ، و التقدير من عين ، أو بالاختصاص : و التقدير أخص عينا .
 و الشرب : على ما قيل يتعدى بنفسه و بالباء ، فشرب بها ، و شربها واحد .

و التعبير عنهم : بـ { عباد الله } للإشارة إلى تحليهم بحلية العبودية ، و قيامهم بلوازمها على ما يفيده سياق المدح.
و تفجير العين : شق الأرض لإجرائها ، و ينبغي أن يحمل تفجيرهم العين على إرادتهم جريانها ، لأن نعم الجنة لا تحتاج في تحققها و التنعم بها إلى أزيد من مشية أهلها ، قال تعالى :
{ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها ( 35) } ق .


و الآيتان : كما تقدمت الإشارة إليه ، تصفان تنعم الأبرار بشراب الجنة في الآخرة ، و بذلك فسرت الآيتان .
و لا يبعد : أن تكون الآيتان مسوقتين على مسلك تجسم الأعمال ، تصفان حقيقة عملهم الصالح من الإيفاء بالنذر و إطعام الطعام لوجه الله .
 و أن أعمالهم : المذكورة بحسب باطنها ، شرب من كأس مزاجها كافور ، من عين لا يزالون يفجرونها بأعمالهم الصالحة ، و ستظهر لهم بحقيقتها في جنة الخلد ، و إن كانت في الدنيا في صورة الأعمال .
فتكون الآيتان : في مجرى أمثال قوله تعالى : { إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) } يس .
الميزان في تفسير القرآن ج‏20ص126.
و يؤيد ذلك : ظاهر قوله : { يَشْرَبُونَ } و { يَشْرَبُ بِها } .
و لم يقل : سيشربون و سيشرب بها .
و وقوع قوله : يشربون ، و يوفون ، و يخافون ، و يطعمون ، متعاقبة في سياق واحد .
 و ذكر التفجير في قوله : { يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرا ً} الظاهر في استخراج العين و إجرائها بالتوسل بالأسباب.

و لهم في مفردات الآيتين و إعرابها : أقاويل كثيرة مختلفة ، مذكورة في المطولات ، فليراجعها من أراد الوقوف عليها.

 

++

( من خصائص الأبرار : يوفون بالنذر ويطعمون على حب الله ولوجهه )

قوله تعالى : { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً } .
 المستطير : اسم فاعل من استطار إذا فشا و انتشر في الأقطار غاية الانتشار ، و هو أبلغ من طار  كما قيل .
 يقال : استطار الحريق ، و استطار الفجر إذا اتسعا غايته ، و المراد باستطارة شر اليوم ، و هو يوم القيامة بلوغ شدائده و أهواله ، و ما فيه من العذاب غايته .
و المراد بالإيفاء بالنذر : ما هو ظاهره المعروف من معناه .
و قول القائل : إن المراد به ما عقدوا عليه قلوبهم من العمل بالواجبات ، أو ما عقدوا عليه القلوب من إتباع الشارع في جميع ما شرعه ، خلاف ظاهر اللفظ من غير دليل يدل عليه .

قوله تعالى : { وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً } .

 ضمير  : { عَلى‏ حُبِّهِ } للطعام على ما هو الظاهر، و المراد بحبه : توقان النفس إليه لشدة الحاجة .
 و يؤيد هذا المعنى قوله تعالى: { لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (92) } آل عمران .
و قيل : الضمير لله سبحانه ، أي يطعمون الطعام حبا لله لا طمعا في الثواب ، و يدفعه أن قوله تعالى حكاية منهم : { إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ } يغني عنه .
و يليه في الضعف ما قيل : إن الضمير للإطعام المفهوم من قوله : { وَ يُطْعِمُونَ } .
 وجه الضعف : أنه إن أريد بحب الإطعام حقيقة معناه ، فليس في حب الإطعام في نفسه فضل حتى يمدحوا به ، و إن أريد به كون الإطعام بطيب النفس و عدم التكلف،  فهو خلاف الظاهر ، و رجوع الضمير إلى الطعام هو الظاهر .

و المراد بالمسكين و اليتيم : معلوم .
 و المراد بالأسير : ما هو الظاهر منه ، و هو المأخوذ من أهل دار الحرب.
و قول بعضهم : إن المراد به أسارى بدر ، أو الأسير من أهل القبلة في دار الحرب  .
الميزان في تفسير القرآن ج‏20ص127.
بأيدي الكفار أو المحبوس أو المملوك من العبيد أو الزوجة .
كل ذلك : تكلف ، من غير دليل يدل عليه .

و الذي يجب أن يتنبه له : أن سياق هذه الآيات سياق الاقتصاص ، تذكر قوما من المؤمنين تسميهم الأبرار ، و تكشف عن بعض أعمالهم .
و هو : الإيفاء بالنذر ، و إطعام مسكين ، و يتيم ، و أسير ، و تمدحهم ، و تعدهم الوعد الجميل .
فما تشير إليه : من القصة سبب النزول ، و ليس سياقها سياق فرض موضوع ، و ذكر آثارها الجميلة ، ثم الوعد الجميل عليها ، ثم إن عد الأسير فيمن أطعمه هؤلاء الأبرار .
نعم الشاهد : على كون الآيات مدنية ، فإن الأسر إنما كان بعد هجرة النبي ،  و ظهور الإسلام على الكفر و الشرك ، لا قبلها .

قوله تعالى : { إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً } .
 وجه الشيء : هو ما يستقبل به غيره .
و وجهه تعالى : صفاته الفعلية الكريمة التي يفيض بها الخير على خلقه من الخلق و التدبير و الرزق .
و بالجملة : الرحمة العامة التي بها قيام كل شي‏ء .

 و معنى كون العمل : لوجه الله على هذا ، كون الغاية في العمل هي الاستفاضة من رحمة الله ، و طلب مرضاته بالاقتصار على ذلك ، و الإعراض عما عند غيره من الجزاء المطلوب .
 و لذا ذيلوا قولهم :
{ إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ } بقولهم : { لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً } .
و وراء ذلك : صفاته الذاتية الكريمة التي هي المبدأ لصفاته الفعلية و لما يترتب عليها من الخير في العالم .
و مرجع كون : العمل لوجه الله على هذا ، هو الإتيان بالعمل حبا لله لأنه الجميل على الإطلاق .
و إن شئت فقل : عبادته تعالى لأنه أهل للعبادة.
و ابتغاء وجه الله : بجعله غاية داعية في الأعمال مذكور في مواضع من كلامه تعالى .
كقوله : { وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ( 28) } الكهف .
و قوله : { وَ ما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ { 272} البقرة .
و في هذا المعنى قوله :{ وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (5) } البينة.
و قوله : { فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (65) } المؤمن .
و قوله : { أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ (3) }  الزمر .

و قوله : { لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً } :
 الجزاء : مقابلة العمل بما يعادله ، إن خيرا فخيرا ، و إن شرا فشرا ، و يعم الفعل و القول .
لكن المراد به في الآية : بقرينة مقابلته الشكور،  مقابلة إطعامهم عملا لا لسانا .
الميزان في تفسير القرآن ج‏20ص128.
و الشكر و الشكور : ذكر النعمة و إظهارها قلبا أو لسانا أو عملا .
و المراد به في الآية : و قد قوبل بالجزاء الثناء الجميل لسانا .

و الآية أعني قوله : { إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ ....} :
 خطاب منهم : لمن أطعموه من المسكين و اليتيم و الأسير .
إما بلسان المقال : فهي حكاية قولهم ، أو بتقدير القول ، و كيف كان فقد أرادوا به تطييب قلوبهم ، أن يأمنوا المن و الأذى .
و إما بلسان الحال : و هو ثناء من الله عليهم ، لما يعلم من الإخلاص في قلوبهم .

قوله تعالى : { إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً } :
عد اليوم : و هو يوم القيامة  عبوسا من الاستعارة .
و المراد بعبوسه : ظهوره على المجرمين بكمال شدته .
و القمطرير : الصعب الشديد على ما قيل .
و الآية : في مقام التعليل لقولهم المحكي : { إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ  ... } .
ينبهون بقولهم هذا : أن قصرهم العمل في ابتغاء وجه الله تعالى ، إخلاصا للعبودية ، لمخافتهم ذاك اليوم الشديد .
 و لم يكتفوا : بنسبة المخافة إلى اليوم ، حتى نسبوه نحوا من النسبة إلى ربهم .
فقالوا : { نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً ..... } لأنهم لما لم يريدوا إلا وجه ربهم ، فهم لا يخافون غيره ، كما لا يرجون غيره ، و إنما يخافون و يرجون ربهم ، فلا يخافون يوم القيامة إلا لأنه من ربهم يحاسب فيه عباده على أعمالهم فيجزيهم بها.

و أما قوله قبلا : { وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً } :
حيث نسب : خوفهم إلى اليوم ، فإن الواصف فيه ، هو الله سبحانه ، و قد نسب اليوم بشدائده إلى نفسه قبلا حيث قال :
{ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ..... } .
و بالجملة : ما ذكروه من الخوف ، مخافة في مقام العمل لما يحاسب العبد على عمله ، فالعبودية لازمة للإنسان لا تفارقه ، و إن بلغ ما بلغ .
قال تعالى : { إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (26) } الغاشية  .
++++

 

 جزاء الأبرار في الجنة وأوصاف أحوالهم وملكهم الكبير وخصائصه :

قوله تعالى : { فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً }:
الوقاية : الحفظ ، و المنع من الأذى .
و لقي : بكذا يلقيه أي استقبله به .
و النضرة : البهجة ، و حسن اللون ، و السرور مقابل المساءة و الحزن.
و المعنى : فحفظهم الله ، و منع عنهم شر ذلك اليوم ، و استقبلهم بالنضرة و السرور ، فهم ناضرة الوجوه مسرورون يومئذ  .
 كما قال : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (22)  القيامة .
الميزان في تفسير القرآن ج‏20ص129.

قوله تعالى : { وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً } .
 المراد بالصبر : صبرهم عند المصيبة و على الطاعة و عن المعصية ، فإنهم ابتغوا في الدنيا وجه ربهم ، و قدموا إرادته على إرادتهم ، فصبروا على ما قضى به فيهم ، و أراده من المحن و مصائب الدنيا في حقهم .
و صبروا : على امتثال ما أمرهم به ، و صبروا على ترك ما نهاهم عنه ، و إن كان مخالفا لأهواء أنفسهم ، فبدل الله ما لقوه من المشقة و الكلفة نعمة و راحة .

قوله تعالى : { مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَ لا زَمْهَرِيراً } :
 الأرائك : جمع أريكة ، و هو ما يتكأ عليه .
 و الزمهرير : البرد الشديد .
و المعنى : حال كونهم متكئين في الجنة على الأرائك ، لا يرون فيها شمسا حتى يتأذوا بحرها ، و لا زمهريرا حتى يتأذوا ببرده.

قوله تعالى : { وَ دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا } :
 الظلال : جمع ظل ، و دنو الظلال عليهم قربها منهم ، بحيث تنبسط عليهم ، فكان الدنو مضمن معنى الانبساط .
و قطوف : جمع قطف بالكسر فالسكون ، و هو الثمرة المقطوفة المجتناة .
 و تذليل القطوف لهم : جعلها مسخرة لهم ، يقطفونها كيف شاءوا من غير مانع أو كلفة.

قوله تعالى : { وَ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا } :
 الآنية : جمع إناء،  كأكسية جمع كساء و هو الوعاء .
 و أكواب : جمع كوب ، و هو إناء الشراب الذي لا عروة له و لا خرطوم .
و المراد : طواف الولدان المخلدين عليهم بالآنية و أكواب الشراب ، كما سيأتي في قوله : { وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ ....}  الآية.

قوله تعالى : { قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً } .
 بدل من قوارير : في الآية السابقة ، و كون القوارير من فضة مبني على التشبيه البليغ ، أي إنها في صفاء الفضة ، و إن لم تكن منها حقيقة ، كذا قيل .
 و احتمل : أن يكون بحذف مضاف ، و التقدير من صفاء الفضة.
و ضمير الفاعل : في { قَدَّرُوها } للأبرار .
و المراد بتقديرهم : الآنية و الأكواب ، كونها على ما شاءوا من القدر ، ترويهم بحيث لا تزيد و لا تنقص .
كما قال تعالى : { لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها (35) } ق .
و قد قال تعالى قبل : { يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً }  .
و يحتمل رجوع الضمير : إلى الطائفين ، المفهوم من قوله : { يُطافُ عَلَيْهِمْ } .
 و المراد : بتقديرهم الآنية و الأكواب ، إتيانهم بها على قدر ما أرادوا ، محتوية على ما اشتهوا قدر ما اشتهوا .
الميزان في تفسير القرآن ج‏20ص130.

قوله تعالى : { وَ يُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا } :
 قيل : إنهم كانوا يستطيبون الزنجبيل في الشراب ، فوعد الأبرار بذلك ، و زنجبيل الجنة أطيب و ألذ.

قوله تعالى : { عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا } أي من عين أو التقدير ، أعني ، أو أخص عينا .
قال الراغب : و قوله : { سَلْسَبِيلًا } أي سهلا لذيذا سلسا حديد الجرية .

قوله تعالى : { وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً } ؟
 أي ولدان دائمون : على ما هم عليه من الطراوة و البهاء و صباحة المنظر .
و قيل: أي مقرطون بخلدة و هي ضرب من القرط.
و المراد : بحسبانهم لؤلؤا منثورا ، أنهم في صفاء ألوانهم ، و إشراق وجوههم ، و انعكاس أشعة بعضهم على بعض ، و انبثاثهم في مجالسهم ، كاللؤلؤ المنثور.

++++

قوله تعالى : { وَ إِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَ مُلْكاً كَبِيراً } :
 { ثَمَّ } : ظرف مكان ممحض في الظرفية .
 و لذا قيل : إن معنى { رَأَيْتَ } :
 الأول : رميت ببصرك ، و المعنى و إذا رميت ببصرك ، ثم يعني الجنة ، رأيت نعيما لا يوصف ، و ملكا كبيرا لا يقدر قدره.
و قيل : { ثَمَّ } صلة محذوفة الموصول ، و التقدير : و إذا رأيت ما ثم من النعيم و الملك ، و هو كقوله : { لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ (94) } الأنعام ، و الكوفيون من النحاة يجوزون حذف الموصول و إبقاء الصلة ، و إن منعه البصريون منهم.

قوله تعالى : { عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَ إِسْتَبْرَقٌ ... } :
الظاهر أن  { عالِيَهُمْ } ، حال من الأبرار الراجعة إليه الضمائر .
و { ثِيابُ }  فاعله .
و الـ { سندس} كما قيل : ما رق نسجه من الحرير .
و الـ { خضر } صفة ثياب .
و الـ { إستبرق } ما غلظ نسجه من ثياب الحرير ، و هو معرب كالسندس .

و قوله : { وَ حُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّة ٍ} :
 التحلية :  التزيين .
 و أساور : جمع سوار و هو معروف ، و قال الراغب : هو معرب دستواره.

و قوله : { وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً } أي بالغا في التطهير ، لا تدع قذارة إلا أزالها ، و من القذارة قذارة الغفلة عن الله سبحانه ، و الاحتجاب عن التوجه إليه ، فهم غير محجوبين عن ربهم .
و لذا كان لهم : أن يحمدوا ربهم ، كما قال : { وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (10) } يونس .
 و قد تقدم : في تفسير سورة الحمد ، إن الحمد : وصف لا يصلح له إلا المخلصون من عباد الله تعالى ، لقوله : { سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160} الصافات  .
 الميزان في تفسير القرآن ج‏20ص131 .
و قد أسقط تعالى في قوله : { وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ } الوسائط كلها ، و نسب سقيهم إلى نفسه .
و هذا أفضل : ما ذكره الله تعالى من النعيم الموهوب لهم في الجنة .
و لعله : من المزيد ، المذكور في قوله : { لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَ لَدَيْنا مَزِيدٌ (35) }  ق .
قوله تعالى : { إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَ كانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً } :
 حكاية : ما يخاطبون به من عنده تعالى ، عند توفيته أجرهم ، أو بحذف القول و التقدير ، و يقال لهم : إن هذا كان لكم جزاء .... .

و قوله : { وَ كانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً } :
 إنشاء شكر : لمساعيهم المرضية ، و أعمالهم المقبولة .
و يا لها : من كلمة طيبة ، تطيب بها نفوسهم .

و اعلم : أنه تعالى لم يذكر فيما ذكر من نعيم الجنة ، في هذه الآيات نساء الجنة من الحور العين .
و هي : من أهم ما يذكره عند وصف نعم الجنة في سائر كلامه ، و يمكن أن يستظهر منه أنه كانت بين هؤلاء الأبرار الذين نزلت فيهم الآيات ، من هي من النساء .
و قال في روح المعاني : و من اللطائف على القول بنزول السورة فيهم ، يعني في أهل البيت ، إنه سبحانه لم يذكر فيها الحور العين ، و إنما صرح عز و جل بولدان مخلدين ، رعاية لحرمة البتول ، و قرة عين الرسول ، انتهى .
 

=====

 


بحث روائي‏ : في سورة الإنسان وشأن نزولها وكونها مدنية :
في إتقان السيوطي : عن البيهقي في دلائل النبوة بإسناده عن عكرمة ، و الحسن بن أبي الحسن قالا:
أنزل الله من القرآن بمكة : اقرأ باسم ربك ، و ن ، و المزمل ...... إلى أن قالا :
 و ما نزل بالمدينة : ويل للمطففين ، و البقرة ، و آل عمران ، و الأنفال ، و الأحزاب ، و المائدة ، و الممتحنة ، و النساء ، و إذا زلزلت ، و الحديد ، و محمد ، و الرعد ، و الرحمن ، و هل أتى على الإنسان ... الحديث .
و فيه، عن ابن الضريس : في فضائل القرآن ، بإسناده عن عثمان بن عطاء الخراساني ، عن أبيه عن ابن عباس قال :
 كان إذا نزلت : فاتحة سورة بمكة ، كتبت بمكة ، ثم يزيد الله فيها ما شاء .
و كان أول ما أنزل من القرآن : اقرأ باسم ربك ، ثم ن ، ثم يا أيها المزمل ... إلى أن قال :
الميزان في تفسير القرآن ج‏20ص132.
ثم أنزل بالمدينة : سورة البقرة ، ثم الأنفال ،  ثم آل عمران ، ثم الأحزاب ، ثم الممتحنة ، ثم النساء ،  ثم إذا زلزلت ، ثم الحديد ، ثم القتال ، ثم الرعد،  ثم الرحمن ، ثم الإنسان .... الحديث .
و فيه، عن البيهقي في الدلائل : بإسناده عن مجاهد ، عن ابن عباس ، أنه قال:
إن أول ما أنزل الله : على نبيه،  من القرآن : اقرأ باسم ربك ، و ذكر مثل حديث عكرمة و الحسين ،  و فيه ذكر ثلاث من السور المكية التي سقطت من روايتهما ، و هي الفاتحة ، و الأعراف ، و كهيعص .
و في الدر المنثور : أخرج ابن الضريس ، و ابن مردويه و البيهقي ، عن ابن عباس قال:
نزلت سورة الإنسان بالمدينة .
و فيه، أخرج ابن مردويه : عن ابن عباس ،  في قوله تعالى :
{ وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّه  ...... } :
 قال : نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب ، و فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليهم وسلم .
أقول : الآية تشارك سائر آيات صدر السورة مما تقدم عليها أو تأخر عنها ، في سياق واحد متصل ، فنزولها فيهما عليهم السلام لا ينفك نزولها جميعا بالمدينة .

++

( شأن نزول سورة الدهر لوفاء آل محمد نذر شفاء الحسن والحسين عليهم السلام : )
و في الكشاف : و عن ابن عباس :
أن الحسن و الحسين : مرضا ، فعادهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ناس معه .
فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك (ولديك ظ) .
فنذر : علي و فاطمة و فضة جارية لهما ، إن برءا مما بهما أن يصوموا ثلاثة أيام ، فشفيا ، و ما معهم شي‏ء .
فاستقرض علي : من شمعون الخيبري اليهودي ، ثلاث أصوع من شعير .
فطحنت فاطمة : صاعا ، و اختبزت خمسة أقراص على عددهم ، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا .
فوقف عليهم سائل و قال : السلام عليكم أهل بيت محمد ، مسكين من مساكين المسلمين ، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة .
فآثروه : و باتوا لم يذوقوا إلا الماء ، و أصبحوا صياما .
فلما أمسوا : و وضعوا الطعام بين أيديهم .
وقف عليهم يتيم : فآثروه ، و وقف عليهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك .
فلما أصبحوا أخذ علي بيد الحسن و الحسين ، و أقبلوا إلى رسول الله .
فلما أبصرهم : و هم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع ، قال :
ما أشد : ما يسوءني ما أرى بكم ، فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها ، قد التصق ظهرها ببطنها و غارت عيناها ، فساءه ذلك .

فنزل جبريل عليه السلام و قال : خذها يا محمد ، هنأك الله في أهل بيتك ، فأقرأه السورة :
الميزان في تفسير القرآن ج‏20 ص 133.
أقول : الرواية مروية بغير واحد من الطرق ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، و نقلها البحراني في غاية المرام ، عن أبي المؤيد الموفق بن أحمد في كتاب فضائل أمير المؤمنين ، بإسناده عن مجاهد عن ابن عباس ، و عنه بإسناد آخر عن الضحاك عن ابن عباس ، و عن الحمويني في كتاب فرائد السمطين بإسناده عن مجاهد عن ابن عباس ، و عن الثعلبي بإسناده عن أبي صالح عن ابن عباس ، و رواه في المجمع ، عن الواحدي في تفسيره .

+++

( تأكيد نزول هل أتى أي سورة الإنسان في المدينة ورد ما يخالفه )

و في المجمع : بإسناده عن الحاكم ، بإسناده عن سعيد بن المسيب ، عن علي بن أبي طالب ، أنه قال سألت النبي عن ثواب القرآن: فأخبرني بثواب سورة سورة- على نحو ما نزلت من السماء .
فأول ما نزل عليه بمكة : فاتحة الكتاب ، ثم اقرأ باسم ربك ، ثم ن ، .... إلى أن قال :
 و أول ما نزل بالمدينة : سورة البقرة ، ثم الأنفال ،  ثم آل عمران ، ثم الأحزاب ، ثم الممتحنة ، ثم النساء ،  ثم إذا زلزلت ، ثم الحديد ، ثم سورة محمد ، ثم الرعد ،  ثم سورة الرحمن ، ثم هل أتى . ... الحديث.

و فيه : عن أبي حمزة الثمالي في تفسيره ، قال : حدثني الحسن بن الحسن أبو عبد الله بن الحسن  :
أنها مدنية نزلت في علي و فاطمة السورة كلها.

و في تفسير القمي : عن أبيه ، عن عبد الله بن ميمون ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
كان عند فاطمة عليه السلام : شعير ، فجعلوه عصيدة « العصيدة: شعير يلت بالسمن و يطبخ » .
فلما أنضجوها : و وضعوها بين أيديهم .
جاء مسكين فقال : مسكين رحمكم الله .
فقام علي عليه السلام : فأعطاه ثلثا .
فلم يلبث : أن جاء يتيم ، فقال : اليتيم رحمكم الله .
فقام علي عليه السلام : فأعطاه الثلث .
ثم جاء أسير فقال : الأسير رحمكم الله .
فأعطاه علي عليه السلام : الثلث .
 و ما ذاقوها : فأنزل الله سبحانه الآيات فيهم .
 و هي جارية : في كل مؤمن فعل ذلك لله عز و جل .
أقول : القصة كما ترى ، ملخصة في الرواية .
و روى ذلك البحراني : في غاية المرام ، عن المفيد في الاختصاص ، مسندا .
و عن ابن بابويه : في الأمالي ، بإسناده عن مجاهد عن ابن عباس، و بإسناده عن سلمة بن خالد ، عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام ، و عن محمد بن العباس بن ماهيار في تفسيره ، بإسناده عن أبي كثير الزبيري عن عبد الله بن عباس ، و في المناقب : أنه مروي عن الأصبغ بن نباتة .
الميزان في تفسير القرآن، ج‏20، ص: 134
و في الاحتجاج، عن علي عليه السلام : في حديث يقول فيه للقوم ، بعد موت عمر بن الخطاب :
نشدتكم بالله : هل فيكم أحد نزل فيه،  و في ولده :
 { إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً .... } إلى آخر السورة ، غيري ؟
 قالوا : لا.

و في كتاب الخصال : في احتجاج علي على أبي بكر ، قال :
 أنشدك بالله : أنا صاحب الآية : { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً } أم أنت ؟
قال : بل أنت .

++++

( ما ذكر من شأن النزول عند البعض يرجع لشأن النزول في آل محمد )

و في الدر المنثور : أخرج الطبراني ، و ابن مردويه ، و ابن عساكر ، عن ابن عمر قال :
 جاء رجل من الحبشة : إلى رسول الله ، فقال له رسول الله : سل و استفهم .
 فقال : يا رسول الله : فضلتم علينا  بالألوان و الصور و النبوة ، أ فرأيت إن آمنت بما آمنت به ، و عملت بمثل ما عملت به ، إني لكائن معك في الجنة ؟
قال : نعم و الذي نفسي بيده ، إنه ليرى بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام . ثم قال :
 من قال : لا إله إلا الله ، كان له عهد عند الله .
و من قال : سبحان الله و بحمده ، كتبت له مائة ألف حسنة  و أربعة و عشرون ألف حسنة .
 و نزلت عليه السورة : { هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ .... إلى قوله : ... مُلْكاً كَبِيراً } .
فقال الحبشي : و إن عيني لترى ما ترى عيناك في الجنة ؟
 قال : نعم .
فاشتكى : حتى فاضت نفسه .
قال عمر : فلقد رأيت رسول الله ص يدليه في حفرته بيده .

و فيه : أخرج أحمد في الزهد ، عن محمد بن مطرف ، قال : حدثني الثقة :
أن رجلا أسود : كان يسأل النبي عن التسبيح و التهليل .
 فقال له عمر بن الخطاب : مه ، أكثرت على رسول الله .
 فقال : مه يا عمر .
و أنزلت على رسول الله  : { هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ } .
حتى إذا أتى : على ذكر الجنة ، زفر الأسود زفرة خرجت نفسه .
فقال النبي : مات شوقا إلى الجنة.

و فيه، أخرج ابن وهب : عن ابن زيد أن رسول الله قرأ هذه السورة : {  هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ }
 و قد أنزلت عليه : و عنده رجل أسود ، فلما بلغ صفة الجنان زفر زفرة فخرجت نفسه .
فقال رسول الله : أخرج نفس صاحبكم الشوق إلى الجنة.

أقول : و هذه الروايات الثلاث على تقدير صحتها ، لا تدل على أزيد من كون نزول السورة مقارنا لقصة الرجل .
و أما كونها : سببا للنزول ، فلا .
و هذا المعنى : في الرواية الأخيرة ، أظهر .

و بالجملة : لا تنافي الروايات الثلاث ، نزول السورة في أهل البيت عليهم السلام .
 الميزان في تفسير القرآن ج‏20 ص 135.

على أن رواية ابن عمر : للقصة ، الظاهرة في حضوره القصة ، و قد هاجر إلى المدينة ، و هو ابن إحدى عشرة سنة من شواهد وقوع القصة بالمدينة .

و في الدر المنثور : أيضا ، أخرج النحاس عن ابن عباس ، قال : نزلت سورة الإنسان بمكة.
أقول: هو تلخيص حديث طويل أورده النحاس في كتاب الناسخ و المنسوخ ، و قد نقله في الإتقان .

و هو معارض:  لما تقدم نقله ، مستفيضا عن ابن عباس ، من نزول السورة بالمدينة ، و أنها نزلت في أهل البيت عليهم السلام .
على أن : سياق آياتها ، و خاصة قوله : { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ و يُطْعِمُونَ الطَّعامَ ...}  إلى آخر .
سياق قصة : واقعة .
و ذكر الأسير : فيمن أطعموهم ، نِعم الشاهد على نزول الآيات بالمدينة ، إذ لم يكن للمسلمين أسير بمكة ، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك .

( معد الصفحة تعليق : على أن الآيات فيها إيفاء بالنذر وإطعام وأحوال أخرى لم تناسب قصصهم )

+++++

( مضمون الآيات يساعد على أنها نزلت في المدينة أكثر من نزولها في مكة )

قال بعضهم ما ملخصه : أن الروايات مختلفة في مكية هذه السورة و مدنيتها ، و الأرجح أنها مكية ، بل الظاهر من سياقها أنها من عتائق السور القرآنية النازلة بمكة في أوائل البعثة ، يؤيد ذلك ما ورد فيها من صور النعم الحسية المفصلة الطويلة ، و صور العذاب الغليظ ، كما يؤيده ما ورد فيها من أمر النبي  بالصبر لحكم ربه ، و أن لا يطيع منهم آثما أو كفورا ، و يثبت على ما نزل عليه من الحق ، و لا يداهن المشركين من الأوامر التي كانت تنزل بمكة عند اشتداد الأذى على الدعوة و أصحابها بمكة ، كما في سورة القلم و المزمل و المدثر ، فلا عبرة باحتمال مدنية السورة .

و هو فاسد :
أما ما ذكره
: من اشتمال السورة على صور النعم الحسية المفصلة الطويلة ، و صور العذاب الغليظ ، فليس ذلك مما يختص بالسور المكية حتى يقضى بها على كون السورة مكية.
 فهذه : سورة الرحمن ، و سورة الحج ، مدنيتان على ما تقدمت في الروايات المشتملة على ترتيب نزول السور القرآنية ، و قد اشتملتا من صور النعم الحسية المفصلة الطويلة ، و صور العذاب الغليظ ، على ما يربو و يزيد على هذه السورة بكثير .

و أما ما ذكره : من اشتمال السورة على أمر النبي بالصبر ، و أن لا يطيع منهم آثما أو كفورا ، و لا يداهنهم ، و يثبت على ما نزل عليه من الحق .
ففيه : أن هذه الأوامر واقعة في الفصل الثاني من آيات السورة ، و هو قوله : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا } إلى آخر السورة ، و من المحتمل جدا أن يكون هذا الفصل من الآيات ، و هو ذو سياق تام مستقل نازلا بمكة.
الميزان في تفسير القرآن ج20ص136 .
و يؤيده : ما في كثير من الروايات المتقدمة ، أن الذي نزل في أهل البيت بالمدينة ، هو الفصل الأول من الآيات ، و على هذا أول السورة مدني ، و آخرها مكي .
و لو سلم : نزولها دفعة واحدة ، فأمره صلى الله عليه وآله بالصبر ، لا اختصاص له بالسور المكية .
فقد ورد في قوله : { وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) } الكهف ،.
 و الآية : على ما روي مدنية ، و الآية كما ترى متحدة المعنى ، مع قوله : { فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ....} إلى آخر، و هي في سياق شبيه جدا بسياق هذه الآيات ، فراجع ، و تأمل .
ثم الذي كان يلقاه النبي : من أذى المنافقين ، و الذين في قلوبهم مرض ، و الجفاة من ضعفاء الإيمان ، لم يكن بأهون من أذى المشركين بمكة ، يشهد بذلك أخبار سيرته .
و لا دليل أيضا : على انحصار الإثم و الكفور في مشركي مكة ، فهناك غيرهم من الكفار ، و قد أثبت القرآن الإثم لجمع من المسلمين في موارد ، كقوله : { لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ (11) } النور 11 .
و قوله : { وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً (112)} النساء .

 

++++++

( تفسير روائي لمعنى ألفاظ الآيات الكريمة في سورة هل أتى (الإنسان ) ( الدهر ) )

و في المجمع : و روى العياشي بإسناده عن عبد الله بن بكير ، عن زرارة قال :
سألت أبا جعفر عليه السلام عن قوله : { لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً } قال : كان شيئا ، و لم يكن مذكورا .
أقول: و روي فيه، أيضا عن عبد الأعلى مولى آل سام عن أبي عبد الله ع: مثله.
و فيه، أيضا عن العياشي بإسناده عن سعيد الحذاء عن أبي جعفر ع قال: كان مذكورا في العلم و لم يكن مذكورا في الخلق.
أقول: يعني أنه كان له ثبوت في علم الله ثم خلق بالفعل فصار مذكورا فيمن خلق.
و في الكافي، بإسناده عن مالك الجهني عن أبي عبد الله عليه السلام في الآية قال :
 كان مقدرا غير مذكور.
أقول : هو في معنى الحديث السابق .
و في تفسير القمي : في الآية قال : لم يكن في العلم و لا في الذكر .
و في حديث آخر : كان في العلم ، و لم يكن في الذكر.
الميزان في تفسير القرآن، ج‏20، ص: 137
أقول: معنى الحديث الأول : أنه لم يكن في علم الناس ، و لا فيمن يذكرونه فيما بينهم .
 و معنى الثاني : أنه كان في علم الله ،  و لم يكن مذكورا عند الناس.

و في تفسير القمي : أيضا في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام.
 في قوله تعالى : { أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ }.
 قال : ماء الرجل و المرأة اختلطا جميعا .

و في الكافي، بإسناده عن حمران بن أعين قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله عز و جل :
{ إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً } .
قال : إما آخذ فهو شاكر ، و إما تارك فهو كافر.
أقول: و رواه القمي في تفسيره، بإسناده عن ابن أبي عمير عن أبي جعفر ع مثله.
و في التوحيد : بإسناده إلى حمزة بن الطيار عن أبي عبد الله عليه السلام ما يقرب منه و لفظه :
 عرفناه : إما آخذا و إما تاركا.
و في الدر المنثور : أخرج أحمد و ابن المنذر عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله :
 كل مولود : يولد على الفطرة ، حتى يعبر عنه لسانه ، فإذا عبر عنه لسانه ، إما شاكرا و إما كفورا . و الله تعالى أعلم.

و في أمالي الصدوق، بإسناده عن الصادق عن أبيه عليه السلام في حديث :
{ عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً }.
 قال : هي عين في دار النبي ، يفجر إلى دور الأنبياء و المؤمنين .
{ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ } يعني عليا و فاطمة ، و الحسن و الحسين عليهم السلام و جاريتهم .
{ وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً }.
 يقول : عابسا كلوحا .
{ وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ } .
يقول : على شهوتهم للطعام و إيثارهم له .
{ مِسْكِيناً } من مساكين المسلمين .
 { وَ يَتِيماً } من يتامى المسلمين .
{ وَ أَسِيراً } من أسارى المشركين .
و يقولون إذا أطعموهم :
{ إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً }.
 قال : و الله ما قالوا هذا لهم ، و لكنهم أضمروه في أنفسهم فأخبر الله بإضمارهم .
يقولون : لا نريد جزاء تكافئوننا به ، و لا شكورا تثنون علينا به ، و لكنا إنما أطعمناكم لوجه الله و طلب ثوابه .

+++++++

و في الدر المنثور : أخرج سعيد بن منصور ، و ابن أبي شيبة ، و ابن المنذر ، و ابن مردويه ، عن الحسن قال:
كان الأسارى : مشركين ، يوم نزلت هذه الآية : { وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً } .
الميزان في تفسير القرآن ج20ص138 .

أقول : مدلول الرواية نزول الآية بالمدينة .
 نظيرها : ما رواه فيه عن عبد بن حميد عن قتادة ، و ما رواه عن ابن المنذر عن ابن جريح ، و ما رواه عن عبد الرزاق و ابن المنذر عن ابن عباس.

و فيه : أخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  في قوله :
{ يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً } قال: يقبض ما بين الأبصار.
و في روضة الكافي : بإسناده عن محمد بن إسحاق المدني عن أبي جعفر عليه السلام في صفة الجنة ، قال :
 و الثمار : دانية منهم .
و هو قوله عز و جل : { وَ دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها} { وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا } .
من قربها:  منهم ، يتناول المؤمن من النوع الذي يشتهيه من الثمار بفيه و هو متكئ .
 و إن الأنواع : من الفاكهة ليقلن لولي الله :
 يا ولي الله : كلمني قبل أن تأكل هذه قبلي .

و في تفسير القمي : في قوله :
{ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ } قال : مسورون .

و في المعاني : بإسناده عن عباس بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام ، و كنت عنده ذات يوم :
 أخبرني عن قول الله عز و جل : { وَ إِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَ مُلْكاً كَبِيراً } .
 ما هذا الملك : الذي كبر الله عز و جل حتى سماه كبيرا ؟
قال : إذا أدخل الله أهل الجنة الجنة ، أرسل رسولا إلى ولي من أوليائه ، فيجد الحجبة على بابه .
 فتقول له : قف حتى نستأذن لك ، فما يصل إليه رسول ربه إلا بإذن .
فهو قوله عز و جل : { وَ إِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَ مُلْكاً كَبِيراً } .

و في المجمع : { وَ إِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَ مُلْكاً كَبِيراً }
لا يزول و لا يفنى: عن الصادق عليه السلام .

و فيه : { عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ }
 و روي عن الصادق عليه السلام في معناه : تعلوهم الثياب فيلبسونها .
+++++

 

بحث متم ذكره السيد : في تفسير سورة الإنسان (الدهر) ، نذكره للفائدة ولجمال معناه :

كلام في هوية الإنسان على ما يفيده القرآن‏ :
لا ريب : أن في هذا الهيكل المحسوس ، الذي نسميه إنسانا ، مبدأ للحياة ينتسب إليه الشعور و الإرادة .
و قد عبر تعالى عنه : في الكلام في خلق الإنسان - آدم - بالروح .
و في سائر المواضع : من كلامه بالنفس .
قال تعالى : { فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ( 29 ) } الحجر .
الميزان في تفسير القرآن ج20ص139 .
 و قال : { ثُمَّ سَوَّاهُ وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ (9)  } الم السجدة .
و الذي يسبق من الآيتين : إلى النظر البادئ ، أن الروح و البدن حقيقتان اثنتان ، متفارقتان ، نظير العجين المركب من الماء و الدقيق .
و الإنسان : مجموع الحقيقتين ، فإذا قارنت الروح الجسد ، كان إنسانا حيا ، و إذا فارقت ، فهو الموت .
لكن يفسرها قوله تعالى: { قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ (11)} الم السجدة .
 حيث يفيد : أن الروح التي يتوفاها ، و يأخذها قابض الأرواح ، هي التي يعبر عنها بلفظة «كم» .
و هو الإنسان : بتمام حقيقته ، لا جزء من مجموع .
فالمراد : بنفخ الروح في الجسد ، جعل الجسد بعينه إنسانا ، لا ضم واحد إلى واحد آخر يغايره في ذاته و آثار ذاته .
فالإنسان : حقيقة واحدة حين تعلق روحه ببدنه ، و بعد مفارقة روحه البدن .

و يفيد هذا المعنى قوله تعالى :
{ وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ
ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ
ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً
فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً
فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً
فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَر َ (14) } المؤمنون.
فالذي أنشأه الله : خلقا آخر هو النطفة ، التي تكونت علقة ، ثم مضغة ثم عظاما بعينها .

و في معناها قوله تعالى : { هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً }.
 فتقييد الشيء المنفي : بالمذكور ، يعطي أنه كان شيئا ، لكن لم يكن مذكورا .
فقد كان : أرضا أو نطفة مثلا ، لكن لم يكن مذكورا أنه الإنسان الفلاني ، ثم صار هو هو.
فمفاد كلامه تعالى : أن الإنسان واحد حقيقي ، هو المبدأ الوحيد لجميع آثار البدن الطبيعية ، و الآثار الروحية .
كما أنه مجرد : في نفسه عن المادة .
كما يفيده أمثال قوله تعالى: { قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ }  و قوله : { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها (42) }  الزمر.
 و قوله : { ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ } و قد تقدم بيانه.
 

 

 

==========

معنى وتفسير
 البر ومقام الأبرار وثوابهم
في سورة المطففين
 

{ إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (23)
 تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25)
خِتامُهُ مِسْكٌ وَ فِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (26)
وَ مِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28)
 إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَ إِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (30) وَ إِذَا انْقَلَبُوا إِلى‏ أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31)
وَ إِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (32)
وَ ما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (33)
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (36) }
سورة المطففين (83) الآيات 22 إلى 36 .

بيان فيه بعض التفصيل ( لبيان منزلة الأبرار وشر معاني ألفاظ السورة :)
لجلالة قدر الأبرار : و عظم منزلتهم عند الله تعالى ، و غزارة عيشهم في الجنة .
و أنهم على كونهم : يستهزئ بهم الكفار ، و يتغامزون بهم ، و يضحكون منهم ، سيضحكون منهم و ينظرون إلى ما ينالهم من العذاب.
قوله تعالى : { إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ } .
النعيم : النعمة الكثيرة ، و في تنكيره دلالة على فخامة قدره .
 و المعنى أن الأبرار : لفي نعمة كثيرة ، لا يحيط بها الوصف .
الميزان في تفسير القرآن ج20ص238 .

قوله تعالى : { عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ }.
 الأرائك : جمع أريكة ، و الأريكة السرير في الجملة ، و هي البيت المزين للعروس .
و إطلاق قوله : { يَنْظُرُونَ } ، من غير تقييد ي، ؤيد أن يكون المراد نظرهم إلى مناظر الجنة البهجة ، و ما فيها من النعيم المقيم .
و قيل : المراد به ، النظر : إلى ما يجزي به الكفار .
و ليس : بذاك.

قوله تعالى : { تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ } .
 النضرة : البهجة و الرونق ، و الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، باعتبار أن له أن ينظر فيعرف ، فالحكم عام ، و المعنى كل من نظر إلى وجوههم ، يعرف فيها بهجة النعيم الذي هم فيه .

قوله تعالى : { يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ }.
 الرحيق : الشراب الصافي الخالص من الغش ، و يناسبه وصفه بأنه مختوم ، فإنه إنما يختم على الشيء النفيس الخالص ، ليسلم من الغش و الخلط و إدخال ما يفسده فيه.

قوله تعالى : { خِتامُهُ مِسْكٌ وَ فِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ } .
 قيل : الختام بمعنى ما يختم به ، أي إن الذي يختم به مسك بدلا من الطين ، و نحوه الذي يختم به في الدنيا .
 و قيل : أي آخر طعمه الذي يجده شاربه رائحة المسك .

و قوله : { وَ فِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ }.
 التنافس : التغالب على الشيء ، و يفيد بحسب المقام معنى التسابق .
قال تعالى : { سابِقُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ (21) }الحديد .
و قال : { فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ (48) } المائدة .
 ففيه : ترغيب إلى ما وصف من الرحيق المختوم .
و استشكل في الآية : بأن فيها دخول العاطف على العاطف ، إذ التقدير فليتنافس في ذلك ... إلخ .
و أجيب : بأن الكلام على تقدير حرف الشرط ، و الفاء واقعة في جوابه ، و قدم الظرف ليكون عوضا عن الشرط .
و التقدير : و إن أريد تنافس ، فليتنافس في ذلك المتنافسون .
و يمكن أن يقال : إن قوله : { وَ فِي ذلِكَ } .
معطوف : على ظرف آخر محذوف ، متعلق بقوله : { فَلْيَتَنافَسِ } ، يدل عليه المقام .
فإن الكلام : في وصف نعيم الجنة ، فيفيد قوله : { وَ فِي ذلِكَ } ترغيبا مؤكدا بتخصيص الحكم بعد التعميم .
 و المعنى : فليتنافس المتنافسون في نعيم الجنة عامة ، و في الرحيق المختوم الذي يسقونه خاصة .
فهو كقولنا:  أكرم المؤمنين و الصالحين منهم خاصة ، و لا تكن عيابا و للعلماء خاصة .

++

قوله تعالى : { وَ مِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ }.
 المزاج : ما يمزج به .
و التسنيم : على ما تفسره الآية التالية ، عين في الجنة سماه الله تسنيما ، و في لفظه معنى الرفع و الملي‏ئ .
يقال : سنمه ، أي رفعه .
الميزان في تفسير القرآن ج20ص239 .

و منه : سنام الإبل ، و يقال : سنم الإناء ، أي ملأه.
قوله تعالى : { عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ } .
 يقال : شربه ، و شرب به ، بمعنى .
و { عَيْناً } : منصوب على المدح أو الاختصاص .
و { يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ } وصف لها .
و المجموع : تفسير للتسنيم .
و مفاد الآية : أن المقربين يشربون التسنيم صرفا .
 كما أن مفاد قوله : { وَ مِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ } ، أنه يمزج بها ما في كأس الأبرار من الرحيق المختوم .
 و يدل ذلك :
أولا : على أن التسنيم أفضل من الرحيق المختوم ، الذي يزيد لذة بمزجها .
 و ثانيا : أن المقربين أعلى درجة من الأبرار الذين تصفهم الآيات .

قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ } .
 يعطي السياق : أن المراد بـ { الذين آمنوا } .
هم : الأبرار ، الموصوفون في الآيات ، و إنما عبر عنهم بـ { الذين آمنوا } لأن سبب ضحك الكفار منهم ، و استهزائهم بهم ، إنما هو إيمانهم .
كما أن : التعبير عن الكفار ، بـ { الذين أجرموا } للدلالة على أنهم بذلك من المجرمين .
قوله تعالى : { وَ إِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ‏ } .
عطف على قوله : { يَضْحَكُونَ } أي كانوا إذا مروا بالذين آمنوا ، يغمز بعضهم بعضا ، و يشيرون بأعينهم استهزاء بهم .

قوله تعالى : { وَ إِذَا انْقَلَبُوا إِلى‏ أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ } .
الفكه : بالفتح فالكسر ، المرح البطر .
 و المعنى : و كانوا إذا انقلبوا ، و صاروا إلى أهلهم ، عن ضحكهم و تغامزهم ، انقلبوا ملتذين فرحين بما فعلوا ، .
و هو من الفكاهة : بمعنى حديث ذوي الإنس .
و المعنى : انقلبوا ، و هم يحدثون بما فعلوا تفكها .

قوله تعالى : { وَ إِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ } .
 على سبيل : الشهادة عليهم بالضلال ، أو القضاء عليهم ، و الثاني أقرب .

قوله تعالى : { وَ ما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ }.
 أي و ما : أرسل هؤلاء الذين أجرموا حافظين على المؤمنين ، يقضون في حقهم بما شاءوا ، أو يشهدون عليهم بما هووا ، و هذا تهكم بالمستهزئين .

قوله تعالى : { فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ } .
المراد باليوم : يوم الجزاء ، و التعبير عن الذين أجرموا بالكفار ، رجوع إلى حقيقة صفتهم .
قيل : تقديم الجار و المجرور على الفعل ، أعني : { مِنَ الْكُفَّارِ } على { يَضْحَكُونَ } لإفادة قصر القلب .
و المعنى : فاليوم الذين آمنوا يضحكون من الكفار ، لا الكفار منهم كما كانوا يفعلون في الدنيا.

قوله تعالى : { عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ .
 الميزان في تفسير القرآن ج‏20ص240 .
الثواب : في الأصل مطلق الجزاء ، و إن غلب استعماله في الخير .
و قوله  : { عَلَى الْأَرائِكِ } خبر بعد خبر لـ { الذين آمنوا } .
و { يَنْظُرُونَ } خبر آخر .
 و قوله : { هَلْ ثُوِّبَ  ...} متعلق بقوله : { يَنْظُرُونَ } قائم مقام المفعول .

و المعنى : الذين آمنوا على سرر في الحجال ، ينظرون : إلى جزاء الكفار بأفعالهم ، التي كانوا يفعلونها في الدنيا ، من أنواع الأجرام ، و منها ضحكهم من المؤمنين ، و تغامزهم إذا مروا بهم ، و انقلابهم إلى أهلهم فكهين ، و قولهم : إن هؤلاء لضالون.

+++

بحث روائي‏ : ( في جزاء الأبرار وغيرهم ) :
في تفسير القمي : في قوله تعالى: { وَ فِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ } .
 قال : فيما ذكرناه من الثواب الذي يطلبه المؤمن .
و في المجمع: في قوله تعالى : { وَ إِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ ‏} .
قيل نزلت : في علي بن أبي طالب عليه السلام .
و ذلك : أنه كان في نفر من المسلمين جاءوا إلى النبي صلى الله عليهم وسلم .
 فسخر : منهم المنافقون ، و ضحكوا ، و تغامزوا ، ثم رجعوا إلى أصحابهم ،.
فقالوا : رأينا اليوم الأصلع ، فضحكنا منه .
 فنزلت الآية : قبل أن يصل علي و أصحابه إلى النبي ، عن مقاتل و الكلبي .
أقول : و قد أورده في الكشاف .
و فيه : ذكر الحاكم أبو القاسم الحسكاني ، في كتاب شواهد التنزيل لقواعد التفصيل ، بإسناده عن أبي صالح عن ابن عباس قال :
 { إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا } منافقو قريش .
و { الَّذِينَ آمَنُوا } علي بن أبي طالب و أصحابه .
و في تفسير القمي : { إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا- إلى قوله- فَكِهِينَ }.
 قال : يسخرون .

++

المقام العالي للأبرار : هم المقربون :

{ كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ
وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) } المطففين .
و هذه الآيات : تدل على أن المقربين هم الذين لا يحجبون عن ربهم بحجاب قلبي ، و هو المعصية و الجهل و الريب و الشك .
فهم : أهل اليقين بالله ، و هم يشهدون عليين كما يشهدون الجحيم .
و بالجملة : فالإمام يجب أن يكون إنسانا ذا يقين مكشوفا له عالم الملكوت ، متحققا بكلمات من الله سبحانه .
و قد مر : أن الملكوت هو الأمر الذي هو الوجه الباطن من وجهي هذا العالم .
فقوله تعالى : { يَهْدُونَ بِأَمْرِنا } يدل دلالة واضحة على أن كل ما يتعلق به أمر الهداية ، و هو القلوب و الأعمال .
فالإمام : باطنه و حقيقته ، و وجهه الأمري حاضر عنده غير غائب عنه .
و من المعلوم : أن القلوب و الأعمال ، كسائر الأشياء في كونها ذات وجهين .
فالإمام : يحضر عنده و يلحق به أعمال العباد، خيرها و شرها، و هو المهيمن على السبيلين جميعا ، سبيل السعادة و سبيل الشقاوة .
 

 

==========

 

من سورة البقرة
البر هو التقوى وبيان عمل ليس من البر

تعليم مصداق آخر للبر :
{ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ
وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها
وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى‏ وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) } البقرة .
الميزان في تفسير القرآن ج2ص55 . بيان :
قوله تعالى : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ } .
الأهلة : جمع هلال ، و يسمى القمر هلالا أول الشهر القمري ، إذا خرج من تحت شعاع الشمس الليلة الأولى و الثانية كما قيل .
و قال بعضهم : الليالي الثلاثة الأول .
و قال بعضهم : حتى يتحجر ، و التحجر أن يستدير بخطة دقيقة .
و قال بعضهم : حتى يبهر نوره ظلمة الليل ، و ذلك في الليلة السابعة ، ثم يسمى قمرا ، و يسمى في الرابعة عشر بدرا ، و اسمه العام عند العرب الزبرقان .
و الهلال : مأخوذ من استهل الصبي ، إذا بكى عند الولادة أو صاح .
و من قولهم : أهل القوم بالحج ، إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية ، سمي به لأن الناس يهلون بذكره إذا رأوا .
و المواقيت : جمع ميقات ، و هو الوقت المضروب للفعل .
و يطلق أيضا : على المكان المعين للفعل ، كميقات أهل الشام ، و ميقات أهل اليمن ، و المراد هاهنا الأول .
و في قوله تعالى : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ } .
و إن لم يشرح : أن السؤال في أمرها عما ذا ؟
عن حقيقة القمر : و سبب تشكلاتها المختلفة في صور الهلال و القمر و البدر كما قيل ، أو عن حقيقة الهلال فقط ، الظاهر بعد المحاق في أول الشهر القمري كما ذكره بعضهم ، أو عن غير ذلك .
و لكن إتيان الهلال : في السؤال ، بصورة الجمع ، حيث قيل : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ } .
دليل على أن : السؤال لم يكن عن ماهية القمر و اختلاف تشكلاته ، إذ لو كان كذلك لكان الأنسب أن يقال : يسألونك عن القمر لا عن الأهلة .
و أيضا لو كان : السؤال عن حقيقة الهلال و سبب تشكله الخاص .
كان الأنسب أن يقال : يسألونك عن الهلال ، إذ لا غرض
الميزان في تفسير القرآن ج2ص56.
حينئذ : يتعلق بالجمع ، ففي إتيان الأهلة بصيغة الجمع ، دلالة على أن السؤال إنما كان عن السبب ، أو الفائدة في ظهور القمر هلالا بعد هلال ، و رسمه الشهور القمرية .
و عبر عن ذلك : بالأهلة ، لأنها هي المحققة لذلك ، فأجيب بالفائدة .
و يستفاد ذلك من خصوص الجواب : { قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ } .
فإن المواقيت : و هي الأزمان المضروبة للأفعالو الأعمال ، إنما هي الشهور دون الأهلة التي ليست بأزمنة ، و إنما هي أشكال و صور في القمر.
و بالجملة : قد تحصل أن الغرض في السؤال ، إنما كان متعلقا بشأن الشهور القمرية من حيث السبب أو الفائدة .
فأجيب : ببيان الفائدة ، و أنها أزمان و أوقات مضروبة للناس في أمور معاشهم و معادهم .
فإن الإنسان : لا بد له من حيث الخلقة من أن يقدر أفعاله و أعماله ، التي جميعها من سنخ الحركة بالزمان ، و لازم ذلك أن يتقطع الزمان الممتد الذي ينطبق عليه أمورهم قطعا صغارا و كبارا ، مثل الليل و النهار ، و اليوم و الشهر و الفصول و السنين ، بالعناية الإلهية التي تدبر أمور خلقه ، و تهديهم إلى صلاح حياتهم .
و التقطيع الظاهر : الذي يستفيد منه العالم و الجاهل ، و البدوي و الحضري ، و يسهل حفظه على الجميع .
إنما هو تقطيع : الأيام بالشهور القمرية ، التي يدركه كل صحيح الإدراك مستقيم الحواس من الناس .
دون الشهور : الشمسية التي ما تنبه لشأنها ، و لم ينل دقيق حسابها الإنسان إلا بعد قرون و أحقاب من بدء حياته في الأرض ، و هو مع ذلك ليس في وسع جميع الناس دائما .
فالشهور القمرية : أوقات مضروبة معينة للناس في أمور دينهم و دنياهم ، و للحج خاصة ، فإنه أشهر معلومات ، و كان اختصاص الحج بالذكر ثانيا ، تمهيد لما سيذكر في الآيات التالية من اختصاصه ببعض الشهور .
قوله تعالى : { وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى‏ وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها } .
ثبت بالنقل : أن جماعة من عرب الجاهلية ، كانوا إذا أحرموا للحج لم يدخلوا بيوتهم عند الحاجة من الباب ، بل اتخذوا نقبا من ظهورها و دخلوا منه ، فنهى عن ذلك الإسلام ، و أمرهم بدخول البيوت من أبوابها ، و نزول الآية يقبل الانطباق على هذا الشأن ، و بذلك يصح الاعتماد على ما نقل من شأن نزول الآية على ما سيأتي نقله .
و لو لا ذلك لأمكن أن يقال :
إن قوله : { وَ لَيْسَ الْبِرُّ .. } إلى آخره .
الميزان في تفسير القرآن ج2ص57 .
كناية : عن النهي عن امتثال الأوامر الإلهية ، و العمل بالأحكام المشرعة في الدين ، إلا على الوجه الذي شرعت عليه ، فلا يجوز الحج في غير أشهره ، و لا الصيام في غير شهر رمضان ، و هكذا و كانت الجملة على هذا متمما لأول الآية .
و كان المعنى : أن هذه الشهور أوقات مضروبة لأعمال شرعت فيها ، و لا يجوز التعدي بها عنها إلى غيرها ، كالحج في غير أشهره ، و الصوم في غير شهر رمضان ، و هكذا فكانت الآية مشتملة على بيان حكم واحد .
و على التقدير الأول : الذي يؤيده النقل ، فنفي البر عن إتيان البيوت من ظهورها ، يدل على أن العمل المذكور لم يكن مما أمضاه الدين ، و إلا لم يكن معنى لنفي كونه برا ، فإنما كان ذلك عادة سيئة جاهلية ، فنفى الله تعالى كونه من البر ، و أثبت أن البر هو التقوى .

+


و كان الظاهر أن يقال : و لكن البر هو التقوى .
إنما عدل إلى قوله :
{ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى } .
إشعارا :
بأن الكمال إنما هو في الاتصاف بالتقوى ، و هو المقصود دون المفهوم الخالي.
كما مر نظيره في قوله تعالى : { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ ....(177 ) } الآية البقرة .
و الأمر في قوله تعالى : { وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها } .
ليس أمرا : مولويا ، و إنما هو إرشاد إلى حسن إتيان البيوت من أبوابها ، لما فيه من الجري على العادة المألوفة المستحسنة ، الموافقة للغرض العقلائي في بناء البيوت ، و وضع الباب مدخلا و مخرجا فيها ، فإن الكلام واقع موقع الردع عن عادة سيئة لا وجه لها ، إلا خرق العادة الجارية الموافقة للغرض العقلائي .
فلا يدل : على أزيد من الهداية إلى طريق الصواب ، من غير إيجاب ، نعم الدخول من غير الباب بمقصد أنه من الدين بدعة محرمة .
قوله تعالى : { وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .
قد عرفت : في أول السورة ، أن التقوى من الصفات التي يجامع جميع مراتب الإيمان و مقامات الكمال .
و من المعلوم : أن جميع المقامات لا يستوجب الفلاح و السعادة ، كما يستوجبه المقامات الأخيرة التي تنفي عن صاحبها الشرك و الضلال ، و إنما تهدي إلى الفلاح و تبشر بالسعادة، ، و لذلك قال تعالى:
{ وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .
فأتى بكلمة : الترجي ، و يمكن أن يكون المراد بالتقوى ، امتثال هذا الأمر الخاص الموجود في الآية ، و ترك ما ذمه من إتيان البيوت من ظهورها .
الميزان في تفسير القرآن ج2ص58 .

++

بحث روائي : ( في البر هو التقوى والدخول من الأبواب ) :
في الدر المنثور : أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  عن الأهلة ؟
فنزلت هذه الآية : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ } .
 يعلمون بها : أجل دينهم ، و عدة نسائهم ، و وقت حجهم .
أقول: و روي هذا المعنى فيه بطرق أخر عن أبي العالية و قتادة و غيرهما .
و روي أيضا: أن بعضهم سأل النبي ص عن حالات القمر المختلفة فنزلت الآية.
و هذا هو الذي : ذكرنا آنفا أنه مخالف لظاهر الآية فلا عبرة به.
و في الدر المنثور أيضا : أخرج وكيع ، و البخاري ، و ابن جرير عن البراء:
كانوا : إذا أحرموا في الجاهلية ، دخلوا البيت من ظهره .
فأنزل الله : { وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها- وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى‏ وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها } .
و في الدر المنثور أيضا : أخرج ابن أبي حاتم و الحاكم و صححه عن جابر قال : كانت قريش تدعى الحمس ، و كانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام ، و كانت الأنصار و سائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام .
فبينا رسول الله : في بستان ، إذ خرج من بابه ، و خرج معه قطبة بن عامر الأنصاري .
 فقالوا : يا رسول الله إن قطبة بن عامر رجل فاجر ، و أنه خرج معك من الباب .
فقال له : ما حملك على ما فعلت ؟
 قال: رأيتك فعلته ففعلته كما فعلت .
قال: إني رجل أحمس ؟ قال فإن : ديني دينك .
فأنزل الله { لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها }.
أقول: و قد روي قريبا من هذا المعنى بطرق أخرى .
و الحمس : جمع أحمس كحمر ، و أحمر من الحماسة ، و هي الشدة، سميت به قريش لشدتهم في أمر دينهم ، أو لصلابتهم و شدة بأسهم .
و ظاهر الرواية :
أن رسول الله : كان قد أمضى قبل الواقعة الدخول من ظهور البيوت لغير قريش ، و لذا عاتبه بقوله : ما حملك على ما صنعت إلى أخره ، و على هذا فتكون الآية من الآيات الناسخة ، و هي تنسخ حكما مشرعا من غير آية هذا .
لكنك قد عرفت :
 أن الآية تنافيه حيث تقول : { لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا } .
و حاشا الله سبحانه : أن يشرع هو أو رسوله بأمره ، حكما من الأحكام ،  ثم يذمه أو يقبحه و ينسخه بعد ذلك و هو ظاهر .
الميزان في تفسير القرآن ج2ص59 .
و في محاسن البرقي : عن الباقر عليه السلام في قوله تعالى :
{ وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها } .
قال : يعني أن يأتي الأمر من وجهه ، أي الأمور كان .
و في الكافي : عن الصادق عليه السلام :
الأوصياء : هم أبواب الله التي منها يؤتى ، و لو لا هم ، ما عرف الله عز و جل ، و بهم احتج الله تبارك و تعالى على خلقه .
أقول : الرواية من الجري ، و بيان لمصداق من مصاديق الآية ، بالمعنى الذي فسرت به في الرواية الأولى .
و لا شك : أن الآية بحسب المعنى عامة ، و إن كانت بحسب مورد النزول خاصة .
و قوله عليه السلام : و لو لا هم ما عرف الله .
يعني : البيان الحق و الدعوة التامة ، الذين معهم .
و له معنى آخر : أدق ، لعلنا نشير إليه فيما سيأتي إن شاء الله ، و الروايات في معنى الروايتين كثيرة .

 

 

==========

من سورة البقرة
 المؤمن لا يعرض للحلف بالله إلا للإصلاح والبر:

 

{ وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ
أَنْ تَبَرُّوا وَ تَتَّقُوا وَ تُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224)
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَ إِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) } البقرة .
الميزان في تفسير القرآن ج2ص222 .
بيان :
قوله تعالى : { وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا ... } إلى آخر الآية .
العرضة : بالضم ، من العرض ، و هو كإرائة الشيء للشيء حتى يرى صلوحه لما يريده و يقصده  ، كعرض المال للبيع ، و عرض المنزل للنزول ، و عرض الغذاء للأكل .
و منه ما يقال للهدف : أنه عرضة للسهام ، و للفتاة الصالحة للازدواج أنها عرضة للنكاح ، و للدابة المعدة للسفر أنها عرضة للسفر ، و هذا هو الأصل في معناها .
و أما العرضة : بمعنى المانع المعرض في الطريق ، و كذا العرضة بمعنى ما ينصب ليكون معرضا لتوارد الواردات ، و تواليها في الورود ، كالهدف للسهام حتى يفيد كثرة العوارض ، إلى غير ذلك من معانيها ، فهي مما لحقها من موارد استعمالها ، غير دخيلة في أصل المعنى .
و الأيمان : جمع يمين بمعنى الحلف ، مأخوذة من اليمين بمعنى الجارحة ، لكونهم يضربون بها في الحلف و العهد و البيعة و نحو ذلك ، فاشتق من آلة العمل اسم للعمل ، للملازمة بينها ، كما يشتق من العمل اسم لآلة العمل ، كالسبابة للإصبع التي يسب بها .

و معنى الآية و الله أعلم :
و لا تجعلوا الله : عرضة تتعلق بها أيمانكم ، التي عقدتموها ، بحلفكم أن لا تبروا و تتقوا و تصلحوا بين الناس .
فإن الله سبحانه : لا يرضى أن يجعل اسمه ذريعة للامتناع عما أمر به من البر و التقوى و الإصلاح بين الناس .
و يؤيد هذا المعنى : ما ورد من سبب نزول الآية على ما سننقله في البحث الروائي إن شاء الله .
و على هذا يصير قوله تعالى : { أَنْ تَبَرُّوا ... } .
بتقدير : لا ، أي أن لا تبروا ، و هو شائع مع أن المصدرية .
كقوله تعالى : { يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا (17) } النساء ، أي أن لا تضلوا أو كراهة أن تضلوا .
و يمكن : أن لا يكون بتقدير ، لا ، و قوله تعالى : { أَنْ تَبَرُّوا } متعلقا بما يدل عليه قوله تعالى : { وَ لا تَجْعَلُوا } من النهي ، أي ينهاكم الله عن الحلف الكذائي ، أو يبين لكم حكمه الكذائي ، أن تبروا و تتقوا و تصلحوا بين الناس .
و يمكن أن يكون : العرضة بمعنى ما يكثر عليه العرض ، فيكون نهيا عن الإكثار من الحلف بالله سبحانه .
و المعنى : لا تكثروا من الحلف بالله ، فإنكم إن فعلتم ذلك أداكم إلى أن لا تبروا و لا تتقوا ، و لا تصلحوا بين الناس .
الميزان في تفسير القرآن ج2ص223.

++
فإن الحلاف : المكثر من اليمين ، لا يستعظم ما حلف به ، و يصغر أمر ما أقسم به لكثرة تناوله ، فلا يبالي الكذب ، فيكثر منه هذا عند نفسه ، و كذا يهون خطبه و ينزل قدره عند الناس ، لاستشعارهم أنه لا يرى لنفسه عند الناس قدم صدق ، و يعتقد أنهم لا يصدقونه فيما يقول ، و لا أنه يوقر نفسه بالاعتماد عليها .
فيكون على حد قوله تعالى : { وَ لا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) } القلم.
و الأنسب : على هذا المعنى أيضا ، عدم تقدير لا في الكلام ، بل قوله تعالى : { أَنْ تَبَرُّوا } منصوب بنزع الخافض ، أو مفعول له لما يدل عليه النهي ، في قوله : { وَ لا تَجْعَلُوا } كما مر .
و في قوله تعالى : { وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .
نوع تهديد : على جميع المعاني ، غير أن المعنى الأول أظهرها كما لا يخفى .
قوله تعالى : { لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ... } إلى آخر الآية .
اللغو : من الأفعال ما لا يستتبع أثرا ، و أثر الشيء يختلف باختلاف جهاته و متعلقاته .
فلليمين : أثر من حيث إنه لفظ ، و أثر من حيث إنه مؤكد للكلام ، و أثر من حيث إنه عقد ، و أثر من حيث حنثه و مخالفة مؤداه ، و هكذا .
إلا أن المقابلة : في الآية ، بين عدم المؤاخذة على لغو اليمين ، و بين المؤاخذة على ما كسبته القلوب ، و خاصة من حيث اليمين ، تدل على أن المراد بلغو اليمين ما لا يؤثر في قصد الحالف ، و هو اليمين الذي لا يعقد صاحبه على شي‏ء من قول : لا و الله و بلى و الله .
و الكسب : هو اجتلاب المنافع بالعمل بصنعة أو حرفة أو نحوهما ، و أصله في اقتناء ما يرتفع به حوائج الإنسان المادية ، ثم أستعير لكل ما يجتلبه الإنسان بعمل من أعماله من خير أو شر .
ككسب : المدح و الفخر و حسن الذكر بحسن الخلق ، و الخدمات النوعية ، و كسب الخلق الحسن ، و العلم النافع ، و الفضيلة بالأعمال المناسبة لها .
و كسب : اللوم و الذم ، و اللعن و الطعن ، و الذنوب و الآثام ، و نحوها بالأعمال المستتبعة لذلك .
فهذا هو معنى : الكسب و الاكتساب .
و قد قيل : في الفرق بينهما إن الاكتساب اجتلاب الإنسان المنفعة لنفسه ، و الكسب أعم مما يكون لنفسه أو غيره ، مثل كسب العبد لسيده ، و كسب الولي للمولى عليه ، و نحو ذلك .
و كيف كان : فالكاسب و المكتسب ، هو الإنسان لا غير .
 

 

 

==========

من سورة آل عمران
لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون

 

سورة آل‏عمران 3 : الآيات 92 إلى 95.
{ لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ
حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْ‏ءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) } .
بيان‏ :
ارتباط الآية الأولى : بما قبلها غير واضح ، و من الممكن أن لا تكون نازلة في ضمن بقية الآيات التي لا غبار على ارتباط بعضها ببعض .
 و قد عرفت : نظير هذا الإشكال في قوله تعالى : { قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا ....( 64) }  آل عمران ، من حيث تاريخ النزول .
الميزان في تفسير القرآن ج‏3 ص344 .
و ربما يقال : إن الخطاب في الآية موجه إلى بني إسرائيل ، و لا يزال موجها إليهم .
و محصل المعنى : بعد ما مر من توبيخهم ، و لومهم على حب الدنيا ، و إيثار المال و المنال على دين الله .
 أنكم كاذبون : في دعواكم أنكم منسوبون إلى الله سبحانه و أنبيائه ، و أنكم أهل البر و التقوى .
فإنكم تحبون : كرائم أموالكم ، و تبخلون في بذلها ، و لا تنفقون منها إلا الردي الذي لا تتعلق به النفوس ، مما لا يعبأ بزواله و فقده .
مع أنه : لا ينال البر ، إلا بإنفاق الإنسان ما يحبه من كرائم ماله ، و لا يفوت الله سبحانه حفظه .
 هذا محصل ما قيل : و فيه تمحل ظاهر!.
و أما بقية الآيات:  فارتباطها بالبيانات السابقة ظاهر لا غبار عليه .

قوله تعالى : { لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ }.
 النيل : هو الوصول .
و البر : هو التوسع في فعل الخير .
قال الراغب : البر خلاف البحر ، و تصور منه التوسع ، فاشتق منه البر ، أي التوسع في فعل الخير ، انتهى.
و مراده : من فعل الخير ، أعم مما هو :
فعل القلب : كالاعتقاد الحق ، و النية الطاهرة .
أو فعل الجوارح : كالعبادة لله ، و الإنفاق في سبيل الله تعالى .
و قد اشتمل : على القسمين جميعا ، قوله تعالى :
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ
وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ الْكِتابِ وَ النَّبِيِّينَ
وَ آتَى الْمالَ عَلى‏ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ السَّائِلِينَ وَ فِي الرِّقابِ
وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا
وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ (177) ... } الآية البقرة  .
و من انضمام الآية إلى قوله :{  لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ ... } الآية .
 يتبين أن المراد بها : أن إنفاق المال على حبه ، أحد أركان البر التي لا يتم إلا باجتماعها .
نعم : جعل الإنفاق غاية لنيل البر ، لا يخلو عن العناية و الاهتمام بأمر هذا الجزء بخصوصه ، لما في غريزة الإنسان من التعلق القلبي بما جمعه من المال ، وعده كأنه جزء من نفسه ، إذا فقده فكأنه فقد جزء من حياة نفسه ، بخلاف سائر العبادات و الأعمال التي لا يظهر معها فوت و لا زوال منه .

و من هنا يظهر : ما في قول بعضهم ، إن البر هو الإنفاق مما تحبون ؟
و كان هذا القائل جعلها من قبيل قول القائل : لا تنجو من ألم الجوع حتى تأكل ، و نحو ذلك .
 لكنه محجوج : بما مر من الآية .
 الميزان في تفسير القرآن ج3ص345 .
و يتبين من آية البقرة المذكورة أيضا : أن المراد بالبر هو ظاهر معناه اللغوي ، أعني التوسع في الخير ، فإنها بينته بمجامع الخيرات الاعتقادية و العملية .

و منه يظهر ما في قول بعضهم : إن المراد بالبر هو إحسان الله و إنعامه .
و ما في قول آخرين : إن المراد به الجنة.

قوله تعالى : { وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْ‏ءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } .
 تطييب : لنفوس المنفقين ، أن ما ينفقونه من المال المحبوب عندهم ، لا يذهب مهدورا من غير أجر ، فإن الله الذي يأمرهم به عليم بإنفاقهم و ما ينفقونه .
 

 

 

+++++==========++++++

من سورة آل عمران
ربنا ... توفنا مع الأبرار

ما عند الله خير للأبرار :


{ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (191) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (192) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ كَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا
وَ تَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (193)
رَبَّنا وَ آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى‏ رُسُلِكَ وَ لا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (194)
فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي وَ قاتَلُوا وَ قُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ لَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (195) لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمِهادُ (197) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (198) وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (199)} آل عمران
سورة آل‏عمران 3 : الآيات 190 إلى 199 .
 الميزان في تفسير القرآن ج4ص87 .

بيان‏ الآيات : بمنزلة تلخيص ما تقدم من بيان حال المؤمنين و المشركين و أهل الكتاب في هذه السورة.
بيان أن حال أبرار المؤمنين :
هو ذكر الله سبحانه : و التفكر في آياته ، و الاستجارة بالله من عذاب النار ، و سؤال المغفرة و الجنة ، و أن الله استجاب لهم و سيرزقهم ما سألوه ، هذه عامة حالهم .
و أن الذين كفروا : حالهم أنهم يتقلبون في متاع قليل ، ثم لهم مهاد النار فلا يقاس حال المؤمنين بحالهم ، و قد استثنى منهم المتبعين للحق من أهل الكتاب فهم مع المؤمنين.
قوله تعالى : { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ } كان المراد بالخلق كيفية وجودها ، و آثارها و أفعالها من حركة و سكون ، و تغير و تحول .
فيكون خلق : السموات و الأرض و اختلاف الليل و النهار ، مشتملا على معظم الآيات المحسوسة ، و قد تقدم بيانها في سورة البقرة «16» . و تقدم أيضا معنى أولي الألباب في الآية «7» من هذه السورة .
قوله تعالى : { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً ......} :
أي يذكرون الله : في جميع حالاتهم ، من القيام و القعود و الاضطجاع .
و قد مر البحث : في معنى الذكر و التفكر .
و محصل معنى الآيتين : أن النظر في آيات السموات و الأرض ، و اختلاف الليل و النهار ، أورثهم ذكرا دائما لله ، فلا ينسونه في حال .
و تفكرا : في خلق السموات و الأرض ، يتذكرون به أن الله سيبعثهم للجزاء ، فيسألون عندئذ رحمته ، و يستنجزون وعده.
قوله تعالى : { رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا ... } .
إنما قيل : { هذا } مع كون المشار إليه جمعا و مؤنثا ، إذ الغرض لا يتعلق بتمييز أشخاصها و أسمائها ، و الجميع في أنها خلق واحد .
و هذا نظير : ما حكى الله تعالى ، من قول إبراهيم : { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ (78) } الأنعام ، لعدم علمه بعد بحقيقتها و اسمها سوى أنها شي‏ء .
و الباطل : ما ليس له غاية يتعلق به الغرض ، قال تعالى : { فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ } الرعد ، و لذلك لما نفوا البطلان عن‏ الخلق ، لاح لهم أن الله سيحشر الناس للجزاء ، و أنه تعالى سيجزي هناك الظالمين جزاء خزي و هو النار ، و لا راد يرد مصلحة العقاب و إلا لبطل الخلقة .
و هذا معنى قولهم : فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته و ما للظالمين من أنصار.
الميزان في تفسير القرآن ج4ص88.
قوله تعالى : { رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً } المراد بالمنادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
و قوله : { أَنْ آمِنُوا } .
بيان للنداء : و أن تفسيرية .
و لما ذكروا إيمانهم بالمنادي : و هو الرسول ، و هو يخبرهم بأمور عن الله تعالى .
يحذرهم من بعضها : كالذنوب و السيئات و الموت على الكفر و الذنب .
و يرغبهم في بعضها : كالمغفرة و الرحمة ، و تفاصيل الجنة .
التي وعد الله : عباده المؤمنين الأبرار بها .
سألوا ربهم : أن يغفر لهم ، و يكفر عن سيئاتهم ، و يتوفاهم مع الأبرار .
و سألوه : أن ينجزهم ما وعدهم من الجنة و الرحمة ، على ما ضمنه لهم الرسل بإذن الله .
فقالوا : { فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ....} .
فقوله تعالى : { عَلى‏ رُسُلِكَ } .
أي حملته على رسلك : و ضمنه عليك الرسل .
و قوله : { وَ لا تُخْزِنا } أي بإخلاف الوعد.
و لذا عقبه بقوله : { إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ } .
و قد تبين من الآيات : أنهم إنما حصلوا الاعتقاد : بالله ، و اليوم الآخر ، و بأن لله رسلا ، بالنظر في الآيات .
و أما تفاصيل : ما جاء به النبي ، فمن طريق الإيمان بالرسول ، فهم على الفطرة فيما يحكم به الفطرة ، و على السمع و الطاعة فيما فيه ذلك .

قوله تعالى : { فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ....} .
التعبير بالرب : و إضافته إليهم ، يدل على ثوران الرحمة الإلهية ، و يدل عليه أيضا التعميم .
الذي في قوله : { أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ }.
فلا فرق عنده تعالى : بين عمل و عمل ، و لا بين عامل و عامل .
و على هذا فقوله تعالى في مقام التفريع : { فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أُوذُوا ....} .
في مقام تفصيل : صالحات الأعمال لتثبيت ثوابها ، و الواو للتفصيل دون الجمع ، حتى يكون لبيان ثواب المستشهدين من المهاجرين فقط.
و الآية مع ذلك : لا تفصل إلا الأعمال التي تندب إليها هذه السورة ، و تبالغ في التحريض و الترغيب فيها ، و هو إيثار الدين على الوطن ، و تحمل الأذى في سبيل الله و الجهاد .
و الظاهر : أن المراد بالمهاجرة ، ما يشمل المهاجرة عن الشرك ، و العشيرة و الوطن لإطلاق اللفظ .
و لمقابلته قوله : { وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ } .
و هو هجرة خاصة .
الميزان في تفسير القرآن ج4ص89 .
و لقوله بعده : { لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ }.
فإن ظاهر : السيئات في القرآن، صغائر المعاصي ، فهم هاجروا الكبائر بالاجتناب و التوبة ، فالمهاجرة المذكورة أعم ، فافهم ذلك .
قوله تعالى : { لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ..... } .
هذا بمنزلة : دفع الدخل .
و التقدير : هذا حال أبرار المؤمنين و هذا أجرهم.

و أما ما ترى : فيه الكفار من رفاه الحال ، و ترف الحياة ، و در المعاش ، فلا يغرنك ذلك ـ الخطاب للنبي و المقصود به الناس ـ لأنه متاع قليل لا دوام له .
قوله تعالى : { لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ ....} .
النزل : ما يعد للنازل من طعام و شراب و غيرهما .
و المراد بهم : الأبرار ، بدليل ما في آخر الآية .
و هذا يؤيد : ما ذكرناه من أن الآية السابقة دفع دخل .

قوله تعالى : { وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ...} .
المراد : أنهم مشاركون للمؤمنين في حسن الثواب ، و الغرض منه أن السعادة الأخروية ليست جنسية ، حتى يمنع منها أهل الكتاب ، و إن آمنوا .
بل الأمر دائر : مدار الإيمان بالله و برسله ، فلو آمنوا ، كانوا هم و المؤمنون سواء .
و قد نفي : عن هؤلاء الممدوحين من أهل الكتاب ، ما ذمهم الله به في سوابق الآيات ، و هو التفريق بين رسل الله ، و كتمان ما أخذ ميثاقهم لبيانه اشتراء بآيات الله ثمنا قليلا.


بحث روائي‏ : ( آية الذين يتفكرون وهجرة الأبرار علي وآله ) :
في الدر المنثور : أخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال:
قال رسول الله : تفكروا في خلق الله و لا تفكروا في الله .
أقول : و روي هذا المعنى أيضا بطرق أخرى عن عدة من الصحابة كعبد الله بن سلام و ابن عمر عنه ، و الرواية مروية من طرق الشيعة أيضا.
و المراد : بالتفكر في الله ، أو في ذات الله على اختلاف الروايات ، التفكر في كنهه .
و قد قال تعالى : { وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (110) } طه .
و أما صفاته تعالى : فالقرآن أعدل شاهد على أنه تعالى يعرف بها ، و قد ندب إلى معرفته بها في آيات كثيرة .

و فيه : أخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي هريرة قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
فكرة ساعة
: خير من عبادة ستين سنة.
أقول : و في بعض الروايات : من عبادة ليلة .
و في بعضها : من عبادة سنة .
و هو مروي : من طرق الشيعة أيضا.

و قد ورد من طرق أهل السنة :
أن قوله تعالى : { فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ .. } الآية نزلت في أم سلمة- لما قالت للنبي - :
يا رسول الله : لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشي‏ء .
فأنزل الله : { فَاسْتَجابَ لَهُمْ .. } الآية.
الميزان في تفسير القرآن ج4ص91.

و ورد من طرق الشيعة :
أن قوله : { فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا ... } الآية .
نزلت في علي عليه السلام : لما هاجر .
و معه الفواطم : فاطمة بنت أسد ، و فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، و فاطمة بنت الزبير ، ثم لحق بهم في ضجنان أم أيمن و نفر من ضعفاء المؤمنين .
فساروا : و هم يذكرون الله في جميع أحوالهم ، حتى لحقوا بالنبي ، و قد نزلت الآيات.
و ورد من طرق أهل السنة : أنها نزلت في المهاجرين‏ .
و ورد أيضا أن قوله : { لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ .. } الآيات ، نزل حين تمنى بعض المؤمنين ما عليه الكفار من حسن الحال‏ .
و ورد أيضا أن قوله : { وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ .. } الآية ، نزل في النجاشي و نفر من أصحابه، لما مات هو فصلى عليه رسول الله ، و هو في المدينة ، فطعن فيه بعض المنافقين ، أنه يصلي على من ليس في دينه .
فأنزل الله : { وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ .... } الآية.
فهذه جميعا : روايات تطبق الآيات على القصص ، و ليست بأسباب للنزول حقيقة .
 

 

 

==========

من سورة المائدة
تعاونوا على البر والتقوى

{ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (1) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَ لا الشَّهْرَ
الْحَرامَ وَ لا الْهَدْيَ وَ لا الْقَلائِدَ وَ لا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَ رِضْواناً وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا
وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏
وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ
وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (2) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ الْمَوْقُوذَةُ وَ الْمُتَرَدِّيَةُ وَ النَّطِيحَةُ وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَ
ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ
الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) } .
سورة المائدة 5 : الآيات 1 الى 3 .
 الميزان في تفسير القرآن ج5ص157 .

بيان :
الغرض الجامع في السورة : على ما يعطيه التدبر في مفتتحها و مختتمها ، و عامة الآيات الواقعة فيها ، و الأحكام و المواعظ و القصص التي تضمنتها .
هو الدعوة : إلى الوفاء بالعهود ، و حفظ المواثيق الحقة ، كائنة ما كانت .
و التحذير البالغ : عن نقضها ، و عدم الاعتناء بأمرها .
و أن عادته تعالى : جرت بالرحمة و التسهيل ، و التخفيف على من اتقى و آمن ، ثم اتقى و أحسن .
و التشديد : على من بغى و اعتدى ، و طغا بالخروج عن ربقة العهد بالطاعة ، و تعدى حدود المواثيق المأخوذة عليه في الدين .
و لذلك ترى السورة : تشتمل على كثير من أحكام الحدود و القصاص ، و على مثل قصة المائدة ، و سؤال المسيح ، و قصة ابني آدم ، و على الإشارة إلى كثير من مظالم بني إسرائيل
، و نقضهم المواثيق المأخوذة منهم .
و على كثير من الآيات : التي يمتن الله تعالى فيها على الناس بأمور كإكمال الدين ، و إتمام النعمة ، و إحلال الطيبات ، و تشريع ما يطهر الناس من غير أن يريد بهم الحرج و العسر .
و هذا هو المناسب : لزمان نزول السورة ، إذ لم يختلف أهل النقل ، أنها آخر سورة مفصلة نزلت على رسول الله ، في أواخر أيام حياته .
و قد ورد في روايات الفريقين : أنها ناسخة غير منسوخة .
و المناسب لذلك : تأكيد الوصية بحفظ المواثيق المأخوذة لله تعالى على عباده ، و للتثبت فيها .

قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ }.
العقود : جمع عقد ، و هو شد أحد شيئين بالآخر نوع شد ، يصعب معه انفصال أحدهما عن الآخر ، كعقد الحبل و الخيط بآخر من مثله ، و لازمه التزام أحدهما الآخر ، و عدم
انفكاكه عنه .
الميزان في تفسير القرآن ج5ص158 .
و قد كان معتبرا عندهم : في الأمور المحسوسة أولا ، ثم أستعير فعمم للأمور المعنوية ، كعقود المعاملات الدائرة بينهم ، من بيع أو إجارة أو غير ذلك .
و كجميع العهود و المواثيق : فأطلقت عليها الكلمة ، لثبوت أثر المعنى الذي عرفت ، أنه اللزوم و الالتزام فيها.
و لما كان العقد : و هو العهد .
يقع على جميع المواثيق الدينية : التي أخذها الله من عباده ، من أركان و أجزاء ، كالتوحيد ، و سائر المعارف الأصلية ، و الأعمال العبادية ، و الأحكام المشروعة ، تأسيسا أو إمضاء
، و منها : عقود المعاملات و غير ذلك .
و كان لفظ العقود : أيضا جمعا محلى باللام ، لا جرم كان الأوجه حمل العقود في الآية ، على ما يعم كل ما يصدق عليه أنه عقد .

و بذلك يظهر ضعف : ما ذكره بعض المفسرين ، أن المراد بالعقود : العقود التي يتعاقدها الناس بينهم، كعقد البيع و النكاح و العهد ، أو يعقدها الإنسان على نفسه كعقد اليمين .
و كذا ما ذكره بعض آخر : أن المراد بها العهود التي كان أهل الجاهلية، عاهد بعضهم بعضا فيها على النصرة و المؤازرة، على من يقصدهم بسوء أو يبغي عليهم ، و هذا هو الحلف
الدائر بينهم.
و كذا ما ذكره آخرون : أن المراد بها المواثيق المأخوذة من أهل الكتاب ، بالعمل بما في التوراة و الإنجيل .

فهذه وجوه : لا دليل على شي‏ء منها من جهة اللفظ .
على أن ظاهر : الجمع المحلى باللام ، و إطلاق العقد عرفا بالنسبة إلى كل عقد و حكم ، لا يلائمها .
فالحمل : على العموم هو الأوجه .

قوله تعالى : { وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ } .
المعنى واضح : و هذا أساس السنة الإسلامية .
قد فسر الله سبحانه : البر في كلامه بالإيمان ، و الإحسان في العبادات و المعاملات .
كما مر في قوله تعالى : { وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ... (177) } الآية ، البقرة ، و قد تقدم الكلام فيه.
و التقوى : مراقبة أمر الله و نهيه .
فيعود معنى التعاون : على البر و التقوى ، إلى الاجتماع على الإيمان و العمل الصالح ، على أساس تقوى الله .
و هو : الصلاح و التقوى الاجتماعيان .
و يقابله : التعاون على الإثم الذي ، هو العمل السيئ ، المستتبع للتأخر في أمور الحياة السعيدة .

و على العدوان : و هو التعدي على حقوق الناس الحقة ، بسلب الأمن من نفوسهم أو أعراضهم أو أموالهم .
و قد مر شطر : من الكلام في هذا المعنى ، في ذيل قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا ...(200) } الآية ، آل عمران، في الجزء الرابع من هذا الكتاب.
ثم أكد سبحانه : نهيه عن الاجتماع على الإثم و العدوان ، بقوله : { وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ } و هو في الحقيقة تأكيد على تأكيد.
++
في الدر المنثور : أخرج أحمد و عبد بن حميد : في هذه الآية يعني قوله :
{ وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرّ ....} الآية .
و البخاري في تاريخه : عن وابصة قال : أتيت رسول الله ص و أنا لا أريد ، أن أدع شيئا من البر و الإثم إلا سألته عنه .
فقال لي : يا وابصة أخبرك عما جئت تسأل عنه أم تسأل ؟
قلت : يا رسول الله أخبرني !
قال : جئت لتسأل عن البر و الإثم .
ثم جمع أصابعه الثلاث : فجعل ينكت بها في صدري .
و يقول : يا وابصة استفت قبلك ، استفت نفسك .
البر : ما اطمأن إليه القلب و اطمأنت إليه النفس .
و الإثم ما حاك في القلب ، و تردد في الصدر ، و إن أفتاك الناس و أفتوك .
و فيه : أخرج أحمد و عبد بن حميد و ابن حبان و الطبراني و الحاكم و صححه و البيهقي .
عن أبي أمامة : أن رجلا سأل النبي ص عن الإثم .
فقال : ما حاك في نفسك فدعه .
قال : فما الإيمان ؟
قال : من ساءته سيئته ، و سرته حسنته ، فهو مؤمن .

و فيه : أخرج ابن أبي شيبة و أحمد و البخاري في الأدب و مسلم و الترمذي و الحاكم و البيهقي في الشعب .
عن النواس بن سمعان قال : سئل رسول الله ص عن البر و الإثم .
فقال : البر حسن الخلق .
و الإثم : ما حاك في نفسك ، و كرهت أن يطلع عليه الناس.
أقول: الروايات ، كما ترى ، تبتني .
على قوله تعالى : { وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها (8) } الشمس ، و تؤيد ما تقدم من معنى الإثم .
الميزان في تفسير القرآن ج5ص191.

++++

( تكميل مناسب للآيات أعلاه وهو من تفسير الميزان )

قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ .... } .
لا يخلو سياق الآيات : من دلالة على أن الآية نزلت في رفع الخطر .
و قد خوطب فيها : المؤمنون فأجيز لهم النجوى ، و اشترط عليهم أن لا يكون تناجيا بالإثم و العدوان و معصية الرسول .
و أن يكون تناجيا : بالبر و التقوى و البر ، و هو التوسع في فعل الخير يقابل العدوان .
و التقوى : مقابل الإثم ، ثم أكد الكلام بالأمر بمطلق التقوى بإنذارهم بالحشر بقوله : { وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُون‏} .
الميزان في تفسير القرآن ج19ص187.


 

حالة وحائط : Tafseer Almizan

 

 

 

 

http://www.114.ir
 الميزان في تفسير الميزان
للعلامة محمد حسين الطباطبائي قدس الله نفسه الزكية
استخرج التفسير الموضوعي منه ورتب فهارسه
 وأعد الصفحة للإنترنيت

خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين