نهاية الحكمة للعلامة الطباطبائي كلام بمنزلة المدخل لهذه الصناعة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله الطاهرين. إنا معاشر الناس أشياء موجودة جدا و معنا أشياء أخر موجودة ربما فعلت فينا أو انفعلت منا كما أنا نفعل فيها أو ننفعل منها. هناك هواء نستنشقه و غذاء نتغذى به و مساكن نسكنها و أرض نتقلب عليها و شمس نستضي‏ء بضيائها و كواكب نهتدي بها و حيوان و نبات و غيرهما. و هناك أمور نبصرها و أخرى نسمعها و أخرى نشمها و أخرى نذوقها و أخرى و أخرى. و هناك أمور نقصدها أو نهرب منها و أشياء نحبها أو نبغضها و أشياء نرجوها أو نخافها و أشياء تشتهيها طباعنا أو تتنفر منها و أشياء نريدها لغرض الاستقرار في مكان أو الانتقال من مكان أو إلى مكان أو الحصول على لذة أو الاتقاء من ألم أو التخلص من مكروه أو لمآرب أخرى. نهايةالحكمة، صفحة 4 و جميع هذه الأمور التي نشعر بها و لعل معها ما لا نشعر بها ليست بسدى لما أنها موجودة جدا و ثابتة واقعا فلا يقصد شي‏ء شيئا إلا لأنه عين خارجية و موجود واقعي أو منته إليه ليس وهما سرابيا فلا يسعنا أن نرتاب في أن هناك وجودا و لا أن ننكر الواقعية مطلقا إلا أن نكابر الحق فننكره أو نبدي الشك فيه و إن يكن شي‏ء من ذلك فإنما هو في اللفظ فحسب. فلا يزال الواحد منا و كذلك كل موجود يعيش بالعلم و الشعور يرى نفسه موجودا واقعيا ذا آثار واقعية و لا يمس شيئا آخر غيره إلا بما أن له نصيبا من الواقعية. غير أنا كما لا نشك في ذلك لا نرتاب أيضا نخطى‏ء فنحسب ما ليس بموجود موجودا أو بالعكس كما أن الإنسان الأولي كان يثبت أشياء و يرى آراء ننكرها نحن اليوم و نرى ما يناقضها و أحد النظرين خطأ لا محالة و هناك أغلاط نبتلي بها كل يوم فنثبت الوجود لما ليس بموجود و ننفيه عما هو موجود حقا ثم ينكشف لنا أنا أخطأنا في ما قضينا به فمست الحاجة إلى البحث عن الأشياء الموجودة و تمييزها بخواص الموجودية المحصلة مما ليس بموجود بحثا نافيا للشك منتجا لليقين فإن هذا النوع من البحث هو الذي يهدينا إلى نفس الأشياء الواقعية بما هي واقعية. و بتعبير آخر بحثا نقتصر فيه على استعمال البرهان فإن القياس البرهاني هو المنتج للنتيجة اليقينية من بين الأقيسة كما أن اليقين هو الاعتقاد الكاشف عن وجه الواقع من بين الاعتقادات. فإذا بحثنا هذا النوع من البحث أمكننا أن نستنتج به أن كذا موجود و كذا ليس بموجود و لكن البحث عن الجزئيات خارج من وسعنا على أن البرهان لا يجري في الجزئي بما هو متغير زائل و لذلك بعينه ننعطف في هذا النوع من البحث إلى البحث عن حال الموجود على وجه كلي فنستعلم به أحوال الموجود المطلق بما أنه كلي و لما كان من المستحيل أن يتصف نهايةالحكمة، صفحة 5 الموجود بأحوال غير موجودة انحصرت الأحوال المذكورة في أحكام تساوي الموجود من حيث هو موجود كالخارجية المطلقة و الوحدة العامة و الفعلية الكلية المساوية للموجود المطلق أو تكون أحوالا هي أخص من الموجود المطلق لكنها و ما يقابلها جميعا تساوي الموجود المطلق كقولنا الموجود إما خارجي أو ذهني و الموجود إما واحد أو كثير و الموجود إما بالفعل أو بالقوة و الجميع كما ترى أمور غير خارجة من الموجودية المطلقة و المجموع من هذه الأبحاث هو الذي نسميه الفلسفة. و قد تبين بما تقدم أولا أن الفلسفة أعم العلوم جميعا لأن موضوعها أعم الموضوعات و هو الموجود الشامل لكل شي‏ء فالعلوم جميعا تتوقف عليها في ثبوت موضوعاتها و أما الفلسفة فلا تتوقف في ثبوت موضوعها على شي‏ء من العلوم فإن موضوعها الموجود العام الذي نتصوره تصورا أوليا و نصدق بوجوده كذلك لأن الموجودية نفسه. و ثانيا أن موضوعها لما كان أعم الأشياء و لا ثبوت لأمر خارج منه كانت المحمولات المثبتة فيها إما نفس الموضوع كقولنا إن كل موجود فإنه من حيث هو موجود واحد أو بالفعل فإن الواحد و إن غاير الموجود مفهوما لكنه عينه مصداقا و لو كان غيره كان باطل الذات غير ثابت للموجود و كذلك ما بالفعل و إما ليست نفس الموضوع بل هي أخص منه لكنها ليست غيره كقولنا إن العلة موجودة فإن العلة و إن كانت أخص من الموجود لكن العلية ليست حيثية خارجة من الموجودية العامة و إلا لبطلت. و أمثال هذه المسائل مع ما يقابلها تعود إلى قضايا مرددة المحمول تساوي أطراف الترديد فيها الموجودية العامة كقولنا كل موجود إما بالفعل أو بالقوة فأكثر المسائل في الفلسفة جارية على التقسيم كتقسيم الموجود إلى واجب و ممكن و تقسيم الممكن إلى جوهر و عرض و تقسيم الجوهر إلى مجرد نهايةالحكمة، صفحة 6 و مادي و تقسيم المجرد إلى عقل و نفس و على هذا القياس. و ثالثا أن المسائل فيها مسوقة على طريق عكس الحمل فقولنا الواجب موجود و الممكن موجود في معنى الوجود يكون واجبا و يكون ممكنا و قولنا الوجوب إما بالذات و إما بالغير معناه أن الموجود الواجب ينقسم إلى واجب لذاته و واجب لغيره. و رابعا أن هذا الفن لما كان أعم الفنون موضوعا و لا يشذ عن موضوعه و محمولاته الراجعة إليه شي‏ء من الأشياء لم يتصور هناك غاية خارجة منه يقصد الفن لأجلها فالمعرفة بالفلسفة مقصودة لذاتها من غير أن تقصد لأجل غيرها و تكون آلة للتوصل بها إلى أمر آخر كالفنون الآلية نعم هناك فوائد تترتب عليها. و خامسا أن كون موضوعها أعم الأشياء يوجب أن لا يكون معلولا لشي‏ء خارج منه إذ لا خارج هناك فلا علة له فالبراهين المستعملة فيها ليست ببراهين لمية و أما برهان الإن فقد تحقق في كتاب البرهان من المنطق أن السلوك من المعلول إلى العلة لا يفيد يقينا فلا يبقى للبحث الفلسفي إلا برهان الإن الذي يعتمد فيه على الملازمات العامة فيسلك فيه من أحد المتلازمين العامين إلى الآخر نهايةالحكمة، صفحة 7 المرحلة الأولى في أحكام الوجود الكلية و فيها خمسة فصول نهايةالحكمة، صفحة 8 الفصل الأول في أن الوجود مشترك معنوي الوجود بمفهومه مشترك معنوي يحمل على ما يحمل عليه بمعنى واحد و هو ظاهر بالرجوع إلى الذهن حينما نحمله على أشياء أو ننفيه عن أشياء كقولنا الإنسان موجود و النبات موجود و الشمس موجودة و اجتماع النقيضين ليس بموجود و اجتماع الضدين ليس بموجود و قد أجاد صدر المتألهين قدس سره حيث قال إن كون مفهوم الوجود مشتركا بين الماهيات قريب من الأوليات. فمن سخيف القول ما قال بعضهم إن الوجود مشترك لفظي و هو في كل ماهية يحمل عليها بمعنى تلك الماهية. و يرده لزوم سقوط الفائدة في الهليات البسيطة مطلقا كقولنا الواجب موجود و الممكن موجود و الجوهر موجود و العرض موجود. على أن من الجائز أن يتردد بين وجود الشي‏ء و عدمه مع العلم بماهيته و معناه كقولنا هل الاتفاق موجود أو لا. و كذا التردد في ماهية الشي‏ء مع الجزم بوجوده كقولنا هل النفس الإنسانية الموجودة جوهر أو عرض و التردد في أحد الشيئين مع الجزم بالآخر يقضي بمغايرتهما. و نظيره في السخافة ما نسب إلى بعضهم أن مفهوم الوجود مشترك نهايةالحكمة، صفحة 9 لفظي بين الواجب و الممكن. و رد بأنا إما أن نقصد بالوجود الذي نحمله على الواجب معنى أو لا و الثاني يوجب التعطيل و على الأول إما أن نعني به معنى الذي نعنيه إذا حملناه على الممكنات و إما أن نعني به نقيضه و على الثاني يلزم نفي الوجود عنه عند إثبات الوجود له تعالى عن ذلك و على الأول يثبت المطلوب و هو كون مفهوم الوجود مشتركا معنويا. و الحق كما ذكره بعض المحققين أن القول بالاشتراك اللفظي من الخلط بين المفهوم و المصداق فحكم المغايرة إنما هو للمصداق دون المفهوم. الفصل الثاني في أصالة الوجود و اعتبارية الماهية الوجود هو الأصيل دون الماهية أي أنه هو الحقيقة العينية التي نثبتها بالضرورة إنا بعد حسم أصل الشك و السفسطة و إثبات الأصيل الذي هو واقعية الأشياء أول ما نرجع إلى الأشياء نجدها مختلفة متمايزة مسلوبا بعضها عن بعض في عين أنها جميعا متحدة في دفع ما كان يحتمله السوفسطي من بطلان الواقعية فنجد فيها مثلا إنسانا موجودا و فرسا موجودا و شجرا موجودا و عنصرا موجودا و شمسا موجودة و هكذا. فلها ماهيات محمولة عليها بها يباين بعضها بعضا و الوجود محمول عليها مشترك المعنى بينها و الماهية غير الوجود لأن المختص غير المشترك و أيضا الماهية لا تأبى في ذاتها أن يحمل عليها الوجود و أن يسلب عنها و لو كانت عين الوجود لم يجز أن تسلب عن نفسها لاستحالة سلب الشي‏ء عن نفسه فما نجده في الأشياء من حيثية الماهية غير ما نجده فيها من حيثية الوجود. نهايةالحكمة، صفحة 10 و إذ ليس لكل واحد من هذه الأشياء إلا واقعية واحدة كانت إحدى هاتين الحيثيتين أعني الماهية و الوجود بحذاء ما له من الواقعية و الحقيقة و هو المراد بالأصالة و الحيثية الأخرى اعتبارية منتزعة من الحيثية الأصيلة تنسب إليها الواقعية بالعرض. و إذ كان كل شي‏ء إنما ينال الواقعية إذا حمل عليه الوجود و اتصف به فالوجود هو الذي يحاذي واقعية الأشياء و أما الماهية فإذ كانت مع الاتصاف بالوجود ذات واقعية و مع سلبه باطلة الذات فهي في ذاتها غير أصيلة و إنما تتأصل بعرض الوجود. فقد تحصل أن الوجود أصيل و الماهية اعتبارية كما قال به المشاءون أي أن الوجود موجود بذاته و الماهية موجودة به. و بذلك يندفع ما أورد على أصالة الوجود من أن الوجود لو كان حاصلا في الأعيان كان موجودا لأن الحصول هو الوجود فللوجود وجود و ننقل الكلام إليه و هلم جرا فيتسلسل. وجه الاندفاع أن الوجود موجود لكن بذاته لا بوجود زائد أي أن الوجود عين الموجودية بخلاف الماهية التي حيثية ذاتها غير حيثية وجودها. و أما دعوى أن الموجود في عرف اللغة إنما يطلق على ما له ذات معروضة للوجود و لازمه أن الوجود غير موجود فهي على تقدير صحتها أمر راجع إلى الوضع اللغوي أو غلبة الاستعمال و الحقائق لا تتبع استعمال الألفاظ و للوجود كما تقدم حقيقة عينية نفسها ثابتة لنفسها. قال بهمنيار في التحصيل و بالجملة فالوجود حقيقته أنه في الأعيان لا غير و كيف لا يكون في الأعيان ما هذه حقيقته انتهى ص 281. و يندفع أيضا ما أشكل عليه بأن كون الوجود موجودا بذاته يستتبع كون الوجودات الإمكانية واجبة بالذات لأن كون الوجود موجودا بذاته يستلزم امتناع سلبه عن ذاته إذ الشي‏ء لا يسلب عن نفسه و لا نعني بالواجب نهايةالحكمة، صفحة 11 بالذات إلا ما يمتنع عدمه لذاته. وجه الاندفاع أن الملاك في كون الشي‏ء واجبا بالذات ليس هو كون وجوده نفس ذاته بل كون وجوده مقتضى ذاته من غير أن يفتقر إلى غيره و كل وجود إمكاني فهو في عين أنه موجود في ذاته مفتقر إلى غيره مفاض منه كالمعنى الحرفي الذي نفسه نفسه و هو مع ذلك لا يتم مفهوما إلا بالقيام بغيره و سيجي‏ء مزيد توضيح له في الأبحاث الآتية. قال صدر المتألهين في الأسفار معنى وجود الواجب بنفسه أنه مقتضى ذاته من غير احتياج إلى فاعل و قابل و معنى تحقق الوجود بنفسه أنه إذا حصل إما بذاته كما في الواجب أو بفاعل لم يفتقر تحققه إلى وجود آخر يقوم به بخلاف غير الوجود انتهى ج 1 ص 40. و يندفع عنه أيضا ما أورد عليه أنه لو كان الوجود موجودا بذاته و الماهية موجودة بغيرها الذي هو الوجود كان مفهوم الوجود مشتركا بين ما بنفسه و ما بغيره فلم يتم مفروض الحجة من أن الوجود مشترك معنوي بين الموجودات لا لفظي. وجه الاندفاع أن فيه خلطا بين المفهوم و المصداق و الاختلاف المذكور مصداقي لا مفهومي. فتبين بما تقدم فساد القول بأصالة الماهية كما نسب إلى الإشراقيين فهي عندهم أصيلة إذا كانت بحيث ينتزع عنها الوجود و إن كانت في حد ذاتها اعتبارية و الوجود المنتزع عنها اعتباريا. و يرده أن صيرورة الماهية الاعتبارية بانتزاع مفهوم الوجود الاعتباري أصيله ذات حقيقة عينية انقلاب ضروري الاستحالة. و تبين أيضا فساد القول بأصالة الوجود في الواجب و أصالة الماهية في الممكن كما قال به الدواني و قرره بأن الوجود على ما يقتضيه ذوق المتألهين حقيقة عينية شخصية هي الواجب تعالى و تتأصل الماهيات الممكنة بنوع من نهايةالحكمة، صفحة 12 الانتساب إليه فإطلاق الموجود عليه تعالى بمعنى أنه عين الوجود و على الماهيات الممكنة بمعنى أنها منتسبة إلى الوجود الذي هو الواجب. و يرده أن الانتساب المذكور إن استوجب عروض حقيقة عينية على الماهيات كانت هي الوجود إذ ليس للماهية المتأصلة إلا حيثيتا الماهية و الوجود و إذا لم تضف الأصالة إلى الماهية فهي للوجود و إن لم يستوجب شيئا و كانت حال الماهية قبل الانتساب و بعده سواء كان تأصلها بالانتساب انقلابا و هو محال. يتفرع على أصالة الوجود و اعتبارية الماهية أولا أن كل ما يحمل على حيثية الماهية فإنما هو بالوجود و أن الوجود حيثية تقييدية في كل حمل ماهوي لما أن الماهية في نفسها باطلة هالكة لا تملك شيئا فثبوت ذاتها و ذاتياتها لذاتها بواسطة الوجود فالماهية و إن كانت إذا اعتبرها العقل من حيث هي لم تكن إلا هي لا موجودة و لا معدومة لكن ارتفاع الوجود عنها بحسب هذا الاعتبار و معناه أن الوجود غير مأخوذ في حدها لا ينافي حمله عليها خارجا عن حدها عارضا لها فلها ثبوت ما كيفما فرضت. و كذا لوازم ذاتها التي هي لوازم الماهية كمفهوم الماهية العارضة لكل ماهية و الزوجية العارضة لماهية الأربعة تثبت لها بالوجود لا لذاتها و بذلك يظهر أن لازم الماهية بحسب الحقيقة لازم الوجودين الخارجي و الذهني كما ذهب إليه الدواني. و كذا لازم الوجود الذهني كالنوعية للإنسان و لازم الوجود الخارجي كالبرودة للثلج و المحمولات غير اللازمة كالكتابة للإنسان كل ذلك بالوجود و بذلك يظهر أن الوجود من لوازم الماهية الخارجة عن ذاتها. و ثانيا أن الوجود لا يتصف بشي‏ء من أحكام الماهية كالكلية و الجزئية و كالجنسية و النوعية و الفصلية و العرضية الخاصة و العامة و نهايةالحكمة، صفحة 13 كالجوهرية و الكمية و الكيفية و سائر المقولات العرضية فإن هذه جميعا أحكام طارئة على الماهية من جهة صدقها و انطباقها على شي‏ء كصدق الإنسان و انطباقه على زيد و عمرو و سائر الأفراد أو من جهة اندراج شي‏ء تحتها كاندارج الأفراد تحت الأنواع و الأنواع تحت الأجناس و الوجود الذي هو بذاته الحقيقة العينية لا يقبل انطباقا على شي‏ء و لا اندراجا تحت شي‏ء و لا صدقا و لا حملا و لا ما يشابه هذه المعاني نعم مفهوم الوجود يقبل الصدق و الاشتراك كسائر المفاهيم. و من هنا يظهر أن الوجود يساوق الشخصية. و من هنا يظهر أيضا أن الوجود لا مثل له لأن مثل الشي‏ء ما يشاركه في الماهية النوعية و لا ماهية نوعية للوجود. و يظهر أيضا أن الوجود لا ضد له لأن الضدين كما سيأتي أمران وجوديان متعاقبان على موضوع واحد داخلان تحت جنس قريب بينهما غاية الخلاف و الوجود لا موضوع له و لا جنس له و لا له خلاف مع شي‏ء. و ثالثا أن الوجود لا يكون جزءا لشي‏ء لأن الجزء الآخر و الكل المركب منهما إن كانا هما الوجود بعينه فلا معنى لكون الشي‏ء جزءا لنفسه و إن كان أحدهما أو كلاهما غير الوجود كان باطل الذات إذ لا أصيل غير الوجود فلا تركيب. و بهذا البيان يثبت أن الوجود لا جزء له و يتبين أيضا أن الوجود بسيط في ذاته. و رابعا أن ما يلحق الوجود حقيقة من الصفات و المحمولات أمور غير خارجة عن ذاته إذ لو كانت خارجة كانت باطلة. و خامسا أن للموجود من حيث اتصافه بالوجود نحو انقسام إلى ما بالذات و ما بالعرض فالوجود موجود بالذات بمعنى أنه عين نفسه و الماهية موجودة بالعرض أي أنها ليست بالوجود بالنظر إلى نفس ذاتها و إن كانت نهايةالحكمة، صفحة 14 موجودة بالوجود حقيقة قبال ما ليس بموجود بالوجود و سادسا أن الوجود عارض للماهية بمعنى أن للعقل أن يجرد الماهية عن الوجود فيعقلها وحدها من غير نظر إلى وجودها فليس الوجود عينها و لا جزءا لها و من الدليل على ذلك جواز سلب الوجود عن الماهية و احتياج اتصافها به إلى الدليل و كونها متساوية النسبة في نفسها إلى الوجود و العدم و لو كان الوجود عينها أو جزءا لها لما صح شي‏ء من ذلك. و المغايرة كما عرفت عقلية فلا تنافي اتحاد الماهية و الوجود خارجا و ذهنا فليس هناك إلا حقيقة واحدة هي الوجود لمكان أصالته و اعتباريتها فالماهيات المختلفة يختلف بها الوجود نحوا من الاختلاف من غير أن يزيد على الوجود شي‏ء و هذا معنى قولهم إن الماهيات أنحاء الوجود و إلى هذا الاختلاف يئول ما بين الماهيات الموجودة من التميز و البينونة و اختلاف الآثار هو معنى قولهم إن الماهيات حدود الوجود فذات كل ماهية موجودة حد لا يتعداه وجودها و يلزمه سلوب بعدد الماهيات الموجودة الخارجة عنها فماهية الإنسان الموجودة مثلا حد لوجوده لا يتعداه وجوده إلى غيره فهو ليس بفرس و ليس ببقر و ليس بشجر و ليس بحجر إلى آخر الماهيات الموجودة المباينة للإنسان. و سابعا أن ثبوت كل شي‏ء أي نحو من الثبوت فرض إنما هو لوجود هناك خارجي يطرد العدم لذاته فللتصديقات النفس الأمرية التي لا مطابق لها في خارج و لا في ذهن مطابق ثابت نحوا من الثبوت التبعي بتبع الموجودات الحقيقية. توضيح ذلك أن من التصديقات الحقة ما له مطابق في الخارج نحو الإنسان موجود و الإنسان كاتب و منها ما له مطابق في الذهن نحو الإنسان نوع و الحيوان جنس و منها ما له مطابق يطابقه لكنه غير موجود في الخارج و لا في الذهن كما في قولنا عدم العلة علة لعدم المعلول و العدم باطل نهايةالحكمة، صفحة 15 الذات إذ العدم لا تحقق له في خارج و لا في ذهن و لا لأحكامه و آثاره و هذا النوع من القضايا تعتبر مطابقة لنفس الأمر فإن العقل إذا صدق كون وجود العلة علة لوجود المعلول اضطر إلى تصديق أنه ينتفي إذا انتفت علته و هو كون عدمها علة لعدمه و لا مصداق محقق للعدم في خارج و لا في ذهن إذ كل ما حل في واحد منهما فله وجود. و الذي ينبغي أن يقال بالنظر إلى الأبحاث السابقة إن الأصيل هو الوجود الحقيقي و هو الوجود و له كل حكم حقيقي ثم لما كانت الماهيات ظهورات الوجود للأذهان توسع العقل توسعا اضطراريا باعتبار الوجود لها و حمله عليها و صار مفهوم الوجود و الثبوت يحمل على الوجود و الماهية و أحكامهما جميعا ثم توسع العقل توسعا اضطراريا ثانيا بحمل مطلق الثبوت و التحقق على كل مفهوم يضطر إلى اعتباره بتبع الوجود أو الماهية كمفهوم العدم و الماهية و القوة و الفعل ثم التصديق بأحكامها فالظرف الذي يفرضه العقل لمطلق الثبوت و التحقق بهذا المعنى الأخير هو الذي نسميه نفس الأمر و يسع الصوادق من القضايا الذهنية و الخارجية و ما يصدقه العقل و لا مطابق له في ذهن أو خارج غير أن الأمور النفس الأمرية لوازم عقلية للماهيات متقررة بتقررها و للكلام تتمة ستمر بك إن شاء الله تعالى. و قيل المراد بالأمر في نفس الأمر عالم الأمر و هو عقل كلي فيه صور المعقولات جميعا و المراد بمطابقة القضية لنفس الأمر مطابقتها لما عنده من الصورة المعقولة. و فيه أن الكلام منقول إلى ما عنده من الصورة المعقولة و هي صورة معقولة تقتضي مطابقا فيما وراءها تطابقه. و قيل المراد بنفس الأمر نفس الشي‏ء فهو من وضع الظاهر موضع الضمير فكون العدم مثلا باطل الذات في نفس الأمر كونه في نفسه كذلك. نهايةالحكمة، صفحة 16 و فيه أن ما لا مطابق له في خارج و لا في ذهن لا نفسية له حتى يطابقه هو و أحكامه. و ثامنا أن الشيئية مساوقة للوجود فما لا وجود له لا شيئية له فالمعدوم من حيث هو معدوم ليس بشي‏ء. و نسب إلى المعتزلة أن للماهيات الممكنة المعدومة شيئية في العدم و أن بين الوجود و العدم واسطة يسمونها الحال و عرفوها بصفة الموجود التي ليست موجودة و لا معدومة كالضاحكية و الكاتبية للإنسان لكنهم ينفون الواسطة بين النفي و الإثبات فالمنفي هو المحال و الثابت هو الواجب و الممكن الموجود و الممكن المعدوم و الحال التي ليست بموجودة و لا معدومة. و هذه دعاو يدفعها صريح العقل و هي بالاصطلاح أشبه منها بالنظرات العلمية فالصفح عن البحث فيها أولى. و تاسعا أن حقيقة الوجود بما هي حقيقة الوجود لا سبب لها وراءها أي أن هويته العينية التي هي لذاتها أصيلة موجودة طاردة للعدم لا تتوقف في تحققها على شي‏ء خارج من هذه الحقيقة سواء كان سببا تاما أو ناقصا و ذلك لمكان أصالتها و بطلان ما وراءها نعم لا بأس بتوقف بعض مراتب هذه الحقيقة على بعض كتوقف الوجود الإمكاني على الوجود الواجبي و توقف بعض الممكنات على بعض. و من هنا يظهر أن لا مجرى لبرهان اللم في الفلسفة الإلهية الباحثة عن أحكام الموجود من حيث هو موجود. و عاشرا أن حقيقة الوجود حيث كانت عين حيثية ترتب الآثار كانت عين الخارجية فيمتنع أن تحل الذهن فتتبدل ذهنية لا تترتب عليها الآثار لاستلزامه الانقلاب المحال و أما الوجود الذهني الذي سيأتي إثباته إن شاء الله فهو من حيث كونه يطرد عن نفسه العدم وجود خارجي مترتب عليه الآثار و إنما يعد ذهنيا لا تترتب عليه الآثار بقياسه إلى المصداق الخارجي نهايةالحكمة، صفحة 17 الذي بحذائه. فقد بان أن حقيقة الوجود لا صورة عقلية لها كالماهيات الموجودة في الخارج التي لها صورة عقلية و بان أيضا أن نسبة مفهوم الوجود إلى الوجودات الخارجية ليست نسبة الماهية الكلية إلى أفرادها الخارجية. و تبين بما تقدم أيضا أن المفهوم إنما تكون ماهية إذا كان لها فرد خارجي تقومه و تترتب عليه آثارها. الفصل الثالث في أن الوجود حقيقة مشككة لا ريب أن الهويات العينية الخارجية تتصف بالكثرة تارة من جهة أن هذا إنسان و ذاك فرس و ذلك شجر و نحو ذلك و تارة بأن هذا بالفعل و ذاك بالقوة و هذا واحد و ذاك كثير و هذا حادث و ذاك قديم و هذا ممكن و ذاك واجب و هكذا. و قد ثبت بما قد أوردناه في الفصل السابق أن الكثرة من الجهة الأولى و هي الكثرة الماهوية موجودة في الخارج بعرض الوجود و أن الوجود متصف بها بعرض الماهية لمكان أصالة الوجود و اعتبارية الماهية. و أما الكثرة من الجهة الثانية فهي التي تعرض الوجود من جهة الانقسامات الطارئة عليه نفسه كانقسامه إلى الواجب و الممكن و إلى الواحد و الكثير و إلى ما بالفعل و ما بالقوة و نحو ذلك و قد تقدم في الفصل السابق أن الوجود بسيط و أنه لا غير له و يستنتج من ذلك أن هذه الكثرة مقومة للوجود بمعنى أنها فيه غير خارجة منه و إلا كانت جزءا منه و لا جزء للوجود أو حقيقة خارجة منه و لا خارج من الوجود. نهايةالحكمة، صفحة 18 فللوجود كثرة في نفسه فهل هناك جهة وحدة ترجع إليها هذه الكثرة من غير أن تبطل بالرجوع فتكون حقيقة الوجود كثيرة في عين أنها واحدة و واحدة في عين أنها كثيرة و بتعبير آخر حقيقة مشككة ذات مراتب مختلفة يعود ما به الامتياز في كل مرتبة إلى ما به الاشتراك كما نسب إلى الفهلويين أو لا جهة وحدة فيها فيعود الوجود حقائق متباينة بتمام الذات يتميز كل منها من غيره بتمام ذاته البسيطة لا بالجزء و لا بأمر خارجي كما نسب إلى المشائين. الحق أنها حقيقة واحدة في عين أنها كثيرة لأنا ننتزع من جميع مراتبها و مصاديقها مفهوم الوجود العام الواحد البديهي و من الممتنع انتزاع مفهوم واحد من مصاديق كثيرة بما هي كثيرة غير راجعة إلى وحدة ما. و يتبين به أن الوجود حقيقة مشككة ذات مراتب مختلفة كما مثلوا له بحقيقة النور على ما يتلقاه الفهم الساذج أنه حقيقة واحدة ذات مراتب مختلفة في الشدة و الضعف فهناك نور قوي و متوسط و ضعيف مثلا و ليست المرتبة القوية نورا و شيئا زائدا على النورية و لا المرتبة الضعيفة تفقد من حقيقة النور شيئا أو تختلط بالظلمة التي هي عدم النور بل لا تزيد كل واحدة من مراتبه المختلفة على حقيقة النور المشتركة شيئا و لا تفقد منها شيئا و إنما هي النور في مرتبة خاصة بسيطة لم تتألف من أجزاء و لم ينضم إليها ضميمة و تمتاز من غيرها بنفس ذاتها التي هي النورية المشتركة. فالنور حقيقة واحدة بسيطة متكثرة في عين وحدتها و متوحدة في عين كثرتها كذلك الوجود حقيقة واحدة ذات مراتب مختلفة بالشدة و الضعف و التقدم و التأخر و العلو و الدنو و غيرها. و يتفرع على ما تقدم أمور الأمر الأول أن التمايز بين مرتبة من مراتب الوجود و مرتبة أخرى إنما هو بنفس ذاتها البسيطة التي ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز و لا ينافيه مع نهايةالحكمة، صفحة 19 ذلك أن ينسب العقل التمايز الوجودي إلى جهة الكثرة في الوجود دون جهة الوحدة و لا أن ينسب الاشتراك و السنخية إلى جهة الوحدة. الأمر الثاني أن بين مراتب الوجود إطلاقا و تقييدا بقياس بعضها إلى بعض لمكان ما فيها من الاختلاف بالشدة و الضعف و نحو ذلك و ذلك أنا إذا فرضنا مرتبتين من الوجود ضعيفة و شديدة وقع بينهما قياس و إضافة بالضرورة و كان من شأن المرتبة الضعيفة أنها لا تشتمل على بعض ما للمرتبة الشديدة من الكمال لكن ليس شي‏ء من الكمال الذي في المرتبة الضعيفة إلا و المرتبة الشديدة واجدة له. فالمرتبة الضعيفة كالمؤلفة من وجدان و فقدان فذاتها مقيدة بعدم بعض ما في المرتبة الشديدة من الكمال و إن شئت فقل محدودة و أما المرتبة الشديدة فذاتها مطلقة غير محدودة بالنسبة إلى المرتبة الضعيفة. و إذا فرضنا مرتبة أخرى فوق الشديدة كانت نسبة الشديدة إلى هذه التي فرضنا فوقها كنسبة التي دونها إليها و صارت الشديدة محدودة بالنسبة إلى ما فوقها كما كانت مطلقة بالنسبة إلى ما دونها و على هذا القياس في المراتب الذاهبة إلى فوق حتى تقف في مرتبة ليست فوقها مرتبة فهي المطلقة من غير أن تكون محدودة إلا بأنها لا حد لها. و الأمر بالعكس مما ذكر إذا أخذنا مرتبة ضعيفة و اعتبرناها مقيسة إلى ما هي أضعف منها و هكذا حتى ننتهي إلى مرتبة من الكمال و الفعلية ليس لها من الفعلية إلا فعلية أن لا فعلية لها الأمر الثالث تبين من جميع ما مر أن للمراتب المترتبة من الوجود حدودا غير أعلى المراتب فإنها محدودة بأنها لا حد لها و ظاهر أن هذه الحدود الملازمة نهايةالحكمة، صفحة 20 للسلوب و الأعدام و الفقدانات التي نثبتها في مراتب الوجود و هي أصيلة و بسيطة إنما هي من ضيق التعبير و إلا فالعدم نقيض الوجود و من المستحيل أن يتخلل في مراتب نقيضه. و هذا المعنى أعني دخول الأعدام في مراتب الوجود المحدودة و عدم دخولها المؤدي إلى الصرافة نوع من البساطة و التركيب في الوجود غير البساطة و التركيب المصطلح عليها في موارد أخرى و هو البساطة و التركيب من جهة الأجزاء الخارجية أو العقلية أو الوهمية. الأمر الرابع أن المرتبة كلما تنزلت زادت حدودها و ضاق وجودها و كلما عرجت و زادت قربا من أعلى المراتب قلت حدودها و اتسع وجودها حتى يبلغ أعلى المراتب فهي مشتملة على كل كمال وجودي من غير تحديد و مطلقة من غير نهاية. الأمر الخامس أن للوجود حاشيتين من حيث الشدة و الضعف و هذا ما يقضي به القول بكون الوجود حقيقة مشككة. الأمر السادس أن للوجود بما لحقيقته من السعة و الانبساط تخصصا بحقيقته العينية البسيطة و تخصصا بمرتبة من مراتبه المختلفة البسيطة التي يرجع ما به الامتياز فيها إلى ما به الاشتراك و تخصصا بالماهيات المنبعثة عنه المحددة له و من المعلوم أن التخصص بأحد الوجهين الأولين مما يلحقه بالذات و بالوجه الثالث أمر يعرضه بعرض الماهيات. نهايةالحكمة، صفحة 21 الفصل الرابع في شطر من أحكام العدم قد تقدم أن العدم لا شيئية له فهو محض الهلاك و البطلان. و مما يتفرع عليه أن لا تمايز في العدم إذ التمايز بين شيئين إما بتمام الذات كالنوعين تحت مقولتين أو ببعض الذات كالنوعين تحت مقولة واحدة أو بما يعرض الذات كالفردين من نوع و لا ذات للعدم. نعم ربما يضاف العدم إلى الوجود فيحصل له حظ من الوجود و يتبعه نوع من التمايز كعدم البصر الذي هو العمى و المتميز من عدم السمع الذي هو الصمم و كعدم زيد و عدم عمرو المتميز أحدهما من الآخر. و بهذا الطريق ينسب العقل إلى العدم العلية و المعلولية حذاء ما للوجود من ذلك فيقال عدم العلة علة لعدم المعلول حيث يضيف العدم إلى العلة و المعلول فيتميز العدمان ثم يبنى عدم المعلول على عدم العلة كما كان يتوقف وجود المعلول على وجود العلة و ذلك نوع من التجوز حقيقته الإشارة إلى ما بين الوجودين من التوقف. و نظير العدم المضاف العدم المقيد بأي قيد يقيده كالعدم الذاتي و العدم الزماني و العدم الأزلي ففي جميع ذلك يتصور مفهوم العدم و يفرض له مصداق على حد سائر المفاهيم ثم يقيد المفهوم فيتميز المصداق ثم يحكم على المصداق على ما له من الثبوت المفروض بما يقتضيه من الحكم كاعتبار عدم العدم قبال العدم نظير اعتبار العدم المقابل للوجود قبال الوجود. و بذلك يندفع الإشكال في اعتبار عدم العدم بأن العدم المضاف إلى العدم نوع من العدم و هو بما أنه رافع للعدم المضاف إليه يقابله تقابل نهايةالحكمة، صفحة 22 التناقض و النوعية و التقابل لا يجتمعان البتة. وجه الاندفاع كما أفاده صدر المتألهين ره أن الجهة مختلف فعدم العدم بما أنه مفهوم أخص من مطلق العدم مأخوذ فيه العدم نوع من العدم و بما أن للعدم المضاف إليه ثبوتا مفروضا يرفعه العدم المضاف رفع النقيض للنقيض يقابله العدم المضاف. و بمثل ذلك يندفع ما أورد على قولهم المعدوم المطلق لا يخبر عنه بأن القضية تناقض نفسها فإنها تدل على عدم الإخبار عن المعدوم المطلق و هذا بعينه خبر عنه و يندفع بأن المعدوم المطلق بما أنه بطلان محض في الواقع لا خبر عنه و بما أن لمفهومه ثبوتا ما ذهنيا يخبر عنه بأنه لا يخبر عنه فالجهتان مختلفتان و بتعبير آخر المعدوم المطلق بالحمل الشائع لا يخبر عنه و بالحمل الأولى يخبر عنه بأنه لا يخبر عنه. و بمثل ما تقدم أيضا يندفع الشبهة عن عدة من القضايا توهم التناقض كقولنا الجزئي جزئي و هو بعينه كلي يصدق على كثيرين و قولنا اجتماع النقيضين ممتنع و هو بعينه ممكن موجود في الذهن و قولنا الشي‏ء إما ثابت في الذهن أو لا ثابت فيه و اللاثابت في الذهن ثابت فيه لأنه معقول موجود بوجود ذهني. فالجزئي جزئي بالحمل الأولي كلي صادق على كثيرين بالحمل الشائع و اجتماع النقيضين ممكن بالحمل الأولي ممتنع بالحمل الشائع و اللاثابت في الذهن لا ثابت فيه بالحمل الأولي ثابت فيه بالحمل الشائع. الفصل الخامس في أنه لا تكرر في الوجود كل موجود في الأعيان فإن هويته العينية وجوده على ما تقدم من أصالة نهايةالحكمة، صفحة 23 الوجود و الهوية العينية تأبى بذاته الصدق على كثيرين و هو التشخص فالشخصية للوجود بذاته فلو فرض لموجود وجودان كانت هويته العينية الواحدة كثيرة و هي واحدة هذا محال. و بمثل البيان يتبين استحالة وجود مثلين من جميع الجهات لأن لازم فرض مثلين اثنين التمايز بينهما بالضرورة و لازم فرض التماثل من كل جهة عدم التمايز بينهما و في ذلك اجتماع النقيضين هذا محال. و بالجملة من الممتنع أن يوجد موجود واحد بأكثر من وجود واحد سواء كان الوجودان مثلا واقعين في زمان واحد من غير تخلل العدم بينهما أو منفصلين يتخلل العدم بينهما فالمحذور و هو لزوم العينية مع فرض الاثنينية في الصورتين سواء. و القول بأن الوجود الثاني متميز من الأول بأنه مسبوق بالعدم بعد الوجود بخلاف الأول و هذا كاف في تصحيح الاثنينية و غير مضر بالعينية لأنه تميز بعدم. مردود بأن العدم بطلان محض لا كثرة فيه و لا تميز و ليس فيه ذات متصفة بالعدم يلحقها وجود بعد ارتفاع وصفه فقد تقدم أن ذلك كله اعتبار عقلي بمعونة الوهم الذي يضيف العدم إلى الملكة فيتعدد العدم و يتكثر بتكثر الملكات و حقيقة كون الشي‏ء مسبوق الوجود بعدم و ملحوق الوجود به. و بالجملة إحاطة العدم به من قبل و من بعد اختصاص وجوده بظرف من ظروف الواقع و قصوره عن الانبساط على سائر الظروف من الأعيان لا أن للشي‏ء وجودا واقعيا في ظرف من ظروف الواقع و للعدم تقرر واقع منبسط على سائر الظروف ربما ورد على الوجود فدفعه عن مستقره و استقر هو فيه فإن فيه إعطاء الأصالة للعدم و اجتماع النقيضين. و الحاصل أن تميز الوجود الثاني تميز وهمي لا يوجب تميزا حقيقيا و لو أوجب ذلك أوجب البينونة بين الوجودين و بطلت العينية. نهايةالحكمة، صفحة 24 و القول بأنه لم لا يجوز أن يوجد الموجد شيئا ثم يعدم و له بشخصه صورة علمية عنده أو عند بعض المبادي العالية ثم يوجد ثانيا على ما علم فيستحفظ الوحدة و العينية بين الوجودين بالصورة العلمية. يدفعه أن الوجود الثاني كيفما فرض وجود بعد وجود و غيريته و بينونته للوجود الأول بما أنه بعده ضروري و لا تجتمع العينية و الغيرية البتة. و هذا الذي تقرر من استحالة تكرر الوجود لشي‏ء مع تخلل العدم هو المراد بقولهم إن إعادة المعدوم بعينه ممتنع و قد عد الشيخ امتناع إعادة المعدوم بعينه ضروريا. و قد أقاموا على ذلك حججا هي تنبيهات بناء على ضرورية المسألة منها أنه لو جاز للموجود في زمان أن ينعدم زمانا ثم يوجد بعينه في زمان آخر لزم تخلل العدم بين الشي‏ء و نفسه و هو محال لاستلزامه وجود الشي‏ء في زمانين بينهما عدم متخلل. و منها أنه لو جاز إعادة الشي‏ء بعينه بعد انعدامه جاز إيجاد ما يماثله من جميع الوجوه ابتداء و هو محال أما الملازمة فلأن الشي‏ء المعاد بعينه و ما يماثله من جميع الوجوه مثلان و حكم الأمثال فيما يجوز و فيما لا يجوز واحد فلو جاز إيجاده بعينه ثانيا بنحو الإعادة جاز إيجاد مثله ابتداء و أما استحالة اللازم فلاستلزام اجتماع المثلين في الوجود عدم التميز بينهما و هما اثنان متمايزان. و منها أن إعادة المعدوم بعينه توجب كون المعاد هو المبتدأ لأن فرض العينية يوجب كون المعاد هو المبتدأ ذاتا و في جميع الخصوصيات المشخصة حتى الزمان فيعود المعاد مبتدأ و حيثية الإعادة عين حيثية الابتداء. و منها أنه لو جازت الإعادة لم يكن عدد العود بالغا حدا معينا يقف عليه إذ لا فرق بين العودة الأولى و الثانية و الثالثة و هكذا إلى ما لا نهاية له كما لم يكن فرق بين المعاد و المبتدإ و تعين العدد من لوازم وجود الشي‏ء المتشخص. نهايةالحكمة، صفحة 25 و ذهب جمع من المتكلمين نظرا إلى أن المعاد الذي نطقت به الشرائع الحقة إعادة للمعدوم إلى جواز الإعادة و استدلوا عليه بأنه لو امتنعت إعادة المعدوم بعينه لكان ذلك إما لماهيته أو لأمر لازم لماهيته و لو كان كذلك لم يوجد ابتداء أو لأمر مفارق فيزول الامتناع بزواله. و رد بأن الامتناع لأمر لازم لوجوده لا لماهيته و أما ما نطقت به الشرائع الحقة فالحشر و المعاد انتقال من نشأة إلى نشأة أخرى و ليس إيجاد بعد الإعدام. نهايةالحكمة، صفحة 27 المرحلة الثانية في الوجود المستقل و الرابط و فيها ثلاثة فصول نهايةالحكمة، صفحة 28 الفصل الأول في انقسام الوجود إلى المستقل و الرابط ينقسم الموجود إلى ما وجوده في نفسه و نسميه الوجود المستقل و المحمولي أو النفسي و ما وجوده في غيره و نسميه الوجود الرابط و ذلك أن هناك قضايا خارجية تنطبق بموضوعاتها و محمولاتها على الخارج كقولنا زيد قائم و الإنسان ضاحك مثلا و أيضا مركبات تقييدية مأخوذة من هذه القضايا كقيام زيد و ضحك الإنسان نجد فيها بين أطرافها من الأمر الذي نسميه نسبة و ربطا ما لا نجده في الموضوع وحده و لا في المحمول وحده و لا بين الموضوع و غير المحمول و لا بين المحمول و غير الموضوع فهناك أمر موجود وراء الموضوع و المحمول. و ليس منفصل الذات عن الطرفين بحيث يكون ثالثهما و مفارقا لهما كمفارقة أحدهما الآخر و إلا احتاج إلى رابط يربطه بالموضوع و رابط آخر يربطه بالمحمول فكان المفروض ثلاثة خمسة و احتاج الخمسة إلى أربعة روابط أخر و صارت تسعة و هلم جرا فتسلسل أجزاء القضية أو المركب إلى غير النهاية و هي محصورة بين حاصرين هذا محال فهو إذن موجود في الطرفين قائم بهما بمعنى ما ليس بخارج منهما من غير أن يكون عينهما أو جزأهما أو عين أحدهما أو جزأه و لا أن ينفصل منهما و الطرفان اللذان وجوده فيهما هما بخلافه فثبت أن من الموجود ما وجوده في نفسه و هو المستقل و منه ما وجوده نهايةالحكمة، صفحة 29 في غيره و هو الرابط. و قد ظهر مما تقدم أن معنى توسط النسبة بين الطرفين كون وجودها قائما بالطرفين رابطا بينهما. و يتفرع عليه أمور الأول أن الوعاء الذي يتحقق فيه الوجود الرابط هو الوعاء الذي يتحقق فيه وجود طرفيه سواء كان الوعاء المذكور هو الخارج أو الذهن و ذلك لما في طباع الوجود الرابط من كونه غير خارج من وجود طرفيه فوعاء وجود كل منها هو بعينه وعاء وجوده فالنسبة الخارجية إنما تتحقق بين طرفين خارجيين و النسبة الذهنية إنما بين طرفين ذهنيين و الضابط أن وجود الطرفين مسانخ لوجود النسبة الدائرة بينهما و بالعكس. الثاني أن تحقق الوجود الرابط بين طرفين يوجب نحوا من الاتحاد الوجودي بينهما و ذلك لما أنه متحقق فيهما غير متميز الذات منهما و لا خارج منهما فوحدته الشخصية تقضي بنحو من الاتحاد بينهما سواء كان هناك حمل كما في القضايا أو لم يكن كغيرها من المركبات فجميع هذه الموارد لا يخلو من ضرب من الاتحاد. الثالث أن القضايا المشتملة على الحمل الأولي كقولنا الإنسان إنسان لا رابط فيها إلا بحسب الاعتبار الذهني فقط و كذا الهليات البسيطة كقولنا الإنسان موجود إذ لا معنى لتحقق النسبة الرابطة بين الشي‏ء و نفسه. الرابع أن العدم لا يتحقق منه رابط إذ لا شيئية له و لا تميز فيه و لازمه أن القضايا الموجبة التي أحد طرفيها أو كلاهما العدم كقولنا زيد معدوم و شريك الباري معدوم لا عدم رابطا فيها إذ لا معنى لقيام عدم بعدمين أو بوجود و عدم و لا شيئية له و لا تميز اللهم إلا بحسب الاعتبار الذهني. و نظيرتها القضايا السالبة كقولنا ليس الإنسان بحجر فلا عدم رابطا نهايةالحكمة، صفحة 30 فيها إلا بحسب الاعتبار الذهني. الخامس أن الوجودات الرابطة لا ماهية لها لأن الماهيات هي المقولة في جواب ما هو فهي مستقلة بالمفهومية و الوجودات الرابطة لا مفهوم لها مستقلا بالمفهومية الفصل الثاني في كيفية اختلاف الوجود الرابط و المستقل هل الاختلاف بين الوجود المستقل و الرابط اختلاف نوعي أو لا بمعنى أن الوجود الرابط و هو ذو معنى تعلقي هل يجوز أن ينسلخ عن هذا الشأن فيعود معنى مستقلا بتوجيه الالتفات إليه مستقلا بعد ما كان ذا معنى حرفي أو لا يجوز. الحق هو الثاني لما سيأتي في أبحاث العلة و المعلول أن حاجة المعلول إلى العلة مستقرة في ذاته و لازم ذلك أن يكون عين الحاجة و قائم الذات بوجود العلة لا استقلال له دونها بوجه و مقتضى ذلك أن يكون وجود كل معلول سواء كان جوهرا أو عرضا موجودا في نفسه رابطا بالنظر إلى علته و إن كان بالنظر إلى نفسه و بمقايسة بعضه إلى بعض جوهرا أو عرضا موجودا في نفسه. فتقرر أن اختلاف الوجود الرابط و المستقل ليس اختلافا نوعيا بأن لا يقبل المفهوم غير المستقل الذي ينتزع من الربط المتبدل إلى المفهوم المستقل المنتزع من المستقل. و يتفرع على ما تقدم أمور الأول أن المفهوم في استقلاله بالمفهومية و عدم استقلاله تابع لوجوده الذي ينتزع منه و ليس له من نفسه إلا الإبهام فحدود الجواهر و الأعراض نهايةالحكمة، صفحة 31 ماهيات جوهرية و عرضية بقياس بعضها إلى بعض و بالنظر إلى أنفسها و روابط وجودية بقياسها إلى المبدإ الأول تبارك و تعالى و هي في أنفسها مع قطع النظر عن وجودها لا مستقلة و لا رابطة. الثاني أن من الوجودات الرابطة ما يقوم بطرف واحد كوجود المعلول بالقياس إلى علته كما أن منها ما يقوم بطرفين كوجودات سائر النسب و الإضافات. الثالث أن نشأة الوجود لا تتضمن إلا وجودا واحدا مستقلا هو الواجب عز اسمه و الباقي روابط و نسب و إضافات الفصل الثالث في انقسام الوجود في نفسه إلى ما لنفسه و ما لغيره ينقسم الموجود في نفسه إلى ما وجوده لنفسه و ما وجوده لغيره و المراد بكون وجود الشي‏ء لغيره أن يكون وجوده في نفسه و هو الوجود الذي يطرد عن ماهيته العدم هو بعينه طاردا للعدم عن شي‏ء آخر لا لعدم ماهية ذلك الشي‏ء الآخر و ذاته و إلا كانت لموجود واحد ماهيتان و هو محال بل لعدم زائد على ماهيته و ذاته له نوع من المقارنة له كالعلم الذي يطرد بوجوده العدم عن ماهية نفسه و هو بعينه يطرد الجهل الذي هو عدم ما عن موضوعه. و الحجة على تحقق هذا القسم أعني الوجود لغيره وجودات الأعراض فإن كلا منها كما يطرد عن ماهية نفسه العدم يطرد عن موضوعه عدما ما زائدا على ذاته و كذلك الصور النوعية المنطبعة فإن لها نوع حصول لموادها تطرد به عن موادها لا عدم ذاتها بل نقصا جوهريا تكمل بطرده و هو المراد بكون وجود الشي‏ء لغيره و ناعتا. نهايةالحكمة، صفحة 32 و يقابله ما كان وجوده طاردا للعدم عن ماهية نفسه فحسب و هو الوجود لنفسه كالأنواع التامة الجوهرية كالإنسان و الفرس و غيرهما. فتقرر أن الوجود في نفسه ينقسم إلى ما وجوده لنفسه و ما وجوده لغيره و ذلك هو المطلوب. و يتبين بما مر أن وجود الأعراض من شئون وجود الجواهر التي هي موضوعاتها و كذلك وجود الصور المنطبعة غير مباينة لوجود موادها. و يتبين به أيضا أن المفاهيم المنتزعة عن الوجودات الناعتة التي هي أوصاف لموضوعاتها ليست بماهيات لها و لا لموضوعاتها و ذلك لأن المفهوم المنتزع عن وجود إنما يكون ماهية له إذا كان الوجود المنتزع عنه يطرد عن نفسه العدم و الوجود الناعت يطرد العدم لا عن نفس المفهوم المنتزع عنه مثلا وجود السواد في نفسه يطرد العدم عن نفس السواد فالسواد ماهيته و أما هذا الوجود من حيث جعله الجسم أسود فليس يطرد عدما لا عن السواد في نفسه و لا عن ماهية الجسم المنعوت به بل عن صفة يتصف بها الجسم خارجة عن ذاته. نهايةالحكمة، صفحة 33 المرحلة الثالثة في انقسام الوجود إلى ذهني و خارجي و فيها فصل واحد نهايةالحكمة، صفحة 34 فصل في انقسام الوجود إلى ذهني و خارجي المعروف من مذهب الحكماء أن لهذه الماهيات الموجودة في الخارج المترتبة عليها آثارها وجودا آخر لا يترتب عليها فيه آثارها الخارجية بعينها و إن ترتبت آثار أخر غير آثارها الخارجية و هذا النحو من الوجود هو الذي نسميه الوجود الذهني و هو علمنا بماهيات الأشياء. و أنكر الوجود الذهني قوم فذهب بعضهم إلى أن العلم إنما هو نوع إضافة من النفس إلى المعلوم الخارجي. و ذهب بعضهم و نسب إلى القدماء أن الحاصل في الذهن عند العلم بالأشياء أشباحها المحاكية لها كما يحاكي التمثال لذي التمثال مع مباينتهما ماهية. و قال آخرون بالأشباح مع المباينة و عدم المحاكاة ففيه خطأ من النفس غير أنه خطأ منظم لا يختل به حياة الإنسان كما لو فرض إنسان يرى الحمرة خضرة دائما فيرتب على ما يراه خضرة آثار الحمرة دائما. و البرهان على ثبوت الوجود الذهني أنا نتصور هذه الأمور الموجودة في الخارج كالإنسان و الفرس مثلا على نعت الكلية و الصرافة و نحكم عليها بذلك و لا نرتاب أن لمتصورنا هذا ثبوتا ما في ظرف وجداننا و حكمنا عليه بذلك فهو موجود بوجود ما و إذ ليس بهذه النعوت موجودا في الخارج لأنه فيه على نعت نهايةالحكمة، صفحة 35 الشخصية و الاختلاط فهو موجود في ظرف آخر لا يترتب عليه فيه آثاره الخارجية و نسميه الذهن. و أيضا نتصور أمورا عدمية غير موجودة في الخارج كالعدم المطلق و المعدوم المطلق و اجتماع النقيضين و سائر المحالات فلها ثبوت ما عندنا لاتصافها بأحكام ثبوتية كتميزها من غيرها و حضورها لنا بعد غيبتها عنا و غير ذلك و إذ ليس هو الثبوت الخارجي لأنها معدومة فيه ففي الذهن. و لا نرتاب أن جميع ما نعقله من سنخ واحد فالأشياء كما أن لها وجودا في الخارج ذا آثار خارجية لها وجود في الذهن لا يترتب عليها فيه تلك الآثار الخارجية و إن ترتبت عليها آثار أخر غير آثارها الخارجية الخاصة. و لو كان هذا الذي نعقله من الأشياء هو عين ما في الخارج كما يذهب إليه القائل بالإضافة لم يمكن تعقل ما ليس في الخارج كالعدم و المعدوم و لم يتحقق خطأ في علم. و لو كان الموجود في الذهن شبحا للأمر الخارجي نسبته إليه نسبة التمثال إلى ذي التمثال ارتفعت العينية من حيث الماهية و لزمت السفسطة لعود علومنا جهالات على أن فعلية الانتقال من الحاكي إلى المحكي تتوقف على سبق علم بالمحكي و المفروض توقف العلم بالمحكي على الحكاية. و لو كان كل علم مخطئا في الكشف عما وراءه لزمت السفسطة و أدى إلى المناقضة فإن كون كل علم مخطئا يستوجب أيضا كون هذا العلم بالكلية مخطئا فيكذب فيصدق نقيضه و هو كون بعض العلم مصيبا. فقد تحصل أن للماهيات وجودا ذهنيا لا تترتب عليها فيه الآثار كما أن لها وجودا خارجيا تترتب عليها فيه الآثار و تبين بذلك انقسام الموجود إلى خارجي و ذهني. و قد تبين بما مر أمور الأمر الأول أن الماهية الذهنية غير داخلة و لا مندرجة تحت المقولة التي نهايةالحكمة، صفحة 36 كانت داخلة تحتها و هي في الخارج تترتب عليها آثارها و إنما لها من المقولة مفهومها فقط فالإنسان الذهني و إن كان هو الجوهر الجسم النامي الحساس المتحرك بالإرادة الناطق لكنه ليس ماهية موجودة لا في موضوع بما أنه جوهر و لا ذا أبعاد ثلاثة بما أنه جسم و هكذا في سائر أجزاء حد الإنسان فليس له إلا مفاهيم ما في حده من الأجناس و الفصول من غير ترتب الآثار الخارجية و نعني بها الكمالات الأولية و الثانوية و لا معنى للدخول و الاندراج تحت مقولة إلا ترتب آثارها الخارجية و إلا فلو كان مجرد انطباق مفهوم المقولة على شي‏ء كافيا في اندراجه تحتها كانت المقولة نفسها مندرجة تحت نفسها لحملها على نفسها فكانت فردا لنفسها و هذا معنى قولهم إن الجوهر الذهني جوهر بالحمل الأولي لا بالحمل الشائع. و أما تقسيم المنطقيين الأفراد إلى ذهنية و خارجية فمبني على المسامحة تسهيلا للتعليم. و يندفع بما مر إشكال أوردوه على القول بالوجود الذهني و هو أن الذاتيات منحفظة على القول بالوجود الذهني فإذا تعقلنا الجوهر كان جوهرا نظرا إلى انحفاظ الذاتيات و هو بعينه عرض لقيامه بالنفس قيام العرض بموضوعه فكان جوهرا و عرضا بعينه و استحالته ظاهرة. وجه الاندفاع أن المستحيل كون شي‏ء واحد جوهرا و عرضا معا بالحمل الشائع و الجوهر المعقول جوهر بالحمل الأولي و عرض بالحمل الشائع فلا استحالة. و إشكال ثان و هو أن لازم القول بالوجود الذهني أن يكون الجوهر المعقول جوهرا نظرا إلى انحفاظ الذاتيات و العلم عندهم من الكيفيات النفسانية فالمعقول من الجوهر مندرج تحت مقولة الجوهر و تحت مقولة الكيف و هو محال لأدائه إلى تناقض الذات لكون المقولات متباينة بتمام الذات و كذا إذا تعقلنا الكم مثلا كانت الصورة المعقولة مندرجة تحت نهايةالحكمة، صفحة 37 مقولتي الكم و الكيف معا و هو محال و كذا إذا تعقلنا الكيف المبصر مثلا كان مندرجا تحت نوعين من مقولة الكيف و هما الكيف المحسوس و الكيف النفساني. وجه الاندفاع أنه كيف نفساني بالحمل الشائع فهو مندرج تحته و أما غيره من المقولات أو أنواعها فمحمول عليه بالحمل الأولي و ليس ذلك من الاندارج في شي‏ء. إشكال ثالث و هو أن لازم القول بالوجود الذهني كون النفس حارة باردة معا و مربعا و مثلثا معا إلى غير ذلك من المتقابلات عند تصورها هذه الأشياء إذ لا نعني بالحار و البارد و المربع و المثلث إلا ما حصلت له هذه المعاني التي توجد للغير و تنعته. وجه الاندفاع أن الملاك في كون وجود الشي‏ء لغيره و كونه ناعتا له هو الحمل الشائع و الذي يوجد في الذهن من برودة و حرارة و نحوهما هو كذلك بالحمل الأولي دون الشائع. و إشكال رابع و هو أن اللازم منه كون شي‏ء واحد كليا و جزئيا معا و بطلانه ظاهر بيان الملازمة أن الإنسان المعقول مثلا من حيث تجويز العقل صدقه على كثيرين كلي و هو بعينه من حيث كونه موجودا قائما بنفس واحدة شخصية يتميز بها عن غيره جزئي فهو كلي و جزئي معا. وجه الاندفاع أن الجهة مختلفة فالإنسان المعقول مثلا من حيث إنه مقيس إلى الخارج كلي و من حيث إنه كيف نفساني قائم بالنفس غير مقيس إلى الخارج جزئي. و إشكال خامس و هو أنا نتصور المحالات الذاتية كشريك الباري و سلب الشي‏ء عن نفسه و اجتماع النقيضين و ارتفاعهما فلو كانت الأشياء حاصلة بذواتها في الذهن استلزم ذلك ثبوت المحالات الذاتية. وجه الاندفاع أن الثابت في الذهن إنما هو مفاهيمها بالحمل الأولي نهايةالحكمة، صفحة 38 لا مصاديقها بالحمل الشائع فالمتصور من شريك الباري هو شريك الباري بالحمل الأولي و أما بالحمل الشائع فهو ممكن و كيف نفساني معلول للباري مخلوق له. الأمر الثاني أن الوجود الذهني لما كان لذاته مقيسا إلى الخارج كان بذاته حاكيا لما وراءه فامتنع أن يكون للشي‏ء وجود ذهني من دون أن يكون له وجود خارجي محقق كالماهيات الحقيقية المنتزعة من الوجود الخارجي أو مقدر كالمفاهيم غير الماهوية التي يتعملها الذهن بنوع من الاستمداد من معقولاته فيتصور مفهوم العدم مثلا و يقدر له ثبوتا ما يحكيه بما تصوره من المفهوم. و بالجملة شأن الوجود الذهني الحكاية لما وراءه من دون أن يترتب آثار المحكي على الحاكي و لا ينافي في ذلك ترتب آثار نفسه الخاصة به من حيث إن له ماهية الكيف و كذا لا ينافيه ما سيأتي أن الصور العلمية مطلقا مجردة عن المادة فإن ترتب آثار الكيف النفساني و كذا التجرد حكم الصور العلمية في نفسها و الحكاية و عدم ترتب الآثار حكمها قياسا إلى الخارج و من حيث كونها وجودا ذهنيا لماهية كذا خارجية. و يندفع بذلك إشكال أوردوه على القائلين بالوجود الذهني و هو أنا نتصور الأرض على سعتها بسهولها و براريها و جبالها و ما يحيط بها من السماء بأرجائها البعيدة و النجوم و الكواكب بأبعادها الشاسعة و حصول هذه المقادير العظيمة في الذهن أي انطباعها في جزء عصبي أو جزء دماغي من انطباع الكبير في الصغير و هو محال. و لا يجدي الجواب عنه بما قيل إن المحل الذي ينطبع فيه الصور منقسم إلى غير النهاية فإن الكف لا تسع الجبل و إن كانت منقسمة إلى غير النهاية وجه الاندفاع أن الحق كما سيأتي بيانه أن الصور العلمية الجزئية غير مادية بل مجردة تجردا مثاليا فيه آثار المادة من الأبعاد و الألوان و الأشكال دون نهايةالحكمة، صفحة 39 نفس المادة و الانطباع من أحكام المادة و لا انطباع في المجرد. و بذلك يندفع أيضا إشكال آخر هو أن الإحساس و التخيل على ما بينه علماء الطبيعة بحصول صور الأجسام بما لها من النسب و الخصوصيات الخارجية في الأعضاء الحساسة و انتقالها إلى الدماغ مع ما لها من التصرف في الصور بحسب طبائعها الخاصة و الإنسان ينتقل إلى خصوصيات مقاديرها و أبعادها و أشكالها بنوع من المقايسة بين أجزاء الصورة الحاصلة عنده على ما فصلوه في محله و من الواضح أن هذه الصور الحاصلة المنطبعة بخصوصياتها في محل مادي مباينة للماهيات الخارجية فلا مسوغ للقول بالوجود الذهني و حضور الماهيات الخارجية بأنفسها في الأذهان. وجه الاندفاع أن ما ذكروه من الفعل و الانفعال الماديين عند حصول العلم بالجزئيات في محله لكن هذه الصور المنطبعة ليست هي المعلومة بالذات و إنما هي أمور مادية معدة للنفس تهيئها لحضور الماهيات الخارجية عندها بصور مثالية مجردة غير مادية بناء على ما سيتبين من تجرد العلم مطلقا و قد عرفت أيضا أن القول بمغايرة الصور عند الحس و التخيل لذوات الصور التي في الخارج لا ينفك عن السفسطة. الأمر الثالث أنه لما كانت الماهيات الحقيقية التي تترتب عليها آثارها في الخارج هي التي تحل الأذهان بدون ترتب من آثارها الخارجية فلو فرض هناك أمر حيثية ذاته عين أنه في الخارج و نفس ترتب الآثار كنفس الوجود العيني و صفاته القائمة به كالقوة و الفعل و الوحدة و الكثرة و نحوها كان ممتنع الحصول بنفسها في الذهن و كذا لو فرض أمر حيثية ذاته المفروضة حيثية البطلان و فقدان الآثار كالعدم المطلق و ما يئول إليه امتنع حلوله الذهن. فحقيقة الوجود و كل ما حيثية ذاته حيثية الوجود و كذا العدم المطلق و كل ما حيثية ذاته المفروضة حيثية العدم يمتنع أن يحل الذهن حلول الماهيات الحقيقية. نهايةالحكمة، صفحة 40 و إلى هذا يرجع معنى قولهم إن المحالات الذاتية لا صورة صحيحة لها في الأذهان. و سيأتي إن شاء الله بيان كيفية انتزاع مفهوم الوجود و ما يتصف به و العدم و ما يئول إليه في مباحث العقل و العقال و المعقول نهايةالحكمة، صفحة 41 المرحلة الرابعة في مواد القضايا الوجوب و الامتناع و الإمكان و انحصارها في ثلاث و المقصود بالذات فيها بيان انقسام الموجود إلى الواجب و الممكن و البحث عن خواصهما و أما البحث عن الممتنع و خواصه فمقصود بالتبع و بالقصد الثاني و فيها ثمانية فصول نهايةالحكمة، صفحة 42 الفصل الأول في أن كل مفهوم إما واجب و إما ممكن و إما ممتنع كل مفهوم فرضناه ثم نسبنا إليه الوجود فإما أن يكون الوجود ضروري الثبوت له و هو الوجوب أو يكون ضروري الانتفاء عنه و ذاك كون العدم ضروريا له و هو الامتناع أو لا يكون الوجود ضروريا له و لا العدم ضروريا له و هو الإمكان و أما احتمال كون الوجود و العدم معا ضروريين له فمندفع بأدنى التفات فكل مفهوم مفروض إما واجب و إما ممتنع و إما ممكن. و هذه قضية منفصلة حقيقية مقتنصة من تقسيمين دائرين بين النفي و الإثبات بأن يقال كل مفهوم مفروض فإما أن يكون الوجود ضروريا له أو لا و على الثاني فإما أن يكون العدم ضروريا له أو لا الأول هو الواجب و الثاني هو الممتنع و الثالث هو الممكن. و الذي يعطيه التقسيم من تعريف المواد الثلاث أن وجوب الشي‏ء كون وجوده ضروريا له و امتناعه كون عدمه ضروريا له و إمكانه سلب الضرورتين بالنسبة إليه فالواجب ما يجب وجوده و الممتنع ما يجب عدمه و الممكن ما ليس يجب وجوده و لا عدمه. و هذه جميعا تعريفات لفظية من قبيل شرح الاسم المفيد للتنبيه و ليست بتعريفات حقيقية لأن الضرورة و اللاضرورة من المعاني البينة البديهية التي ترتسم في النفس ارتساما أوليا تعرف بنفسها و يعرف بها غيرها و لذلك من نهايةالحكمة، صفحة 43 حاول أن يعرفها تعريفا حقيقيا أتى بتعريفات دورية كتعريف الممكن بما ليس بممتنع و تعريف الواجب بما يلزم من فرض عدمه محال أو ما فرض عدمه محال و تعريف المحال بما يجب أن لا يكون إلى غير ذلك. و الذي يقع البحث عنه في هذا الفن الباحث عن الموجود بما هو موجود بالقصد الأول من هذه المواد الثلاث هو الوجوب و الإمكان كما تقدمت الإشارة إليه و هما وصفان ينقسم بهما الموجود من حيث نسبة وجوده إليه انقساما أوليا. و بذلك يندفع ما أورد على كون الإمكان وصفا ثابتا للممكن يحاذي الوجوب الذي هو وصف ثابت للواجب تقريره أن الإمكان كما تحصل من التقسيم السابق سلب ضرورة الوجوب و سلب ضرورة العدم فهما سلبان اثنان و إن عبر عنهما بنحو قولهم سلب الضرورتين فكيف يكون صفة واحدة ناعتة للممكن سلمنا أنه يرجع إلى سلب الضرورتين و أنه سلب واحد لكنه كما يظهر من التقسيم سلب تحصيلي لا إيجاب عدولي فما معنى اتصاف الممكن به في الخارج و لا اتصاف إلا بالعدول كما اضطروا إلى التعبير عن الإمكان بأنه لا ضرورة الوجود و العدم و بأنه استواء نسبة الماهية إلى الوجود و العدم عند ما شرعوا في بيان خواص الإمكان ككونه لا يفارق الماهية و كونه علة للحاجة إلى العلة إلى غير ذلك. وجه الاندفاع أن القضية المعدولة المحمول تساوي السالبة المحصلة عند وجود الموضوع و قولنا ليس بعض الموجود ضروري الوجود و لا العدم و كذا قولنا ليست الماهية من حيث هي ضرورية الوجود و لا العدم الموضوع فيه موجود فيتساوى الإيجاب العدولي و السلب التحصيلي في الإمكان ثم لهذا السلب نسبة إلى الضرورة و إلى موضوعه المسلوب عنه الضرورتان يتميز بها من غيره فيكون عدما مضافا له حظ من الوجود و له ما يترتب عليه من الآثار و إن وجده العقل أول ما يجد في صورة السلب التحصيلي كما يجد العمى و هو نهايةالحكمة، صفحة 44 عدم مضاف كذلك أول ما يجده. و يتفرع على ما تقدم أمور الأمر الأول أن موضوع الإمكان هو الماهية إذ لا يتصف الشي‏ء بلا ضرورة الوجود و العدم إلا إذا كان في نفسه خلوا من الوجود و العدم جميعا و ليس إلا الماهية من حيث هي فكل ممكن ذو ماهية و بذلك يظهر معنى قولهم كل ممكن زوج تركيبي له ماهية و وجود. و أما إطلاق الممكن على وجود غير الواجب بالذات و تسميته بالوجود الإمكاني فاصطلاح آخر في الإمكان و الوجوب يستعمل فيه الإمكان و الوجوب بمعنى الفقر الذاتي و الغنى الذاتي و ليس يراد به سلب الضرورتين أو استواء النسبة إلى الوجود و العدم إذ لا يعقل ذلك بالنسبة إلى الوجود. الأمر الثاني أن الإمكان لازم الماهية إذ لو لم يلزمها جاز أن تخلو منه فكانت واجبة أو ممتنعة فكانت في نفسها موجودة أو معدومة و الماهية من حيث هي لا موجودة و لا معدومة. و المراد بكونه لازما لها أن فرض الماهية من حيث هي يكفي في اتصافها بالإمكان من غير حاجة إلى أمر زائد دون اللزوم الاصطلاحي و هو كون الملزوم علة مقتضية لتحقق اللازم و لحوقه به إذ لا اقتضاء في مرتبة الماهية من حيث هي إثباتا و نفيا. لا يقال تحقق سلب الضرورتين في مرتبة ذات الماهية يقضي بكون الإمكان داخلا في ذات الشي‏ء و هو ظاهر الفساد. فإنا نقول إنما يكون محمول من المحمولات داخلا في الذات إذا كان الحمل حملا أوليا ملاكه الاتحاد المفهومي دون الحمل الشائع الذي ملاكه الاتحاد الوجودي و الإمكان و سائر لوازم الماهيات الحمل بينها و بين الماهية من حيث هي حمل شائع لا أولي. الأمر الثالث أن الإمكان موجود بوجود موضوعه في الأعيان و ليس نهايةالحكمة، صفحة 45 اعتبارا عقليا محضا لا صورة له في الأعيان كما قال به بعضهم و لا أنه موجود في الخارج بوجود مستقل منحاز كما قال به آخرون. أما أنه موجود في الأعيان بوجود موضوعه فلأنه قسيم في التقسيم للواجب الذي ضرورة وجوده في الأعيان فارتفاع الضرورة الذي هو الإمكان هو في الأعيان و إذ كان موضوعا في التقسيم المقتضي لاتصاف المقسم بكل واحد من الأقسام كان في معنى وصف ثبوتي يتصف به موضوعه فهو معنى عدمي له حظ من الوجود و الماهية متصفة به في الأعيان و إذ كانت متصفة به في الأعيان فله وجود فيها على حد الأعدام المضافة التي هي أوصاف عدمية ناعتة لموصوفاتها موجودة بوجودها و الآثار المترتبة عليه في الحقيقة هي ارتفاع آثار الوجوب من صرافة الوجود و بساطة الذات و الغنى عن الغير و غير ذلك. و قد اتضح بهذا البيان فساد قول من قال إن الإمكان من الاعتبارات العقلية المحضة التي لا صورة له في خارج و لا ذهن و ذلك لظهور أن ضرورة وجود الموجود أمر وعاؤه الخارج و له آثار خارجية وجودية. و كذا قول من قال إن للإمكان وجودا في الخارج منحازا مستقلا و ذلك لظهور أنه معنى عدمي واحد مشترك بين الماهيات ثابت بثبوتها في أنفسها و هو سلب الضرورتين و لا معنى لوجود الأعدام بوجود منحاز مستقل. على أنه لو كان موجودا في الأعيان بوجود منحاز مستقل كان إما واجبا بالذات و هو ضروري البطلان و إما ممكنا و هو خارج عن ثبوت الماهية لا يكفي فيه ثبوتها في نفسها فكان بالغير و سيجي‏ء استحالة الإمكان بالغير. و قد استدلوا على ذلك بوجوه أوجهها أن الممكن لو لم يكن ممكنا في الأعيان لكان إما واجبا فيها أو ممتنعا فيها فيكون الممكن ضروري الوجود أو ضروري العدم هذا محال. و يرده أن الاتصاف بوصف في الأعيان لا يستلزم تحقق الوصف فيها بوجود منحاز مستقل بل يكفي فيه أن يكون موجودا بوجود موصوفه و الإمكان نهايةالحكمة، صفحة 46 من المعقولات الثانية الفلسفية التي عروضها في الذهن و الاتصاف بها في الخارج و هي موجودة في الخارج بوجود موضوعاتها. و قد تبين مما تقدم أن الإمكان معنى واحد مشترك كمفهوم الوجود. تنبيه تنقسم الضرورة إلى ضرورة أزلية و هو كون المحمول ضروريا للموضوع لذاته من دون أي قيد و شرط حتى الوجود و تختص بما إذا كان ذات الموضوع وجودا قائما بنفسه بحتا لا يشوبه عدم و لا تحده ماهية و هو الوجود الواجبي تعالى و تقدس فيما يوصف به من صفاته التي هي عين ذاته. و إلى ضرورة ذاتية و هي كون المحمول ضروريا للموضوع لذاته مع الوجود لا بالوجود كقولنا كل إنسان حيوان بالضرورة فالحيوانية ذاتية للإنسان ضرورية له ما دام موجودا و مع الوجود و لولاه لكان باطل الذات لا إنسان و لا حيوان. و إلى ضرورة وصفية و هي كون المحمول ضروريا للموضوع لوصفه كقولنا كل كاتب متحرك الأصابع بالضرورة ما دام كاتبا و إلى ضرورة وقتية و مرجعها إلى الضرورة الوصفية بوجه. تنبيه آخر هذا الذي تقدم من معنى الإمكان هو المبحوث عنه في هذه المباحث و هو إحدى الجهات الثلاث التي لا يخلو عن واحدة منها شي‏ء من القضايا و قد كان الإمكان عند العامة يستعمل في سلب الضرورة عن الجانب المخالف و لازمه سلب الامتناع عن الجانب الموافق و يصدق في الموجبة فيما إذا كان نهايةالحكمة، صفحة 47 الجانب الموافق ضروريا نحو الكاتب متحرك الأصابع بالإمكان أو مسلوب الضرورة نحو الإنسان متحرك الأصابع بالإمكان و يصدق في السالبة فيما إذا كان الجانب الموافق ممتنعا نحو ليس الكاتب بساكن الأصابع بالإمكان أو مسلوب الضرورة نحو ليس الإنسان بساكن الأصابع بالإمكان فالإمكان بهذا المعنى أعم موردا من الإمكان بالمعنى المتقدم أعني سلب الضرورتين و من كل من الوجوب و الامتناع لا أنه أعم مفهوما إذ لا جامع مفهومي بين الجهات ثم نقله الحكماء إلى خصوص سلب الضرورة من الجانبين و سموه إمكانا خاصا و خاصيا و سموا ما عند العامة إمكانا عاما و عاميا و ربما أطلق الإمكان و أريد به سلب الضرورات الذاتية و الوصفية و الوقتية و هو أخص من الإمكان الخاص و لذا يسمى الإمكان الأخص نحو الإنسان كاتب بالإمكان فالماهية الإنسانية لا تستوجب الكتابة لا لذاتها و لا لوصف و لا في وقت مأخوذين في القضية و ربما أطلق الإمكان و أريد به سلب الضرورات جميعا حتى الضرورة بشرط المحمول و هو في الأمور المستقبلة التي لم يتعين فيها إيجاب و لا سلب فالضرورة مسلوبة عنها حتى بحسب المحمول إيجابا و سلبا و هذا الاعتبار بحسب النظر البسيط العامي الذي من شأنه الجهل بالحوادث المستقبلة لعدم إحاطته بالعلل و الأسباب و إلا فلكل أمر مفروض بحسب ظرفه إما الوجود و الوجوب و إما العدم و الامتناع و ربما أطلق الإمكان و أريد به الإمكان الاستعدادي و هو وصف وجودي من الكيفيات القائمة بالمادة تقبل به المادة الفعليات المختلفة و الفرق بينه و بين الإمكان الخاص أنه صفة وجودية تقبل الشدة و الضعف و القرب و البعد من الفعلية موضوعة المادة الموجودة و يبطل منها بوجود المستعد نهايةالحكمة، صفحة 48 بخلاف الإمكان الخاص الذي هو معنى عقلي لا يتصف بشدة و ضعف و لا قرب و بعد و موضوعه الماهية من حيث هي لا يفارق الماهية موجودة كانت أو معدومة و ربما أطلق الإمكان و أريد به كون الشي‏ء بحيث لا يلزم من فرض وقوعه محال و يسمى الإمكان الوقوعي و ربما أطلق الإمكان و أريد به ما للوجود المعلولي من التعلق و التقوم بالوجود العلي و خاصة الفقر الذاتي للوجود الإمكاني بالنسبة إلى الوجود الواجبي جل و علا و يسمى الإمكان الفقري و الوجودي قبال الإمكان الماهوي. تنبيه آخر الجهات الثلاث المذكورة لا تختص بالقضايا التي محمولها الوجود بل تتخلل واحدة منها بين أي محمول مفروض نسب إلى أي موضوع مفروض غير أن الفلسفة لا تتعرض منها إلا بما يتخلل بين الوجود و عوارضه الذاتية لكون موضوعها الموجود بما هو موجود. الفصل الثاني في انقسام كل من المواد الثلاث إلى ما بالذات و ما بالغير و ما بالقياس إلى الغير إلا الإمكان ينقسم كل من هذه المواد الثلاث إلى ما بالذات و ما بالغير و ما نهايةالحكمة، صفحة 49 بالقياس إلى الغير إلا الإمكان فلا إمكان بالغير و المراد بما بالذات أن يكون وضع الذات مع قطع النظر عن جميع ما عداه كافيا في اتصافه و بما بالغير أن لا يكفي فيه وضعه كذلك بل يتوقف على إعطاء الغير و اقتضائه و بما بالقياس إلى الغير أن يكون الاتصاف بالنظر إلى الغير على سبيل استدعائه الأعم من الاقتضاء فالوجوب بالذات كضرورة الوجود لذات الواجب تعالى لذاته بذاته و الوجوب بالغير كضرورة وجود الممكن التي تلحقه من ناحية علته التامة و الامتناع بالذات كضرورة العدم للمحالات الذاتية التي لا تقبل الوجود لذاتها المفروضة كاجتماع النقيضين و ارتفاعهما و سلب الشي‏ء عن نفسه و الامتناع بالغير كضرورة عدم الممكن التي تلحقه من ناحية عدم علته و الإمكان بالذات كون الشي‏ء في حد ذاته مع قطع النظر عن جميع ما عداه مسلوبة عنه ضرورة الوجود و ضرورة العدم و أما الإمكان بالغير فممتنع كما تقدمت الإشارة إليه و ذلك لأنه لو لحق الشي‏ء إمكان بالغير من علة مقتضية من خارج لكان الشي‏ء في حد نفسه مع قطع النظر عما عداه إما واجبا بالذات أو ممتنعا بالذات أو ممكنا بالذات لما تقدم أن القسمة إلى الثلاثة حاصرة و على الأولين يلزم الانقلاب بلحوق الإمكان له من خارج و على الثالث أعني كونه ممكنا بالذات فإما أن يكون بحيث لو فرضنا ارتفاع العلة الخارجة بقي الشي‏ء على ما كان عليه من الإمكان فلا تأثير للغير فيه لاستواء وجوده و عدمه و قد فرض مؤثرا هذا خلف و إن لم يبق على إمكانه لم يكن ممكنا بالذات و قد فرض كذلك هذا خلف هذا لو كان ما بالذات و ما بالغير إمكانا واحدا هو بالذات و بالغير معا و لو فرض كونه إمكانين اثنين بالذات و بالغير كان لشي‏ء واحد من حيثية نهايةالحكمة، صفحة 50 واحدة إمكانان لوجود واحد و هو واضح الفساد كتحقق وجودين لشي‏ء واحد و أيضا في فرض الإمكان بالغير فرض العلة الخارجة الموجبة للإمكان و هو في معنى ارتفاع النقيضين لأن الغير الذي يفيد الإمكان الذي هو لا ضرورة الوجود و العدم لا يفيده إلا برفع العلة الموجبة للوجود و رفع العلة الموجبة للعدم التي هي عدم العلة الموجبة للوجود فإفادتها الإمكان لا تتم إلا برفعها وجود العلة الموجبة للوجود و عدمها معا و فيه ارتفاع النقيضين و الوجوب بالقياس إلى الغير كوجوب العلة إذا قيست إلى معلولها باستدعاء منه فإنه بوجوده يأبى إلا أن تكون علته موجودة و كوجوب المعلول إذا قيس إلى علته التامة باقتضاء منها فإنها بوجودها تأبى إلا أن يكون معلولها موجودا و كوجوب أحد المتضائفين إذا قيس إلى وجود الآخر و الضابط فيه أن تكون بين المقيس و المقيس إليه علية و معلولية أو يكونا معلولي علة واحدة إذ لو لا رابطة العلية بينهما لم يتوقف أحدهما على الآخر فلم يجب عند ثبوت أحدهما ثبوت الآخر و الامتناع بالقياس إلى الغير كامتناع وجود العلة التامة إذا قيس إلى عدم المعلول بالاستدعاء و كامتناع وجود المعلول إذا قيس إلى عدم العلة بالاقتضاء و كامتناع وجود أحد المتضائفين إذا قيس إلى عدم الآخر و عدمه إذا قيس إلى وجود الآخر و الإمكان بالقياس إلى الغير حال الشي‏ء إذا قيس إلى ما لا يستدعي وجوده و لا عدمه و الضابط أن لا يكون بينهما علية و معلولية و لا معلوليتهما لواحد ثالث و لا إمكان بالقياس بين موجودين لأن الشي‏ء المقيس إما واجب بالذات مقيس إلى ممكن أو بالعكس و بينهما علية و معلولية و إما ممكن مقيس إلى ممكن آخر و هما ينتهيان إلى الواجب بالذات نهايةالحكمة، صفحة 51 نعم للواجب بالذات إمكان بالقياس إذا قيس إلى واجب آخر مفروض أو إلى معلولاته من خلقه حيث ليس بينهما علية و معلولية و لا هما معلولان لواحد ثالث و نظير الواجبين بالذات المفروضين الممتنعان بالذات إذا قيس أحدهما إلى الآخر أو إلى ما يستلزمه الآخر و كذا الإمكان بالقياس بين الواجب بالذات و الممكن المعدوم لعدم بعض شرائط وجوده فإنه معلول انعدام علته التامة التي يصير الواجب بالذات على الفرض جزءا من أجزائها غير موجب للممكن المفروض فللواجب بالذات إمكان بالقياس إليه و بالعكس و قد تبين بما مر أولا أن الواجب بالذات لا يكون واجبا بالغير و لا ممتنعا بالغير و كذا الممتنع بالذات لا يكون ممتنعا بالغير و لا واجبا بالغير و يتبين به أن كل واجب بالغير فهو ممكن و كذا كل ممتنع بالغير فهو ممكن و ثانيا أنه لو فرض واجبان بالذات لم يكن بينهما علاقة لزومية و ذلك لأنها إنما تتحقق بين شيئين أحدهما علة للآخر أو هما معلولا علة ثالثة و لا سبيل للمعلولية إلى واجب بالذات. الفصل الثالث في أن واجب الوجود بالذات ماهيته إنيته واجب الوجود بالذات ماهيته إنيته بمعنى أن لا ماهية له وراء وجوده الخاص به و المسألة بينة بالعطف على ما تقدم من أن الإمكان لازم الماهية فكل ماهية فهي ممكنة و ينعكس إلى أن ما ليس بممكن فلا ماهية له فلا ماهية للواجب بالذات وراء وجوده الواجبي نهايةالحكمة، صفحة 52 و قد أقاموا عليه مع ذلك حججا أمتنها أنه لو كان للواجب بالذات ماهية وراء وجوده الخاص به كان وجوده زائدا عليها عرضيا لها و كل عرضي معلل فكان وجوده معلولا إما لماهيته أو لغيرها و الثاني و هو المعلولية للغير ينافي وجوب الوجود بالذات و الأول و هو معلوليته لماهيته تستوجب تقدم ماهيته على وجوده بالوجود لوجوب تقدم العلة على معلولها بالوجود بالضرورة فلو كان هذا الوجود المتقدم عين الوجود المتأخر لزم تقدم الشي‏ء على نفسه و هو محال و لو كان غيره لزم أن توجد ماهية واحدة بأكثر من وجود واحد و قد تقدمت استحالته على أنا ننقل الكلام إلى الوجود المتقدم فيتسلسل و اعترض عليه بأنه لم لا يجوز أن تكون ماهيته علة مقتضية لوجوده و هي متقدمة عليه تقدما بالماهية كما أن أجزاء الماهية علل قوامها و هي متقدمة عليها تقدما بالماهية لا بالوجود و دفع بأن الضرورة قائمة على توقف المعلول في نحو وجوده على وجود علته فتقدم العلة في نحو ثبوت المعلول غير أنه أشد فإن كان ثبوت المعلول ثبوتا خارجيا كان تقدم العلة عليه في الوجود الخارجي و إن كان ثبوتا ذهنيا فكذلك و إذ كان وجود الواجب لذاته حقيقيا خارجيا و كانت له ماهية هي علة موجبة لوجوده كان من الواجب أن تتقدم ماهيته عليه في الوجود الخارجي لا في الثبوت الماهوي فالمحذور على حاله حجة أخرى كل ماهية فإن العقل يجوز بالنظر إلى ذاتها أن يتحقق لها وراء ما وجد لها من الأفراد أفراد أخر إلى ما لا نهاية له فما لم يتحقق من فرد فلامتناعه بالغير إذ لو كان لامتناعه بذاته لم يتحقق منه فرد أصلا فإذا فرض هذا الذي له ماهية واجبا بالذات كانت ماهيته كلية لها وراء ما وجد من أفراده في الخارج أفراد معدومة جائزة الوجود بالنظر إلى نفس الماهية و إنما امتنعت بالغير و من المعلوم أن الامتناع بالغير لا يجامع الوجوب نهايةالحكمة، صفحة 53 بالذات و قد تقدم أن كل واجب بالغير و ممتنع بالغير فهو ممكن فإذن الواجب بالذات لا ماهية له وراء وجوده الخاص و اعترض عليه بأنه لم لا يجوز أن يكون للواجب بالذات حقيقة وجودية غير زائدة على ذاته بل هو عين ذاته ثم العقل يحلله إلى وجود و معروض له جزئي شخصي غير كلي هو ماهيته و دفع بأنه مبني على ما هو الحق من أن التشخص بالوجود لا غير و سيأتي في مباحث الماهية فقد تبين بما مر أن الواجب بالذات حقيقة وجودية لا ماهية لها تحدها هي بذاتها واجبة الوجود من دون حاجة إلى انضمام حيثية تعليلية أو تقييدية و هي الضرورة الأزلية و قد تقدم في المرحلة الأولى أن الوجود حقيقة عينية مشككة ذات مراتب مختلفة كل مرتبة من مراتبها تجد الكمال الوجودي الذي لما دونها و تقومه و تتقوم بما فوقها فاقدة بعض ما له من الكمال و هو النقص و الحاجة إلا المرتبة التي هي أعلى المراتب التي تجد كل كمال و لا تفقد شيئا منه و تقوم بها كل مرتبة و لا تقوم بشي‏ء وراء ذاتها فتنطبق الحقيقة الواجبية على القول بالتشكيك على المرتبة التي هي أعلى المراتب التي ليس وراءها مرتبة تحدها و لا في الوجود كمال تفقده و لا في ذاتها نقص أو عدم يشوبها و لا حاجة تقيدها و ما يلزمها من الصفات السلبية مرجعها إلى سلب السلب و انتفاء النقص و الحاجة و هو الإيجاب و بذلك يندفع وجوه من الاعتراض أوردوها على القول بنفي الماهية عن الواجب بالذات منها أن حقيقة الواجب بالذات لا تساوي حقيقة شي‏ء مما سواها لأن حقيقة غيره تقتضي الإمكان و حقيقته تنافيه و وجوده يساوي وجود الممكن في أنه وجود فحقيقته غير وجوده و إلا كان وجود كل ممكن واجبا و منها أنه لو كان وجود الواجب بالذات مجردا عن الماهية فحصول هذا نهايةالحكمة، صفحة 54 الوصف له إن كان لذاته كان وجود كل ممكن واجبا لاشتراك الوجود و هو محال و إن كان لغيره لزمت الحاجة إلى الغير و لازمه الإمكان و هو خلف و منها أن الواجب بالذات مبدأ للممكنات فعلى تجرده عن الماهية إن كانت مبدئيته لذاته لزم أن يكون كل وجود كذلك و لازمه كون كل ممكن علة لنفسه و لعلله و هو بين الاستحالة و إن كانت لوجوده مع قيد التجرد لزم تركب المبدإ الأول بل عدمه لكون أحد جزأيه و هو التجرد عدميا و إن كانت بشرط التجرد لزم جواز أن يكون كل وجود مبدأ لكل وجود إلا أن الحكم تخلف عنه لفقدان الشرط و هو التجرد و منها أن الواجب بذاته إن كان نفس الكون في الأعيان و هو الكون المطلق لزم كون كل موجود واجبا و إن كان هو الكون مع قيد التجرد عن الماهية لزم تركب الواجب مع أنه معنى عدمي لا يصلح أن يكون جزءا للواجب و إن كان هو الكون بشرط التجرد لم يكن الواجب بالذات واجبا بذاته و إن كان غير الكون في الأعيان فإن كان بدون الكون لزم أن لا يكون موجودا فلا يعقل وجود بدون الكون و إن كان الكون داخلا لزم التركب و التوالي المتقدمة كلها ظاهرة البطلان و إن كان الكون خارجا عنه فوجوده خارج عن حقيقته و هو المطلوب إلى غير ذلك من الاعتراضات و وجه اندفاعها أن المراد بالوجود المأخوذ فيها إما المفهوم العام البديهي و هو معنى عقلي اعتباري غير الوجود الواجبي الذي هو حقيقة عينية خاصة بالواجب و إما طبيعة كلية مشتركة متواطئة متساوية المصاديق فالوجود العيني حقيقة مشككة مختلفة المراتب أعلى مراتبها الوجود الخاص بالواجب بالذات و أيضا التجرد عن الماهية ليس وصفا عدميا بل هو في معنى نفي الحد الذي هو من سلب السلب الراجع إلى الإيجاب و قد تبين أيضا أن ضرورة الوجود للواجب بالذات ضرورة أزلية لا ذاتية نهايةالحكمة، صفحة 55 و لا وصفية فإن من الضرورة ما هي أزلية و هي ضرورة ثبوت المحمول للموضوع بذاته من دون أي قيد و شرط كقولنا الواجب موجود بالضرورة و منها ضرورة ذاتية و هي ضرورة ثبوت المحمول لذات الموضوع مع الوجود لا بالوجود سواء كان ذات الموضوع علة للمحمول كقولنا كل مثلث فإن زواياه الثلاث مساوية لقائمتين بالضرورة فإن ماهية المثلث علة للمساواة إذا كانت موجودة أو لم يكن ذات الموضوع علة لثبوت المحمول كقولنا كل إنسان إنسان بالضرورة أو حيوان أو ناطق بالضرورة فإن ضرورة ثبوت الشي‏ء لنفسه بمعنى عدم الانفكاك حال الوجود من دون أن يكون الذات علة لنفسه و منها ضرورة وصفية و هي ضرورة ثبوت المحمول للموضوع بوصفه مع الوجود لا بالوجود كقولنا كل كاتب متحرك الأصابع بالضرورة ما دام كاتبا و قد تقدمت إشارة إليها. الفصل الرابع في أن واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات قال صدر المتألهين ره المقصود من هذا أن واجب الوجود ليس فيه جهة إمكانية فإن كل ما يمكن له بالإمكان العام فهو واجب له و من فروع هذه الخاصة أنه ليس له حالة منتظرة فإن ذلك أصل يترتب عليه هذا الحكم و ليس هذا عينه كما زعمه كثير من الناس فإن ذلك هو نهايةالحكمة، صفحة 56 الذي يعد من خواص الواجب دون هذا لاتصاف المفارقات النورية به إذ لو كان للمفارق حالة منتظرة كمالية يمكن حصولها فيه لاستلزم تحقق الإمكان الاستعدادي فيه و الانفعال عن عالم الحركة و الأوضاع الجرمانية و ذلك يوجب تجسمه و تكدره مع كونه مجردا نوريا هذا خلف انتهى ج 1 ص 122 و الحجة فيه أنه لو كان للواجب بالذات المنزه عن الماهية بالنسبة إلى صفة كمالية من الكمالات الوجودية جهة إمكانية كانت ذاته في ذاته فاقدة لها مستقرا فيها عدمها فكانت مركبة من وجود و عدم و لازمه تركب الذات و لازم التركب الحاجة و لازم الحاجة الإمكان و المفروض وجوبه هذا خلف حجة أخرى أن ذات الواجب بالذات لو لم تكن كافية في وجوب شي‏ء من الصفات الكمالية التي يمكن أن تتصف بها كانت محتاجة فيه إلى الغير و حينئذ لو اعتبرنا الذات الواجبة بالذات في نفسها مع قطع النظر عن ذلك الغير وجودا و عدما فإن كانت واجبة مع وجود تلك الصفة لغت عليه ذلك الغير و قد فرض علة هذا خلف و إن كانت واجبة مع عدم تلك الصفة لزم الخلف أيضا و أورد عليها أن عدم اعتبار العلة بحسب اعتبار العقل لا ينافي تحققها في نفس الأمر كما أن اعتبار الماهية من حيث هي هي و خلوها بحسب هذا الاعتبار عن الوجود و العدم و العلة الموجبة لهما لا ينافي اتصافها في الخارج بأحدهما و حصول علته و رد بأنه قياس مع الفارق فإن حيثية الماهية من حيث هي غير حيثية الواقع فمن الجائز أن يعتبرها العقل و يقصر النظر إليها من حيث هي من دون ملاحظة غيرها من وجود و عدم و علتهما و هذا بخلاف الوجود العيني فإن حيثية ذاته عين حيثية الواقع و متن التحقق فلا يمكن اعتباره بدون اعتبار جميع ما يرتبط به من علة و شرط نهايةالحكمة، صفحة 57 و يمكن تقرير الحجة بوجه آخر و هو أن عدم كفاية الذات في وجوب صفة من صفاته الكمالية يستدعي حاجته في وجوبها إلى الغير فهو العلة الموجبة و لازمه أن يتصف الواجب بالذات بالوجوب الغيري و قد تقدمت استحالته و أورد على أصل المسألة بأنه منقوض بالنسب و الإضافات اللاحقة للذات الواجبية من قبل أفعاله المتعلقة بمعلولاته الممكنة الحادثة فإن النسب و الإضافات قائمة بأطرافها تابعة لها في الإمكان كالخلق و الرزق و الإحياء و الإماتة و غيرها و يندفع بأن هذه النسب و الإضافات و الصفات المأخوذة منها كما سيأتي بيانه معان منتزعة من مقام الفعل لا من مقام الذات نعم لوجود هذه النسب و الإضافات ارتباط واقعي به تعالى و الصفات المأخوذة منها للذات واجبة بوجوبها فكونه تعالى بحيث يخلق و كونه بحيث يرزق إلى غير ذلك صفات واجبة و مرجعها إلى الإضافة الإشراقية و سيأتي تفصيل القول فيه فيما سيأتي إن شاء الله تعالى و قد تبين بما مر أولا أن الوجود الواجبي وجود صرف لا ماهية له و لا عدم معه فله كل كمال في الوجود و ثانيا أنه واحد وحدة الصرافة و هي المسماة بالوحدة الحقة بمعنى أن كل ما فرضته ثانيا له امتاز عنه بالضرورة بشي‏ء من الكمال ليس فيه فتركبت الذات من وجود و عدم و خرجت عن محوضة الوجود و صرافته و قد فرض صرفا هذا خلف فهو في ذاته البحتة بحيث كلما فرضت له ثانيا عاد أولا و هذا هو المراد بقولهم إنه واحد لا بالعدد و ثالثا أنه بسيط لا جزء له لا عقلا و لا خارجا و إلا خرج عن صرافة الوجود و قد فرض صرفا هذا خلف نهايةالحكمة، صفحة 58 و رابعا أن ما انتزع عنه وجوبه هو بعينه ما انتزع عنه وجوده و لازمه أن كل صفة من صفاته و هي جميعا واجبة عين الصفة الأخرى و هي جميعا عين الذات المتعالية و خامسا أن الوجوب من شئون الوجود الواجبي كالوحدة غير خارج من ذاته و هو تأكد الوجود الذي مرجعه صراحة مناقضته لمطلق العدم و طرده له فيمتنع طرو العدم عليه و الوجود الإمكاني أيضا و إن كان مناقضا للعدم مطاردا له إلا أنه لما كان رابطا بالنسبة إلى علته التي هي الواجب بالذات بلا واسطة أو معها و هو قائم بها غير مستقل عنها بوجه لم يكن محكوما بحكم في نفسه إلا بانضمام علته إليه فهو واجب بإيجاب علته التي هي الواجب بالذات يأبى العدم و يطرده بانضمامها إليه. الفصل الخامس الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد و فيه بطلان القول بالأولوية قد تقدم أن الماهية في مرتبة ذاتها ليست إلا هي لا موجودة و لا معدومة و لا أي شي‏ء آخر مسلوبة عنها ضرورة الوجود و ضرورة العدم سلبا تحصيليا و هو الإمكان فهي عند العقل متساوية النسبة إلى الوجود و العدم فلا يرتاب العقل في أن تلبسها بواحد من الوجود و العدم لا يستند إليها لمكان استواء النسبة و لا أنه يحصل من غير سبب بل يتوقف على أمر وراء الماهية يخرجها من حد الاستواء و يرجح لها الوجود أو العدم و هو العلة و ليس ترجيح جانب الوجود بالعلة إلا بإيجاب الوجود إذ لو لا الإيجاب لم يتعين الوجود لها بل كانت جائزة الطرفين و لم ينقطع السؤال أنها لم صارت موجودة مع جواز نهايةالحكمة، صفحة 59 العدم لها فلا يتم من العلة إيجاد إلا بإيجاب الوجود للمعلول قبل ذلك و القول في علة العدم و إعطائها الامتناع للمعلول نظير القول في علة الوجود و إعطائها الوجوب فعلة الوجود لا تتم علة إلا إذا صارت موجبة و علة العدم لا تتم علة إلا إذا كانت بحيث تفيد امتناع معلولها فالشي‏ء ما لم يجب لم يوجد و ما لم يمتنع لم يعدم و أما قول بعضهم إن وجوب وجود المعلول يستلزم كون العلة على الإطلاق موجبة بفتح الجيم غير مختارة فيلزم كون الواجب تعالى موجبا في فعله غير مختار و هو محال فيدفعه أن هذا الوجوب الذي يتلبس به المعلول وجوب غيري و وجوب المعلول منتزع من وجوده لا يتعداه و من الممتنع أن يؤثر المعلول في وجود علته و هو مترتب عليه متأخر عنه قائم به و قد ظهر بما تقدم بطلان القول بالأولوية على أقسامها توضيحه أن قوما من المتكلمين زعما منهم أن القول باتصاف الممكن بالوجوب في ترجح أحد جانبي الوجود و العدم له يستلزم كون الواجب في مبدئيته للإيجاد فاعلا موجبا بفتح الجيم تعالى عن ذلك و تقدس ذهبوا إلى أن ترجح أحد الجانبين له بخروج الماهية عن حد الاستواء إلى أحد الجانبين بكون الوجود أولى له أو العدم أولى له من دون أن يبلغ أحد الجانبين فيخرج به من حد الإمكان فقد ترجح الموجود من الماهيات بكون الوجود أولى له من غير وجوب و المعدوم منها بكون العدم أولى له من غير وجوب و قد قسموا الأولوية إلى ذاتية تقتضيها الماهية بذاتها أو لا تنفك عنها و غير ذاتية تفيدها العلة الخارجة و كل من القسمين إما كافية في وقوع المعلول و إما غير كافية و نقل عن بعض القدماء أنهم اعتبروا أولوية الوجود في بعض نهايةالحكمة، صفحة 60 الموجودات و أثره أكثرية الوجود أو شدته و قوته أو كونه أقل شرطا للوقوع و اعتبروا أولوية العدم في بعض آخر و أثره أقلية الوجود أو ضعفه أو كونه أكثر شرطا للوقوع و نقل عن بعضهم اعتبارها في طرف العدم بالنسبة إلى طائفة من الموجودات فقط و نقل عن بعضهم اعتبار أولوية العدم بالنسبة إلى جميع الموجودات الممكنة لكون العدم أسهل وقوعا هذه أقوالهم على اختلافها و قد بان بما تقدم فساد القول بالأولوية من أصلها فإن حصول الأولوية في أحد جانبي الوجود و العدم لا ينقطع به جواز وقوع الطرف الآخر و السؤال في تعين الطرف الأولى مع جواز الطرف الآخر على حاله و إن ذهبت الأولويات إلى غير النهاية حتى ينتهي إلى ما يتعين به الطرف الأولي و ينقطع به جواز الطرف الآخر و هو الوجوب على أن في القول بالأولوية إبطالا لضرورة توقف الماهيات الممكنة في وجودها و عدمها على علة إذ يجوز عليه أن يقع الجانب المرجوح مع حصول الأولوية للجانب الآخر و حضور علته التامة و قد تقدم أن الجانب المرجوح الواقع يستحيل تحقق علته حينئذ فهو في وقوعه لا يتوقف على علة هذا خلف و لهم في رد هذه الأقوال وجوه أخر أوضحوا بها فسادها أغمضنا عن إيرادها بعد ظهور الحال بما تقدم و أما حديث استلزام الوجوب الغيري أعني وجوب المعلول بالعلة لكون العلة موجبة بفتح الجيم فواضح الفساد كما تقدم لأن هذا الوجوب انتزاع عقلي عن وجود المعلول غير زائد على وجوده و المعلول بتمام حقيقته أمر متفرع على علته قائم الذات بها متأخر عنها و ما شأنه هذا لا يعقل أن يؤثر في العلة و يفعل فيها و من فروع هذه المسألة أن القضايا التي جهتها الأولوية ليست ببرهانية نهايةالحكمة، صفحة 61 إذ لا جهة إلا الضرورة و الإمكان اللهم إلا أن يرجع المعنى إلى نوع من التشكيك تنبيه ما مر من وجوب الوجود للماهية وجوب بالغير سابق على وجودها منتزع عنه و هناك وجوب آخر لاحق يلحق الماهية الموجودة و يسمى الضرورة بشرط المحمول و ذلك أنه لو أمكن للماهية المتلبسة بالوجود ما دامت متلبسة أن يطرأها العدم الذي يقابله و يطرده لكان في ذلك إمكان اقتران النقيضين و هو محال و لازمه استحالة انفكاك الوجود عنها ما دام التلبس و من حيثه و ذلك وجوب الوجود من هذه الحيثية و نظير البيان يجري في الامتناع اللاحق للماهية المعدومة فالماهية الموجودة محفوفة بوجوبين و الماهية المعدومة محفوفة بامتناعين و ليعلم أن هذا الوجوب اللاحق وجوب بالغير كما أن الوجوب السابق كان بالغير و ذلك لمكان انتزاعه من وجود الماهية من حيث اتصاف الماهية به كما أن الوجوب السابق منتزع منه من حيث انتسابه إلى العلة الفياضة له. الفصل السادس في حاجة الممكن إلى العلة و أن علة حاجته إلى العلة هو الإمكان دون الحدوث حاجة الممكن أي توقفه في تلبسه بالوجود أو العدم إلى أمر وراء ماهيته نهايةالحكمة، صفحة 62 من الضروريات الأولية التي لا يتوقف التصديق بها على أزيد من تصور موضوعها و محمولها فإنا إذا تصورنا الماهية بما أنها ممكنة تستوي نسبتها إلى الوجود و العدم و توقف ترجح أحد الجانبين لها و تلبسها به على أمر وراء الماهية لم نلبث دون أن نصدق به فاتصاف الممكن بأحد الوصفين أعني الوجود و العدم متوقف على أمر وراء نفسه و نسميه العلة لا يرتاب فيه عقل سليم و أما تجويز اتصافه و هو ممكن مستوي النسبة إلى الطرفين بأحدهما لا لنفسه و لا لأمر وراء نفسه فخروج عن الفطرة الإنسانية و هل علة حاجته إلى العلة هو الإمكان أو الحدوث قال جمع من المتكلمين بالثاني و الحق هو الأول و به قالت الحكماء و استدلوا عليه بأن الماهية باعتبار وجودها ضرورية الوجود و باعتبار عدمها ضرورية العدم و هاتان ضرورتان بشرط المحمول و الضرورة مناط الغنى عن العلة و السبب و الحدوث هو كون وجود الشي‏ء بعد عدمه و إن شئت فقل هو ترتب إحدى الضرورتين على الأخرى و الضرورة كما عرفت مناط الغنى عن السبب فما لم تعتبر الماهية بإمكانها لم يرتفع الغنى و لم تتحقق الحاجة و لا تتحقق الحاجة إلا بعلتها و ليس لها إلا الإمكان حجة أخرى الحدوث و هو كون الوجود مسبوقا بالعدم صفة الوجود الخاص فهو مسبوق بوجود المعلول لتقدم الموصوف على الصفة و الوجود مسبوق بإيجاد العلة و الإيجاد مسبوق بوجوب المعلول و وجوبه مسبوق بإيجاب العلة على ما تقدم و إيجاب العلة مسبوق بحاجة المعلول و حاجة المعلول مسبوقة بإمكانه إذ لو لم يكن ممكنا لكان إما واجبا و إما ممتنعا و الوجوب و الامتناع مناط الغنى عن العلة فلو كان الحدوث علة للحاجة و العلة متقدمة على معلولها بالضرورة لكان متقدما على نفسه بمراتب و هو محال فالعلة هي الإمكان إذ لا يسبقها مما يصلح للعلية غيره و الحاجة تدور معه وجودا و عدما و الحجة تنفي كون الحدوث مما يتوقف عليه الحاجة بجميع احتمالاته من نهايةالحكمة، صفحة 63 كون الحدوث علة وحده و كون العلة هو الإمكان و الحدوث جميعا و كون الحدوث علة و الإمكان شرطا و كون الإمكان علة و الحدوث شرطا أو عدم الحدوث مانعا و قد استدلوا على نفي علية الإمكان وحده للحاجة بأنه لو كان علة الحاجة إلى العلة هو الإمكان من دون الحدوث جاز أن يوجد القديم الزماني و هو الذي لا يسبقه عدم زماني و هو محال فإنه لدوام وجوده لا سبيل للعدم إليه حتى يحتاج في رفعه إلى علة تفيض عليه الوجود فدوام الوجود يغنيه عن العلة و يدفعه أن موضوع الحاجة هو الماهية بما أنها ممكنة دون الماهية بما أنها موجودة و الماهية بوصف الإمكان محفوظة مع الوجود الدائم كما أنها محفوظة مع غيره فالماهية القديمة الوجود تحتاج إلى العلة بما هي ممكنة كالماهية الحادثة الوجود و الوجود الدائم مفاض عليها كالوجود الحادث و أما الماهية الموجودة بما أنها موجوده فلها الضرورة بشرط المحمول و الضرورة مناط الغنى عن العلة بمعنى أن الموجود بما أنها موجودة لا يحتاج إلى موجودية أخرى تطرأ عليه على أن مرادهم من الحدوث الذي اشترطوه في الحاجة الحدوث الزماني الذي هو كون الوجود مسبوقا بعدم زماني فما ذكروه منتقض بنفس الزمان إذ لا معنى لكون الزمان مسبوقا بعدم زماني مضافا إلى أن إثبات الزمان قبل كل ماهية إمكانية إثبات للحركة الراسمة للزمان و فيه إثبات متحرك تقوم به الحركة و فيه إثبات الجسم المتحرك و المادة و الصورة فكلما فرض وجود لماهية ممكنة كانت قبله قطعة زمان و كلما فرضت قطعة زمان كان عندها ماهية ممكنة فالزمان لا يسبقه عدم زماني و أجاب بعضهم عن النقض بأن الزمان أمر اعتباري وهمي لا بأس بنسبة القدم عليه إذ لا حقيقة له وراء الوهم و فيه أنه هدم لما بنوه من إسناد حاجة الممكن إلى حدوثه الزماني إذ نهايةالحكمة، صفحة 64 الحادث و القديم عليه واحد و أجاب آخرون بأن الزمان منتزع عن وجود الواجب تعالى فهو من صقع المبدإ تعالى لا بأس بقدمه و رد بأن الزمان متغير بالذات و انتزاعه من ذات الواجب بالذات مستلزم لتطرق التغير على ذاته تعالى و تقدس و دفع ذلك بأن من الجائز أن لا يطابق المعنى المنتزع المصداق المنتزع منه من كل جهة فيباينه و فيه أن تجويز مباينة المفهوم المنتزع للمنتزع منه سفسطة إذ لو جاز مباينة المفهوم للمصداق لانهدم بنيان التصديق العلمي من أصله تنبيه قد تقدم في مباحث العدم أن العدم بطلان محض لا شيئية له و لا تمايز فيه غير أن العقل ربما يضيفه إلى الوجود فيحصل له ثبوت ما ذهني و حظ ما من الوجود فيتميز بذلك عدم من عدم كعدم البصر المتميز من عدم السمع و عدم الإنسان المتميز من عدم الفرس فيرتب العقل عليه ما يراه من الأحكام الضرورية و مرجعها بالحقيقة تثبيت ما يحاذيها من أحكام الوجود و من هذا القبيل حكم العقل بحاجة الماهية الممكنة في تلبسها بالعدم إلى علة هي عدم علة الوجود فالعقل إذا تصور الماهية من حيث هي الخالية من التحصل و اللاتحصل ثم قاس إليها الوجود و العدم وجد بالضرورة إن تحصلها بالوجود متوقف على علة موجودة و يستتبعه أن علة وجودها لو لم توجد لم توجد الماهية المعلولة فيتم الحكم بأن الماهية الممكنة لإمكانها تحتاج في اتصافها بشي‏ء من الوجود و العدم إلى مرجح يرجح ذلك و مرجح الوجود وجود العلة و مرجح العدم عدمها أي لو انتفت العلة الموجدة لم توجد الماهية نهايةالحكمة، صفحة 65 المعلولة و حقيقته أن وجود الماهية الممكنة متوقف على وجود علتها. الفصل السابع الممكن محتاج إلى العلة بقاء كما أنه محتاج إليها حدوثا و ذلك لأن علة حاجته إلى العلة هي إمكانه اللازم لماهيته كما تقدم بيانه و الماهية محفوظة معه بقاء كما أنها محفوظة معه حدوثا فله حاجة إلى العلة الفياضة لوجوده حدوثا و بقاء و هو المطلوب حجة أخرى الهوية العينية لكل شي‏ء هو وجوده الخاص به و الماهية اعتبارية منتزعة منه كما تقدم بيانه و وجود الممكن المعلول وجود رابط متعلق الذات بعلته متقوم بها لا استقلال له دونها لا ينسلخ عن هذا الشأن كما سيجي‏ء بيانه إن شاء الله فحاله في الحاجة إلى العلة حدوثا و بقاء واحد و الحاجة ملازمة له و الفرق بين الحجتين أن الأولى تثبت المطلوب من طريق الإمكان الماهوي بمعنى استواء نسبة الماهية إلى الوجود و العدم و الثانية من طريق الإمكان الوجودي بمعنى الفقر الوجودي المتقوم بغنى العلة الفصل الثامن في بعض أحكام الممتنع بالذات لما كان الامتناع بالذات هو ضرورة العدم بالنظر إلى ذات الشي‏ء المفروضة كان مقابلا للوجوب بالذات الذي هو ضرورة الوجود بالنظر إلى ذات الشي‏ء العينية يجري فيه من الأحكام ما يقابل أحكام الوجوب الذاتي نهايةالحكمة، صفحة 66 قال في الأسفار بعد كلام له في أن العقل كما لا يقدر أن يتعقل حقيقة الواجب بالذات لغاية مجده و عدم تناهي عظمته و كبريائه كذلك لا يقدر أن يتصور الممتنع بالذات بما هو ممتنع بالذات لغاية نقصه و محوضة بطلانه و لا شيئيته و كما تحقق أن الواجب بالذات لا يكون واجبا بغيره فكذلك الممتنع بالذات لا يكون ممتنعا بغيره بمثل ذلك البيان و كما لا يكون لشي‏ء واحد وجوبان بذاته و بغيره أو بذاته فقط أو بغيره فقط فلا يكون لأمر واحد امتناعان كذلك فإذن قد استبان أن الموصوف بما بالغير من الوجوب و الامتناع ممكن بالذات و ما يستلزم الممتنع بالذات فهو ممتنع لا محالة من جهة بها يستلزم الممتنع و إن كانت له جهة أخرى إمكانية لكن ليس الاستلزام للممتنع إلا من الجهة الامتناعية مثلا كون الجسم غير متناهي الأبعاد يستلزم ممتنعا بالذات هو كون المحصور غير محصور الذي مرجعه إلى كون الشي‏ء غير نفسه مع كونه عين نفسه فأحدهما محال بالذات و الآخر محال بالغير فلا محالة يكون ممكنا باعتبار غير اعتبار علاقته مع الممتنع بالذات على قياس ما علمت في استلزام الشي‏ء للواجب بالذات فإنه ليس من جهة ماهيته الإمكانية بل من جهة وجوب وجوده الإمكاني و بالجملة فكما أن الاستلزام في الوجود بين الشيئين لا بد له من علاقة علية و معلولية بين المتلازمين فكذلك الاستلزام في العدم و الامتناع بين شيئين لا ينفك عن تعلق ارتباطي بينهما و كما أن الواجبين لو فرضنا لم يكونا متلازمين بل متصاحبين بحسب البخت و الاتفاق كذلك التلازم الاصطلاحي لا يكون بين ممتنعين بالذات بل بين ممتنع بالذات و ممتنع بالغير و هو لا محالة ممكن بالذات كما مر و بهذا يفرق الشرطي اللزومي عن الشرطي الاتفاقي فإن الأول يحكم نهايةالحكمة، صفحة 67 فيه بصدق التالي وضعا و رفعا على تقدير صدق المقدم وضعا و رفعا لعلاقة ذاتية بينهما و الثاني يحكم فيه كذلك من غير علاقة لزومية بل بمجرد الموافاة الاتفاقية بين المقدم و التالي فما فشا عند عامة الجدليين في أثناء المناظرة عند فرض أمر مستحيل ليتوصل به إلى استحالة أمر من الأمور بالبيان الخلفي أو الاستقامي أن يقال إن مفروضك مستحيل فجاز أن يستلزم نقيض ما ادعيت استلزامه إياه لكون المحال قد يلزم منه محال آخر واضح الفساد فإن المحال لا يستلزم أي محال كان بل محالا إذا قدر وجودهما يكون بينهما تعلق سببي و مسببي انتهى ج 1 ص 236 فإن قيل الممتنع بالذات ليس إلا ما يفترضه العقل و يخبر عنه بأنه ممتنع بالذات فما معنى عدم قدرته على تعقله قيل إن المراد بذلك أن لا حقيقة عينية له حتى يتعلق به علم حتى أن الذي نفرضه ممتنعا بالذات و نحكم عليه بذلك ممتنع بالذات بالحمل الأولي محكوم عليه بالامتناع و صورة علمية ممكنة موجودة بالحمل الشائع و هذا نظير ما يقال في دفع التناقض المتراءى في قولنا المعدوم المطلق لا يخبر عنه حيث يدل على نفي الإخبار عن المعدوم المطلق و هو بعينه إخبار عنه إن نفي الإخبار عن المعدوم المطلق بالحمل الشائع إذ لا شيئية له حتى يخبر عنه بشي‏ء و هذا بعينه إخبار عن المعدوم المطلق بالحمل الأولي الذي هو موجود ممكن ذهني و إن قيل إن الذي ذكر أن الممتنعين بالذات ليس بينهما إلا الصحابة الاتفاقية ممنوع لأن المعاني التي يثبت العقل امتناعها على الواجب بالذات كالشريك و الماهية و التركيب و غير ذلك يجب أن تكون صفات له ممتنعة عليه بالذات إذ لو كانت ممتنعة بالغير كانت ممكنة له بالذات كما تقدم و لا صفة إمكانية فيه تعالى لما بين أن الواجب الوجود بالذات واجب الوجود من نهايةالحكمة، صفحة 68 جميع الجهات ثم الحجج القائمة على نفي هذه الصفات الممتنعة على ما أشير إليه في أول الكتاب براهين إنية تسلك من طريق الملازمات العامة فللنتائج و هي امتناع هذه الصفات علاقة لزومية مع المقدمات فهي جميعا معلولة لما وراءها ممتنعة بغيرها و قد بين أنها ممتنعة بذاتها هذا خلف أجيب عنه بأن الصفات الممتنعة التي تنفيها البراهين الإنية عن الواجب بالذات مرجعها جميعا إلى نفي الوجوب الذاتي الذي هو عين الواجب بالذات فهي واحدة بحسب المصداق المفروض لها و إن تكثرت مفهوما كما أن الصفات الثبوتية التي للواجب بالذات هي عين الوجود البحت الواجبي مصداقا و إن كانت متكثرة مفهوما فعدم الانفكاك بين هذه الصفات و السلوك البرهاني من بعضها إلى بعض لمكان وحدتها بحسب المصداق المفروض و إن كان في صورة التلازم بينها بحسب المفهوم كما أن الأمر في الصفات الثبوتية كذلك و يعبر عنه بأن الصفات الذاتية كالوجوب الذاتي مثلا بالذات و باقتضاء من الذات و لا اقتضاء و لا علية بين الشي‏ء و نفسه و هذا معنى ما قيل إن الدليل على وجود الحق المبدع إنما يكون بنحو من البيان الشبيه بالبرهان اللمي فامتناع الماهية التي سلكنا إلى بيانه من طريق امتناع الإمكان عليه تعالى مثلا هو و امتناع الإمكان يرجعان إلى بطلان الوجوب الذاتي الممتنع عليه تعالى و قد استحضره العقل بعرض الوجوب الذاتي المنتزع عن عين الذات و اعلم أنه كما يمتنع الملازمة بين ممتنعين بالذات كذلك يمتنع استلزام الممكن لممتنع بالذات فإن جواز تحقق الملزوم الممكن مع امتناع اللازم بالذات و قد فرضت بينهما ملازمة يستلزم تحقق الملزوم مع عدم اللازم و فيه نفي الملازمة هذا خلف نهايةالحكمة، صفحة 69 و قد أورد عليه بأن عدم المعلول الأول و هو ممكن يستلزم عدم الواجب بالذات و هو ممتنع بالذات فمن الجائز أن يستلزم الممكن ممتنعا بالذات كما أن من الجائز عكس ذلك كاستلزام عدم الواجب عدم المعلول الأول و يدفعه أن المراد بالممكن هو الماهية المتساوية النسبة إلى جانبي الوجود و العدم و من المعلوم أنه لا ارتباط لذاتها بشي‏ء وراء ذاتها الثابتة لذاتها بالحمل الأولي فماهية المعلول الأول لا ارتباط بينها و بين الواجب بالذات نعم وجودها مرتبط بوجوده واجب بوجوبه و عدمها مرتبط عقلا بعدمه ممتنع بامتناع عدمه و ليس شي‏ء منهما ممكنا بمعنى المتساوي النسبة إلى الوجود و العدم و أما عدهم وجود الممكن ممكنا فالإمكان فيه بمعنى الفقر و التعلق الذاتي لوجود الماهية بوجود العلة دون الإمكان بمعنى استواء النسبة إلى الوجود و العدم ففي الإشكال مغالطة بوضع الإمكان الوجودي موضع الإمكان الماهوي خاتمة قد اتضح من الأبحاث السابقة أن الوجوب و الإمكان و الامتناع كيفيات للنسب في القضايا لا تخلو عن واحد منها قضية و أن الوجوب و الإمكان أمران وجوديان لمطابقة القضايا الموجهة بهما بما أنها موجهة بهما للخارج مطابقة تامة فهما موجودان في الخارج لكن بوجود موضوعهما لا بوجود منحاز مستقل فهما من الشئون الوجودية الموجودة لمطلق الموجود كالوحدة و الكثرة و الحدوث و القدم و سائر المعاني الفلسفية المبحوث عنها في الفلسفة بمعنى كون الاتصاف بها في الخارج و عروضها في الذهن و هي المسماة بالمعقولات الثانية الفلسفية نهايةالحكمة، صفحة 70 و أما الامتناع فهو أمر عدمي هذا كله بالنظر إلى اعتبار العقل الماهيات و المفاهيم موضوعات للأحكام و أما بالنظر إلى كون الوجود العيني هو الموضوع لها بالحقيقة لأصالته فالوجوب نهاية شدة الوجود الملازم لقيامه بذاته و استقلاله بنفسه و الإمكان فقره في نفسه و تعلقه بغيره بحيث لا يستقل عنه بذاته كما في وجود الماهيات الممكنة فهما شأنان قائمان بالوجود غير خارجين عنه. نهايةالحكمة، صفحة 71 المرحلة الخامسة في الماهية و أحكامها و فيها سبعة فصول نهايةالحكمة، صفحة 72 الفصل الأول في أن الماهية في حد ذاتها لا موجودة و لا لا موجودة الماهية و هي ما يقال في جواب ما هو لما كانت من حيث هي و بالنظر إلى ذاتها في حد ذاتها لا تأبى أن تتصف بأنها موجودة أو معدومة كانت في حد ذاتها لا موجودة و لا موجودة بمعنى أن الموجود و اللاموجود ليس شي‏ء منهما مأخوذا في حد ذاتها بأن يكون عينها أو جزءها و إن كانت لا تخلو عن الاتصاف بأحدهما في نفس الأمر بنحو الاتصاف بصفة خارجة عن الذات و بعبارة أخرى الماهية بحسب الحمل الأولي ليست بموجودة و لا لاموجودة و إن كانت بحسب الحمل الشائع إما موجودة و إما لا موجودة و هذا هو المراد بقولهم إن ارتفاع الوجود و العدم عن الماهية من حيث هي من ارتفاع النقيضين عن المرتبة و ليس ذلك بمستحيل و إنما المستحيل ارتفاعهما عن الواقع مطلقا و بجميع مراتبه يعنون به أن نقيض الوجود المأخوذ في حد الذات ليس هو العدم المأخوذ في حد الذات بل عدم الوجود المأخوذ في حد الذات بأن يكون حد الذات و هو المرتبة قيدا للوجود لا للعدم أي رفع المقيد دون الرفع المقيد و لذا قالوا إذا سئل عن الماهية من حيث هي بطرفي النقيضين كان من الواجب أن يجاب بسلب الطرفين مع تقديم السلب على الحيثية حتى يفيد سلب المقيد دون السلب المقيد فإذا سئل هل الماهية من حيث هي موجودة نهايةالحكمة، صفحة 73 أو ليست بموجودة فالجواب ليست الماهية من حيث هي بموجودة و لا لاموجودة ليفيد أن شيئا من الوجود و العدم غير مأخوذ في حد ذات الماهية و نظير الوجود و العدم في خروجهما عن الماهية من حيث هي سائر المعاني المتقابلة التي في قوة النقيضين حتى ما عدوه من لوازم الماهيات فليست الماهية من حيث هي لا واحدة و لا كثيرة و لا كلية و لا جزئية و لا غير ذلك من المتقابلات و ليست الأربعة من حيث هي زوجا و لا فردا. الفصل الثاني في اعتبارات الماهية للماهية بالنسبة إلى ما يقارنها من الخصوصيات اعتبارات ثلاث و هي أخذها بشرط شي‏ء و أخذها بشرط لا و أخذها لا بشرط و القسمة حاصرة أما الأول فأن تؤخذ الماهية بما هي مقارنة لما يلحق بها من الخصوصيات فتصدق على المجموع كأخذ ماهية الإنسان بشرط كونها مع خصوصيات زيد فتصدق عليه و أما الثاني فأن تؤخذ وحدها و هذا على وجهين أحدهما أن يقصر النظر في ذاتها مع قطر النظر عما عداها و هذا هو المراد بشرط لا في مباحث الماهية و الآخر أن تؤخذ وحدها بحيث لو قارنها أي مقارن مفروض كان زائدا عليها غير داخل فيها فتكون موضوعة للمقارن المفروض غير محمولة عليه و أما الثالث فأن لا يشترط معها شي‏ء من المقارنة و اللامقارنة بل تؤخذ مطلقة من غير تقييد بنفي أو إثبات و تسمى الماهية بشرط شي‏ء مخلوطة و البشرط لا مجردة و اللابشرط نهايةالحكمة، صفحة 74 مطلقة و المقسم للأقسام الثلاث الماهية و هي الكلي الطبيعي و تسمى اللابشرط المقسمي و هي موجودة في الخارج لوجود بعض أقسامها فيه كالمخلوطة و الموجود من الكلي في كل فرد غير الموجود منه في فرد آخر بالعدد و لو كان الموجود منه في الأفراد الخارجية واحدا بالعدد كان الواحد كثيرا بعينه و هو محال و كان الواحد متصفا بصفات متقابلة و هو محال و هذا معنى قولهم إن نسبة الماهية إلى أفرادها كنسبة الآباء الكثيرين إلى أولادهم لا كنسبة الأب الواحد إلى أولاده الكثيرين فالماهية كثيرة في الخارج بكثرة أفرادها نعم هي بوصف الكلية و الاشتراك واحدة موجودة في الذهن كما سيأتي. الفصل الثالث في الكلي و الجزئي لا ريب أن الماهية الكثيرة الأفراد تصدق على كل واحد من أفرادها و تحمل عليه بمعنى أن الماهية التي في الذهن كلما ورد فيه فرد من أفرادها و عرض عليها اتحدت معه و كانت هي هو و هذه الخاصة هي المسماة بالكلية و هي المراد باشتراك الأفراد في الماهية فالعقل لا يمتنع من تجويز صدق الماهية على كثيرين بالنظر إلى نفسها سواء كانت ذات أفراد كثيرين في الخارج أم لا فالكلية خاصة ذهنية تعرض الماهية في الذهن إذ الوجود الخارجي العيني مساوق للشخصية مانع عن الاشتراك فالكلية من لوازم الوجود نهايةالحكمة، صفحة 75 الذهني للماهية كما أن الجزئية و الشخصية من لوازم الوجود الخارجي فما قيل إن الكلية و الجزئية في نحو الإدراك بمعنى أن الحس لقوة إدراكه ينال الشي‏ء نيلا كاملا بحيث يمتاز عما سواه مطلقا و يتشخص و العقل لضعف إدراكه يناله نيلا هينا يتردد ما ناله بين أمور و يقبل الانطباق على كثيرين كالشبح المرئي من بعيد بحيث لا يتميز كل التميز فيتردد بين أن يكون مثلا هو زيدا أو عمرا أو خشبة منصوبة أو غير ذلك و ليس إلا واحدا من المحتملات و كالدرهم الممسوح المردد بين الدراهم المختلفة و ليس إلا واحدا منها فاسد إذ لو كان الأمر كذلك لم يكن مصداق الماهية في الحقيقة إلا واحدا من الأفراد و لكذبت القضايا الكلية كقولنا كل ممكن فله علة و كل أربعة زوج و كل كثير فإنه مؤلف من آحاد و الضرورة تدفعه فالحق أن الكلية و الجزئية لازمان لوجود الماهيات فالكلية لوجودها الذهني و الجزئية لوجودها الخارجي و كذا ما قيل إن الماهية الموجودة في الذهن جزئية شخصية كالماهية الموجودة في الخارج فإنها موجودة في ذهن خاص قائمة بنفس جزئية فالماهية الإنسانية الموجودة في ذهن زيد مثلا غير الماهية الإنسانية الموجودة في ذهن عمرو و الموجودة منها في ذهن زيد اليوم غير الموجودة في ذهنه بالأمس و هكذا فاسد فإن الماهية المعقولة من الحيثية المذكورة أعني كونها قائمة بنفس جزئية ناعتة لها و كذا كونها كيفية من الكيفيات النفسانية و كمالا لها هي من الموجودات الخارجية الخارجة من بحثنا و كلامنا في الماهية بوجودها الذهني الذي لا يترتب عليها فيه آثارها الخارجية و هي من هذه الجهة لا تأبى الصدق على كثيرين. ثم إن الأشياء المشتركة في معنى كلي يتميز بعضها من بعض بأحد أمور نهايةالحكمة، صفحة 76 ثلاثة فإنها إن اشتركت في عرضي خارج من الذات فقط تميزت بتمام الذات كالنوعين من مقولتين من المقولات العرضية المشتركين في العرضية و إن اشتركت في ذاتي فإن كان في بعض الذات و لا محالة هو الجنس تميزت ببعض آخر و هو الفصل كالإنسان و الفرس المشتركين في الحيوانية المتميزين بالنطق و الصهيل و إن كان في تمام الذات تميزت بعرضي مفارق إذ لو كان لازما لم يخل عنه فرد فلازم النوع لازم لجميع أفراده و زاد بعضهم على هذه الأقسام الثلاثة قسما رابعا و هو التميز بالتمام و النقص و الشدة و الضعف في نفس الطبيعة المشتركة و هو التشكيك و الحق أن الماهية بما أنها هي لا تقبل التشكيك و إنما التشكيك في الوجود هذا كله في الكلية و أنها خاصة ذهنية للماهية و أما الجزئية و هي امتناع الشركة في الشي‏ء و تسمى الشخصية فالحق أنها بالوجود كما ذهب إليه الفارابي ره و تبعه صدر المتألهين ره قال في الأسفار و الحق أن تشخص الشي‏ء بمعنى كونه ممتنع الشركة فيه بحسب نفس تصوره إنما يكون بأمر زائد على الماهية مانع بحسب ذاته من تصور الاشتراك فيه فالمشخص للشي‏ء بمعنى ما به يصير ممتنع الاشتراك فيه لا يكون بالحقيقة إلا نفس وجود ذلك الشي‏ء كما ذهب إليه المعلم الثاني فإن كل وجود متشخص بنفس ذاته و إذا قطع النظر عن نحو الوجود الخاص للشي‏ء فالعقل لا يأبى عن تجويز الاشتراك فيه و إن ضم إليه ألف مخصص فإن الامتياز في الواقع غير التشخص إذ الأول للشي‏ء بالقياس إلى المشاركات في أمر عام و الثاني باعتباره في نفسه حتى أنه لو لم يكن له مشارك لا يحتاج إلى مميز زائد مع أن له تشخصا في نفسه و لا يبعد أن يكون التميز يوجب للشي‏ء استعداد التشخص فإن النوع المادي المنتشر ما لم تكن المادة متخصصة الاستعداد لواحد منه لا يفيض وجوده عن المبدإ الأعلى انتهى ج 2 ص 10 و يتبين به أولا أن الأعراض المشخصة التي أسندوا التشخيص إليها نهايةالحكمة، صفحة 77 و هي عامة الأعراض كما هو ظاهر كلام بعضهم و خصوص الوضع و متى و أين كما صرح به بعض آخر و خصوص الزمان كما قال به آخرون و كذا ما قيل إنه المادة أمارات للتشخص و من لوازمه و ثانيا أن قول بعضهم إن المشخص للشي‏ء هو فاعله القريب المفيض لوجوده و كذا قول بعضهم إن المشخص هو فاعل الكل و هو الواجب تعالى الفياض لكل وجود و كذا قول بعضهم إن تشخص العرض بموضوعه لا يخلو عن استقامة غير أنه من الإسناد إلى السبب البعيد و السبب القريب الذي يستند إليه التشخص هو نفس وجود الشي‏ء إذ الوجود العيني للشي‏ء بما هو وجود عيني يمتنع وقوع الشركة فيه فهو المتشخص بذاته و الماهية متشخصة به و للفاعل أو الموضوع دخل في التشخص من جهة أنهما من علل الوجود لكن أقرب الأسباب هو وجود نفس الشي‏ء كما عرفت و ثالثا أن جزئية المعلوم المحسوس ليس من قبل نفسه بما أنه مفهوم ذهني بل من قبل الاتصال الحسي بالخارج و علم الإنسان بأنه نوع تأثر له من العين الخارجي و كذا جزئية الصورة الخيالية من قبل الاتصال بالحس كما إذا أحضر صورة خيالية مخزونة عنده من جهة الحس أو ركب مما عنده من الصور الحسية المخزونة صورة فرد خيالي فافهم. الفصل الرابع في الذاتي و العرضي المفاهيم المعتبرة في الماهيات و هي التي تؤخذ في حدودها و ترتفع الماهيات بارتفاعها تسمى ذاتيات و ما سوى ذلك مما يحمل عليها و هي خارجة من الحدود كالكاتب من الإنسان و الماشي من الحيوان تسمى نهايةالحكمة، صفحة 78 عرضيات و العرضي قسمان فإنه إن توقف انتزاعه و حمله على انضمام كتوقف انتزاع الحار و حمله على الجسم على انضمام الحرارة إليه سمي محمولا بالضميمة و إن لم يتوقف على انضمام شي‏ء إلى الموضوع سمي الخارج المحمول كالعالي و السافل هذا هو المشهور و قد تقدم أن العرض من مراتب وجود الجوهر و يتميز الذاتي من غير الذاتي بخواصه التي هي لوازم ذاتيته و هي كونه ضروري الثبوت لذي الذاتي لضرورية ثبوت الشي‏ء لنفسه و كونه غنيا عن السبب فالسبب الموجد لذي الذاتي هو السبب الموجد للذاتي لمكان العينية و كونه متقدما على ذي الذاتي تقدما بالتجوهر كما سيجي‏ء إن شاء الله و قد ظهر مما تقدم أن الحمل بين الذات و بين أجزائه الذاتية حمل أولي و به يندفع الإشكال في تقدم أجزاء الماهية عليها بأن مجموع الأجزاء عين الكل فتقدم المجموع على الكل تقدم الشي‏ء على نفسه و هو محال و ذلك أن الذاتي سواء كان أعم و هو الجنس أو أخص و هو الفصل عين الذات و الحمل بينهما أولي و إنما سمي جزءا لوقوعه جزءا من الحد على أن إشكال تقدم الأجزاء على الكل مدفوع بأن التقدم للأجزاء بالأسر على الكل و بين الاعتبارين تغاير. الفصل الخامس في الجنس و الفصل و النوع و بعض ما يلحق بذلك الماهية التامة التي لها آثار خاصة حقيقية تسمى من حيث هي كذلك نهايةالحكمة، صفحة 79 نوعا كالإنسان و الفرس و الغنم و قد بين في المنطق أن من المعاني الذاتية للأنواع الواقعة في حدودها ما يشترك فيه أكثر من نوع واحد كالحيوان الذي يشترك فيه الإنسان و الفرس و غيرهما كما أن منها ما يختص بنوع واحد كالناطق المختص بالإنسان و يسمى الجزء المشترك فيه جنسا و الجزء المختص فصلا و ينقسم الجنس و الفصل إلى قريب و بعيد و أيضا ينقسم الجنس و النوع إلى عال و متوسط و سافل كل ذلك مبين في محله ثم إنا إذا أخذنا معنى الحيوان الموجود في أكثر من نوع واحد مثلا و عقلناه بأنه الجوهر الجسم النامي الحساس المتحرك بالإرادة جاز أن نعقله وحده بحيث يكون كل ما يقارنه من المعاني كالناطق زائدا عليه خارجا من ذاته و يكون ما عقلناه من المعنى مغايرا للمجموع منه و من المقارن غير محمول عليه كما أنه غير محمول على المقارن فالمفهوم المعقول من الحيوان غير مفهوم الحيوان الناطق و غير مفهوم الناطق كان المعنى المعقول على هذا الوجه مادة بالنسبة إلى المعنى الزائد المقارن و علة مادية بالنسبة إلى المجموع منه و من المقارن و جاز أن نعقله مقيسا إلى عدة من الأنواع التي تشترك فيه كأن نعقل معنى الحيوان المذكور آنفا مثلا بأنه الحيوان الذي هو إما إنسان و إما فرس و إما غنم و إما غير ذلك من أنواع الحيوان فيكون المعنى المعقول على هذا النحو ماهية ناقصة غير محصلة حتى ينضم إليها الفصل المختص بأحد تلك الأنواع فيحصلها ماهية تامة فتكون ذلك النوع بعينه كأن ينضم فصل الإنسان مثلا و هو الناطق إلى الحيوان فيكون هو الحيوان الناطق بعينه و هو نوع الإنسان و يسمى الذاتي المشترك فيه المأخوذ بهذا الاعتبار جنسا و الذي يحصله فصلا و الاعتباران المذكوران الجاريان في الجزء المشترك أعني أخذه بشرط لا و لا بشرط يجريان في الجزء المختص فيكون بالاعتبار الأول صورة للجزء الآخر المقارن و علة صورية للمجموع و لا يحمل على شي‏ء منها و بالاعتبار الثاني فصلا يحصل الجنس و يتمم النوع و يحمل عليه حملا أوليا نهايةالحكمة، صفحة 80 فقد تحصل أن الجزء الأعم في الماهيات و هو الجنس متقوم بالجزء الأخص الذي هو الفصل بحسب التحليل العقلي قال في الأسفار في كيفية تقوم الجنس بالفصل هذا التقويم ليس بحسب الخارج لاتحادهما في الوجود و المتحدان في ظرف لا يمكن تقوم أحدهما بالآخر وجودا بل بحسب تحليل العقل الماهية النوعية إلى جزءين عقليين و حكمه بعلية أحدهما للآخر ضرورة احتياج أجزاء ماهية واحدة بعضها إلى بعض و المحتاج إليه و العلة لا يكون إلا الجزء الفصلي لاستحالة أن يكون الجزء الجنسي علة لوجود الجزء الفصلي و إلا لكانت الفصول المتقابلة لازمة له فيكون الشي‏ء الواحد مختلفا متقابلا هذا ممتنع فبقي أن يكون الجزء الفصلي علة لوجود الجزء الجنسي و يكون مقسما للطبيعة الجنسية المطلقة و علة للقدر الذي هو حصة النوع و جزءا للمجموع الحاصل منه و مما يتميز به عن غيره انتهى ج 2 ص 30 29 فإن قيل إن الفصل إن كان علة لمطلق الجنس لم يكن مقسما له و إن كان علة للحصة التي في نوعه و هو المختص به فلا بد أن يفرض التخصص أولا حتى يكون الفصل علة له لكنه إذا تخصص دخل في الوجود و استغنى بذلك عن العلة قيل إن الخصوصية التي بها يصير الجنس المبهم حصة خاصة بالنوع من شئون تحصله الوجودي الجائي إليه من ناحية علته التي هي الفصل و العلة متقدمة بالوجود على معلولها فالتخصص حاصل بالفصل و به يقسم الجنس الفاقد له في نفسه و لا ضير في علية فصول متعددة لماهية واحدة جنسية لضعف وحدتها فإن قيل التحصل الذي يدخل به الجنس في الوجود هو تحصله بالوجود الفردي فما لم يتلبس بالوجود الخارجي لم يتم و لم يكن له شي‏ء من الشئون الوجودية فما معنى عد الفصل علة له نهايةالحكمة، صفحة 81 قيل المراد بتحصله بالفصل ثبوته التعقلي و كينونته ماهية تامة نوعية و الذي يكتسبه بالوجود الفردي هو تحقق الماهية التامة تحققا يترتب عليه الآثار الخارجية فالذي يفيده الفصل هو تحصل الماهية المبهمة الجنسية و صيرورتها ماهية نوعية تامة و الذي يفيده الوجود الفردي هو تحصل الماهية التامة و صيرورتها حقيقة خارجية يترتب عليها الآثار فتبين بما مر أولا أن الجنس هو النوع مبهما و الفصل هو النوع محصلا و النوع هو الماهية التامة من غير نظر إلى إبهام أو تحصل و ثانيا أن كلا من الجنس و الفصل محمول على النوع حملا أوليا و أما النسبة بين الجنس و الفصل أنفسهما فالجنس عرض عام للفصل و الفصل خاصة للجنس و الحمل بينهما حمل شائع و ثالثا أن من الممتنع تحقق أكثر من جنس واحد في مرتبة واحدة في ماهية نوعية واحدة و كذا تحقق أكثر من فصل واحد في مرتبة واحدة في ماهية نوعية واحدة لاستلزامه كون الواحد بعينه كثيرا و هو محال و رابعا أن الجنس و المادة متحدان ذاتا و مختلفان اعتبارا فالمادة إذا أخذت لا بشرط كانت جنسا و الجنس إذا أخذ بشرط لا كان مادة و كذلك الفصل و الصورة متحدان ذاتا و مختلفان اعتبارا فالفصل بشرط لا صورة كما أن الصورة لا بشرط فصل و هذا في الجواهر المادية المركبة ظاهر فإن المادة و الصورة موجودتان فيها خارجا فيؤخذ منهما معنى المادة و الصورة ثم يؤخذان لا بشرط فيكونان جنسا و فصلا و أما الأعراض فهي بسائط خارجية غير مركبة من مادة و صورة فما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز لكن العقل يجد فيها مشتركات و مختصات فيعتبرها أجناسا و فصولا لها ثم يعتبرها بشرط لا فتعود مواد و صورا عقلية لها نهايةالحكمة، صفحة 82 و الأمر في الجواهر المجردة أيضا على هذه الوتيرة. الفصل السادس في بعض ما يرجع إلى الفصل يستعمل لفظ الفصل في كلماتهم في معنيين أحدهما أخص اللوازم التي يعرض النوع و أعرفها و هو إنما يعد فصلا و يوضع في الحدود موضع الفصول الحقيقية لصعوبة الحصول على الفصول الحقيقية التي تقوم الأنواع أو لعدم وجود اسم دال عليها بالمطابقة في اللغة كالناطق المأخوذ فصلا للإنسان فإن المراد بالنطق إما التكلم و هو بوجه من الكيفيات المسموعة و إما إدراك الكليات و هو عندهم من الكيفيات النفسانية و الكيفية كيفما كانت من الأعراض و الأعراض لا تقوم الجواهر و يسمى فصلا منطقيا و الثاني ما يقوم النوع و يحصل الجنس حقيقة و هو مبدأ الفصل المنطقي ككون الإنسان ذا نفس ناطقة فصلا للنوع الإنساني و يسمى فصلا اشتقاقيا ثم إن الفصل الأخير تمام حقيقة النوع لأنه محصل الجنس الذي يحصله و يتممه نوعا فما أخذ في أجناسه و فصوله الأخر على وجه الإبهام مأخوذ فيه على وجه التحصيل و يتفرع عليه أن نوعية النوع محفوظة بالفصل و لو تبدلت بعض أجناسه و لذا لو تجردت صورته التي هي الفصل بشرط لا عن المادة التي هي الجنس بشرط لا في المركبات المادية كالإنسان تتجرد نفسه فتفارق البدن كانت حقيقة النوع محفوظة بالصورة ثم إن الفصل غير مندرج تحت جنسه الذي يحصله بمعنى أن الجنس غير نهايةالحكمة، صفحة 83 مأخوذ في حده أخذ الجنس في النوع ففصول الجواهر ليست بجواهر و ذلك لأنه لو اندرج تحت جنسه افتقر إلى فصل يقومه و ننقل الكلام إلى فصله و يتسلسل بترتب فصول غير متناهية و تحقق أنواع غير متناهية في كل فصل و يتكرر الجنس بعدد الفصول و صريح العقل يدفعه على أن النسبة بين الجنس و الفصل تنقلب إلى العينية و يكون الحمل بينهما حملا أوليا و يبطل كون الجنس عرضا عاما للفصل و الفصل خاصة للجنس و لا ينافي ذلك وقوع الحمل بين الجنس و فصله المقسم كقولنا كل ناطق حيوان و بعض الحيوان ناطق لأنه حمل شائع بين الخاصة و العرض العام كما تقدمت الإشارة إليه و الذي نفيناه هو الحمل الأولي فالجوهر مثلا صادق على فصوله المقسمة له من غير أن تندرج تحته فيكون جزءا من ماهيتها فإن قلت ما تقدم من عدم دخول فصل النوع تحت جنسه ينافي قولهم في تقسيم الجوهر على العقل و النفس و الهيولى و الصورة الجسمية و الجسم بكون الصورة الجسمية و النفس نوعين من الجوهر و لازم كون الشي‏ء نوعا من مقولة اندراجه و دخوله تحتها و من المعلوم أن الصورة الجسمية هي فصل الجسم مأخوذا بشرط لا ففي كونه نوعا من الجوهر دخول الفصل الجوهري تحت جنس الجوهر و أخذ الجوهر في حده و نظير البيان جار في عدهم النفس نوعا من الجوهر على أنهم بينوا بالبرهان أن النفس الإنسانية جوهر مجرد باق بعد مفارقة البدن و النفس الناطقة صورة الإنسان و هي بعينها مأخوذة لا بشرط فصل للماهية الإنسانية قلت يختلف حكم المفاهيم باختلاف الاعتبار العقلي الذي يطرؤها و قد تقدم في بحث الوجود لنفسه و لغيره أن الوجود في نفسه هو الذي ينتزع عنه ماهية الشي‏ء و أما اعتبار وجوده لشي‏ء فلا ينتزع عنه ماهية و إن كان وجوده لغيره عين وجوده في نفسه و الفصل مفهوم مضاف إلى الجنس حيثيته نهايةالحكمة، صفحة 84 أنه مميز ذاتي للنوع وجوده للجنس فلا ماهية له من حيث إنه فصل و هذا معنى قولهم إن لازم كون الجنس عرضا عاما للفصل و الفصل خاصة له أن ليست فصول الجواهر جواهر بمعنى كونها مندرجة تحت معنى الجواهر اندراج الأنواع تحت جنسها بل كاندراج الملزومات تحت لازمها الذي لا يدخل في ماهيتها و أما الصورة من حيث إنها صورة مقومة للمادة فحيث كانت بشرط لا بالنسبة إلى المادة لم يكن بينهما حمل أولي فلا اندراج لها تحت الجنس و إلا كانت نوعا بينه و بين الجنس عينية و حمل أولي هذا خلف و إن كان بينها و بين المادة حمل شائع بناء على التركيب الاتحادي بين المادة و الصورة نعم لما كانت الصورة تمام ماهية النوع كما عرفوها بأنها ما به الشي‏ء هو هو بالفعل كانت فصول الجواهر جواهر لأنها عين حقيقة النوع و فعليته لكن لا يستوجب ذلك دخولها تحت جنس الجوهر بحيث يكون الجوهر مأخوذا في حدها بينه و بينها حمل أولي فتبين بما تقدم أن الفصول بما أنها فصول بسائط غير مركبة من الجنس و الفصل ممحضة في أنها مميزات ذاتية و كذلك الصور المادية التي هي في ذاتها مادية موجودة للمادة بسائط في الخارج غير مركبة من المادة و الصورة و بسائط في العقل غير مركبة من الجنس و الفصل و إلا كانت الواحدة منها أنواعا متسلسلة كما تقدمت الإشارة إليها و أما النفس المجردة فهي باعتبار أنها فصل للنوع حيثيتها حيثية الوجود الناعتي و قد عرفت أن لا ماهية للوجود الناعتي و أما من حيث تجردها في ذاتها فإن تجردها مصحح وجودها لنفسها كما أنها موجودة في نفسها و هي تمام حقيقة النوع فيصدق عليه الجوهر فتكون هي النوع الجوهري الذي كانت جزءا صوريا له و ليست بصورة و لا ينافيه كون وجودها للمادة أيضا فإن هذا التعلق إنما هو في مقام الفعل دون الذات فهي مادية في فعلها لا في ذاتها نهايةالحكمة، صفحة 85 هذا على القول بكون النفس المجردة روحانية الحدوث و البقاء كما عليه المشاءون و أما على القول بكونها جسمانية الحدوث روحانية البقاء فهي تتجرد في ذاتها أولا و هي بعد متعلقة بالمادة فعلا ثم تتجرد عنها في فعلها أيضا بمفارقة البدن. الفصل السابع في بعض أحكام النوع النوع هو الماهية التامة التي لها في الوجود آثار خاصة و ينقسم إلى ما لا يتوقف في ترتب آثاره عليه إلا على الوجود الخارجي الذي يشخصه فردا كالإنسان مثلا و يسمى النوع الحقيقي و إلى ما يتوقف في ترتب آثاره عليه على لحوق فصل أو فصول به فيكون جنسا بالنسبة إلى أنواع دونه و إن كان نوعا بالنظر إلى تمام ماهيته كالأنواع العالية و المتوسطة كالجسم الذي هو نوع من الجوهر عال ثم هو جنس للأنواع النباتية و الجمادية و الحيوان الذي هو نوع متوسط من الجوهر و جنس للإنسان و سائر الأنواع الحيوانية و يسمى النوع الإضافي ثم إن الماهية النوعية توجد أجزاؤها في الخارج بوجود واحد هو وجود النوع لأن الحمل بين كل منها و بين النوع حمل أولي و النوع موجود بوجود واحد و أما في الذهن فبينها تغاير بالإبهام و التحصل و لذلك كان كل من الجنس و الفصل عرضيا للآخر كما تقدم و من هنا ما ذكروا أنه لا بد في المركبات الحقيقية و هي الأنواع المادية أن يكون بين أجزائها فقر و حاجة من بعضها إلى بعض حتى ترتبط و تتحد حقيقة واحدة و قد عدوا المسألة ضرورية نهايةالحكمة، صفحة 86 و يمتاز المركب الحقيقي من غيره بالوحدة الحقيقية و ذلك بأن يحصل من تألف الأجزاء أمر آخر وراءها له أثر جديد خاص وراء آثار الأجزاء لا مثل المركبات الاعتبارية التي لا أثر لها وراء آثار الأجزاء كالعسكر المركب من أفراد و البيت المركب من اللبن و الجص و غيرهما و من هنا يترجح القول بأن التركيب بين المادة و الصورة تركيب اتحادي لا انضمامي كما سيأتي إن شاء الله ثم إن الماهيات النوعية منها ما هو كثير الأفراد كالأنواع التي لها تعلق ما بالمادة كالعنصر و كالإنسان و منها ما هو منحصر في فرد كالنوع المجرد عن المادة ذاتا و فعلا و هو العقل و ذلك أن الكثرة إما أن تكون تمام ذات الماهية النوعية أو بعضها أو خارجة منها لازمة أو مفارقة و على التقادير الثلاثة الأول يمتنع أن يتحقق لها فرد إذ كل ما فرض فردا لها وجب كونه كثيرا و كل كثير مؤلف من آحاد و كل واحد مفروض يجب أن يكون كثيرا و كل كثير فإنه مؤلف من آحاد و هكذا فيذهب الأمر إلى غير النهاية و لا ينتهي إلى واحد فلا يتحقق الواحد فلا يتحقق لها فرد و قد فرض كثير الأفراد هذا خلف و على التقدير الرابع كانت الكثرة بعرض مفارق يعرض النوع تتحقق بانضمامه إليه و عدم انضمامه الكثرة و كل عرض مفارق يتوقف عروضه على سبق إمكان حامله المادة فيكون النوع ماديا بالضرورة فكل نوع كثير الأفراد فهو مادي و ينعكس بعكس النقيض إلى أن كل نوع مجرد فهو منحصر في فرد و هو المطلوب. نهايةالحكمة، صفحة 87 المرحلة السادسة في المقولات العشر و هي الأجناس العالية التي إليها تنتهي الماهيات بالتحليل و فيها واحد و عشرون فصلا نهايةالحكمة، صفحة 88 الفصل الأول في المقولات و عددها لا ريب أن للموجود الممكن ماهية هي ذاته التي تستوي نسبتها إلى الوجود و العدم و هي ما يقال في جواب ما هو و أن في هذه الماهيات مشتركات و مختصات أعني الأجناس و الفصول و أن في الأجناس ما هو أعم و ما هو أخص أي أنها قد تترتب متصاعدة من أخص إلى أعم فلا محالة تنتهي السلسلة إلى جنس لا جنس فوقها لاستحالة ذهابها إلى غير النهاية المستلزم لتركب ذات الممكن من أجزاء غير متناهية فلا يمكن تعقل شي‏ء من هذه الماهيات بتمام ذاتياتها على أن هذه الأجناس باعتبار أخذها بشرط لا مواد خارجية أو عقلية و المادة من علل القوام و هي متناهية كما سيأتي إن شاء الله تعالى فتحصل أن هناك أجناسا عالية ليس فوقها جنس و هي المسماة بالمقولات و من هنا يظهر أولا أن المقولات بسائط غير مركبة من جنس و فصل و إلا كان هناك جنس أعلى منها هذا خلف و ثانيا أنها متباينة بتمام ذواتها البسيطة و إلا كان بينها مشترك ذاتي و هو الجنس فكان فوقها جنس هذا خلف نهايةالحكمة، صفحة 89 و ثالثا أن الماهية الواحدة لا تندرج تحت أكثر من مقولة واحدة فلا يكون شي‏ء واحد جوهرا و كما معا و لا كما و كيفا معا و هكذا و يتفرع عليه أن كل معنى يوجد في أكثر من مقولة واحدة فهو غير داخل تحت المقولة إذ لو دخل تحت ما يصدق عليه لكان مجنسا بجنسين متباينين أو أجناس متباينة و هو محال و مثله ما يصدق من المفاهيم على الواجب و الممكن جميعا و قد تقدمت الإشارة إلى ذلك و رابعا أن الماهيات البسيطة كالفصول الجوهرية مثلا و كالنوع المفرد إن كان خارجة عن المقولات و قد تقدم في مرحلة الماهية و خامسا أن الواجب و الممتنع خارجان عن المقولات إذ لا ماهية لهما و المقولات ماهيات جنسية ثم إن جمهور المشائين على أن المقولات عشر و هي الجوهر و الكم و الكيف و الوضع و أين و متى و الجدة و الإضافة و أن يفعل و أن ينفعل و المعول فيما ذكروه على الاستقراء و لم يقم برهان على أن ليس فوقها مقولة هي أعم من الجميع أو أعم من البعض و أما مفهوم الماهية و الشي‏ء و الموجود و أمثالها الصادقة على العشر جميعا و مفهوم العرض و الهيئة و الحال الصادقة على التسع غير الجوهر و الهيئة النسبية الصادقة على السبع الأخيرة المسماة بالأعراض النسبية فهي مفاهيم عامة منتزعة من نحو وجودها خارجة من سنخ الماهية فماهية الشي‏ء هو ذاته المقول عليه في جواب ما هو و لا هوية إلا للشي‏ء الموجود و شيئية الشي‏ء موجود فلا شيئية لما ليس بموجود و عرضية الشي‏ء كون وجوده قائما بالغير و قريب منه كونه هيئة و حالا و نسبية الشي‏ء كون وجوده في غيره غير خارج من وجود الغير فهذه مفاهيم منتزعة من نحو الوجود محمولة على أكثر من مقولة واحدة فليست من المقولات كما تقدم و عن بعضهم أن المقولات أربع بإرجاع المقولات النسبية إلى مقولة واحدة فهي الجوهر و الكم و الكيف و النسبة نهايةالحكمة، صفحة 90 و يدفعه ما تقدم أن النسبة مفهوم غير ماهوي منتزع من نحو الوجود و لو كفى مجرد عموم المفهوم في جعله مقولة فليرد المقولات إلى مقولتين الجوهر و العرض لصدق مفهوم العرض على غير الجوهر من المقولات بل إلى مقولة واحدة هي الماهية أو الشي‏ء و عن شيخ الإشراق أن المقولات خمس الجوهر و الكم و الكيف و النسبة و الحركة و يرد عليه ما يرد على سابقه مضافا إلى أن الحركة أيضا مفهوم منتزع من نحو الوجود و هو الوجود السيال غير القار الثابت فلا مساغ لدخولها في المقولات. الفصل الثاني في تعريف الجوهر و أنه جنس لما تحته من الماهيات تنقسم الماهية انقساما أوليا إلى الماهية التي إذا وجدت في الخارج وجدت لا في موضوع مستغن عنها و هي ماهية الجوهر و إلى الماهية التي إذا وجدت في الخارج وجدت في موضوع مستغن عنها و هي المقولات التسع العرضية فالجوهر ماهية إذا وجدت في الخارج وجدت لا في موضوع مستغن عنها و هذا تعريف بوصف لازم للوجود من غير أن يكون حدا مؤلفا من الجنس و الفصل إذ لا معنى لذلك في جنس عال كما أن تعريف العرض بالماهية التي إذا وجدت في الخارج وجدت في موضوع مستغن عنها تعريف بوصف لازم لوجود المقولات التسع العرضية و ليس من الحد في شي‏ء و التعريف تعريف جامع مانع و إن لم يكن حدا فقولنا ماهية يشمل عامة الماهيات و يخرج به الواجب بالذات حيث كان وجودا صرفا نهايةالحكمة، صفحة 91 لا ماهية له و تقييد الماهية بقولنا إذا وجدت في الخارج للدلالة على أن التعريف لماهية الجوهر الذي هو جوهر بالحمل الشائع إذ لو لم يتحقق المفهوم بالوجود الخارجي لم يكن ماهية حقيقية لها آثارها الحقيقية و يخرج بذلك الجواهر الذهنية التي هي جواهر بالحمل الأولي عن التعريف فإن صدق المفهوم على نفسه حمل أولي لا يوجب اندراج المفهوم تحت نفسه و تقييد الموضوع بكونه مستغنيا عنها للإشارة إلى تعريف الموضوع بصفته اللازمة له و هو أن يكون قائما بنفسه أي موجودا لنفسه فالجوهر موجود لا في موضوع أي ليس وجوده لغيره كالأعراض بل لنفسه و أما ما قيل إن التقييد بالاستغناء لإدخال الصور الجوهرية الحالة في المادة في التعريف فإنها و إن وجدت في الموضوع لكن موضوعها غير مستغن عنها بل مفتقرة إليها ففيه أن الحق أن الصور الجوهرية ماهيات بسيطة غير مندرجة تحت مقولة الجوهر و لا مجنسة بجنس كما تقدمت الإشارة إليه في مرحلة الماهية و وجود القسمين أعني الجوهر و العرض في الخارج ضروري في الجملة فمن أنكر وجود الجوهر فقد قال بجوهرية الأعراض من حيث لا يشعر و من الأعراض ما لا ريب في عرضيته كالأعراض النسبية و الجوهر جنس لما يصدق عليه من الماهيات النوعية مقوم لها مأخوذ في حدودها لأن كون الماهيات العرضية مفتقرة في وجودها الخارجي إلى موضوع مستغن عنها يستلزم وجود ماهية هي في ذاتها موضوعة لها مستغنية عنها و إلا ذهبت سلسلة الافتقار إلى غير النهاية فلم تتقرر ماهية و هو ظاهر و أما ما استدل به على جنسية الجوهر لما تحته بأن كون وجود الجوهر لا في موضوع وصف واحد مشترك بين الماهيات الجوهرية حاصل لها على وجه اللزوم مع قطع النظر عن الأمور الخارجة فلو لم يكن الجوهر جنسا لها بل كان لازم وجودها و هي ماهيات متباينة بتمام الذات لزم انتزاع مفهوم نهايةالحكمة، صفحة 92 واحد من مصاديق كثيرة متباينة بما هي كذلك و هو محال فبين هذه الماهيات الكثيرة المتباينة جامع ماهوي واحد لازمه الوجودي كون وجودها لا في الموضوع ففيه أن الوصف المذكور معنى منتزع من سنخ وجود هذه الماهيات الجوهرية لا من الماهيات كما أن كون الوجود في الموضوع و هو وصف واحد لازم للمقولات التسع العرضية معنى واحد منتزع من سنخ وجود الأعراض جميعا فلو استلزم كون الوصف المنتزع من الجواهر معنى واحدا جامعا ماهويا واحدا في الماهيات الجوهرية لاستلزم كون الوصف المنتزع من المقولات العرضية معنى واحدا جامعا ماهويا واحدا في المقولات العرضية هو جنس لها و انتهت الماهيات إلى مقولتين هما الجوهر و العرض فالمعول في إثبات جنسية الجوهر لما تحته من الماهيات على ما تقدم من أن افتقار العرض إلى موضوع يقوم به يستلزم ماهية قائمة بنفسها و يتفرع على ما تقدم أن الشي‏ء الواحد لا يكون جوهرا و عرضا معا و ناهيك في ذلك أن الجوهر وجوده لا في موضوع و العرض وجوده في موضوع و الوصفان لا يجتمعان في شي‏ء واحد بالبداهة. الفصل الثالث في أقسام الجوهر الأولية قالوا إن الجوهر إما أن يكون في محل أو لا يكون فيه و الكائن في المحل نهايةالحكمة، صفحة 93 هو الصورة المادية و غير الكائن فيه إما أن يكون محلا لشي‏ء يقوم به أو لا يكون و الأول هو الهيولى و الثاني لا يخلو إما أن يكون مركبا من الهيولى و الصورة أو لا يكون و الأول هو الجسم و الثاني إما أن يكون ذا علاقة انفعالية بالجسم بوجه أو لا يكون و الأول هو النفس و الثاني هو العقل فأقسام الجوهر الأولية خمسة هي الصورة المادية و الهيولى و الجسم و النفس و العقل و ليس التقسيم عقليا دائرا بين النفي و الإثبات فإن الجوهر المركب من الجوهر الحال و الجوهر المحل ليس ينحصر بحسب الاحتمال العقلي في الجسم فمن الجائز أن يكون في الوجود جوهر مادي مركب من المادة و صورة غير الصورة الجسمية لكنهم قصروا النوع المادي الأول في الجسم تعويلا على استقرائهم على أنك قد عرفت أن الصورة الجوهرية ليست مندرجة تحت مقولة الجوهر و إن صدق عليها الجوهر صدق الخارج اللازم قال في الأسفار بعد الإشارة إلى التقسيم المذكور و الأجود في هذا التقسيم أن يقال الجوهر إن كان قابلا للأبعاد الثلاثة فهو الجسم و إلا فإن كان جزءا منه هو به بالفعل سواء كان في جنسه أو في نوعه فصورة إما امتدادية أو طبيعية أو جزء هو به بالقوة فمادة و إن لم يكن جزءا منه فإن كان متصرفا فيه بالمباشرة فنفس و إلا فعقل ثم قال مشيرا إلى وجه جودة هذا التقسيم و ذلك لما سيظهر من تضاعيف ما حققناه من كون الجوهر النفساني الإنساني مادة للصورة الإدراكية التي يتحصل بها جوهرا آخر كماليا بالفعل من الأنواع المحصلة التي يكون لها نحو آخر من الوجود غير الوجود الطبيعي الذي لهذه الأنواع المحصلة نهايةالحكمة، صفحة 94 الطبيعية انتهى ج 4 ص 234 و ما يرد على التقسيم السابق يرد على هذا التقسيم أيضا على أن عطف الصور الطبيعية و هي متأخرة عن نوعية الجسم على الصورة الامتدادية لا يلائم كون الانقسام أوليا و كيف كان فالذي يهمنا هاهنا أن نبحث عن حقيقة الجسم و جزئية المادة و الصورة الجسمية و أما النفس فاستيفاء البحث عنها في علم النفس و ستنكشف حقيقتها بعض الانكشاف في مرحلتي القوة و الفعل و العاقل و المعقول و أما العقل فيقع الكلام في حقيقته في الإلهيات بالمعنى الأخص و ستنكشف بعض الانكشاف في مرحلتي القوة و الفعل و العاقل و المعقول إن شاء الله تعالى. الفصل الرابع في ماهية الجسم لا ريب في وجود الجسم بمعنى الجوهر الذي يمكن أن يفرض فيه ثلاثة خطوط متقاطعة على زوايا قوائم و إن لم تكن موجودة فيه بالفعل كما في الكرة و الأسطوانة فحواسنا التي انتهى إليها علومنا و إن لم يكن فيها ما ينال الموجود الجوهري و إنما تدرك أحوال الأجسام و أوصافها العرضية لكن أنواع التجربات تهدينا هداية قاطعة إلى أن ما بين السطوح و النهايات من الأجسام مملوءة في الجملة غير خالية عن جوهر ذي امتداد في جهاته الثلاث و الذي يجده الحس من هذا الجوهر الممتد في جهاته الثلاث يجده متصلا واحدا يقبل القسمة إلى أجزاء بالفعل لا مجموعا من أجزاء بالفعل ذوات نهايةالحكمة، صفحة 95 فواصل هذا بحسب الحس و أما بحسب الحقيقة فاختلفوا فيه على أقوال أحدها أنه مركب من أجزاء ذوات أوضاع لا تتجزى و لا تنقسم أصلا لا خارجا و لا وهما و لا عقلا و هي متناهية و هو مذهب جمهور المتكلمين الثاني أنه مركب كما في القول الأول غير أن الأجزاء غير متناهية و نسب إلى النظام الثالث أنه مركب من أجزاء بالفعل متناهية صغار صلبة لا تقبل القسمة الخارجية لصغرها و صلابتها و لكن تقبل القسمة الوهمية و العقلية و نسب إلى ذيمقراطيس الرابع أنه متصل واحد كما في الحس و يقبل القسمة إلى أجزاء متناهية و نسب إلى الشهرستاني الخامس أنه جوهر بسيط هو الاتصال و الامتداد الجوهري الذي يقبل القسمة خارجا و وهما و عقلا و نسب إلى أفلاطون الإلهي السادس أنه مركب من جوهر و عرض و هما الجوهر و الجسمية التعليمية التي هي امتداد كمي في الجهات الثلاث و نسب إلى شيخ الإشراق السابع أنه جوهر مركب من جوهرين أحدهما المادة التي هي قوة كل فعلية و الثاني الاتصال الجوهري الذي هو صورتها و الصورة اتصال و امتداد جوهري يقبل القسمة إلى أجزاء غير متناهية بمعنى لا يقف فإن اختلاف العرضين يقسمه و كذا الآلة القطاعة تقسمه بالقطع حتى إذا أعيت لصغر الجزء أو صلابته أخذ الوهم في التقسيم حتى إذا عجز عنه لنهاية صغر الجزء أخذ العقل في تقسيمه على نحو كلي بأنه كلما قسم إلى أجزاء كان الجزء الجديد ذا حجم له جانب غير جانب يقبل القسمة من غير أن تقف فورود القسمة لا يعدم الجسم و هو قول أرسطو و الأساطين من حكماء الإسلام هذا ما بلغنا من أقوالهم في ماهية الجوهر المسمى بالجسم و في كل منها نهايةالحكمة، صفحة 96 وجه أو وجوه من الضعف نشير إليها بما تيسر أما القول الأول المنسوب إلى المتكلمين و هو أن الجسم مركب من أجزاء لا تتجزى أصلا تمر الآلة القطاعة على فواصل الأجزاء و هي متناهية تقبل الإشارة الحسية ففيه أن الجزء المفروض إن كان ذا حجم كان له جانب غير جانب بالضرورة فيجري فيه الانقسام العقلي و إن لم يمكن تقسيمه خارجا و لا وهما لنهاية صغره و إن لم يكن له حجم امتنع أن يحصل من اجتماعه مع غيره جسم ذو حجم و أيضا لنفرض جزءا لا يتجزى بين جزءين كذلك فإن كان يحجز عن مماسة الطرفين انقسم فإن كلا من الطرفين يلقى منه غير ما يلقاه الآخر و إن لم يحجز عن مماستهما استوى وجود الوسط و عدمه و مثله كل وسط مفروض فلم يحجب شي‏ء شيئا و هو ضروري البطلان و أيضا ليفرض جزء لا يتجزى فوق جزءين كذلك و على ملتقاهما فإن لقى بكله أو ببعضه كل كليهما تجزى و إن لقى بكله كل أحدهما فقط فليس على الملتقى و قد فرض عليه و إن لقى بكله أو ببعضه من كل منهما شيئا انقسم و انقسما جميعا و قد أوردوا في بطلان الجزء الذي لا يتجزى وجوها من البراهين و هي كثيرة مذكورة في كتبهم و أما القول الثاني المنسوب إلى النظام و هو أن الجسم مركب من أجزاء لا تتجزى غير متناهية فيرد عليه ما يرد على القول الأول مضافا إلى أن عدم تناهي الأجزاء على تقدير كونها ذوات حجم يوجب كون الجسم المتكون من اجتماعها غير متناهي الحجم بالضرورة و الضرورة تدفعه و أما القول الثالث المنسوب إلى ذيمقراطيس و هو أن الجسم مركب من أجزاء صغار صلبة لا تتجزى خارجا و إن جاز أن تتجزى وهما و عقلا ففيه أن هذه الأجزاء لا محالة جواهر ذوات حجم فتكون أجساما ذوات اتصال نهايةالحكمة، صفحة 97 جوهري تتألف منها الأجسام المحسوسة فالذي يثبته هذا القول أن هاهنا أجساما أولية هي مبادي هذه الأجسام المحسوسة على أن هذا القول لا يتبين به نفي الهيولى و إبطال تركب الجسم منها و من الصورة الجسمية و سيأتي إثباتها في الفصل التالي فيئول إلى إثبات الصورة الجسمية للأجسام الأولية التي هي مبادى‏ء هذه الأجسام المحسوسة و إليها تنتهي بالتجزئة و أما القول الرابع المنسوب إلى الشهرستاني و هو كون الجسم متصلا واحدا كما في الحس يقبل القسمة إلى أجزاء متناهية ففيه أن لازمه وقوف القسمة العقلية و هو ضروري البطلان و أما القول الخامس المنسوب إلى أفلاطون و هو كون الجسم جوهرا بسيطا و هو الاتصال الجوهري القابل للقسمة إلى غير النهاية ففيه منع كون الجسم بسيطا لما سيوافيك من إثبات الهيولى للجسم على أن في كون الاتصال الجوهري الذي للجسم هو ما يناله الحس من الأجسام المحسوسة كلاما سيأتي إن شاء الله و أما القول السادس المنسوب إلى شيخ الإشراق و هو كون الجسم مركبا من جوهر و عرض و هما المادة و الجسم التعليمي الذي هو من أنواع الكم المتصل ففيه أولا أن لا معنى لتقويم العرض للجوهر مع ما فيه من تألف ماهية حقيقية من مقولتين و هما الجوهر و الكم و المقولات متباينة بتمام الذات و ثانيا أن الكم عرض محتاج إلى الموضوع حيثما كان فهذا الامتداد المقداري الذي يتعين به طول الجسم و عرضه و عمقه كم محتاج إلى موضوع يحل فيه و لو لا أن في موضوعه اتصالا ما يقبل أن يوصف بالتعين لم يعرضه و لم يحل فيه فلو أخذنا مقدارا من شمعة و سويناها كرة ثم أسطوانيا ثم مخروطا ثم مكعبا و هكذا وجدنا الأشكال متغيرة متبدلة و للشمعة اتصال باق محفوظ في الأشكال المختلفة المتبدلة فهناك اتصالان اتصال مبهم غير نهايةالحكمة، صفحة 98 متعين في نفسه لولاه لم يكن شمعة و اتصال و امتداد متعين لو بطل لم يبطل به جسم الشمعة و الأول هو صورة الجسم و الثاني عرض يعرض الجسم و الانقسام يعرض الجسم من حيث عرضه هذا و أما من حيث اتصاله الذاتي المبهم فله إمكان أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة قال الشيخ في الشفاء فالجسمية بالحقيقة صورة الاتصال القابل لما قلناه من فرض الأبعاد الثلاثة و هذا المعنى غير المقدار و غير الجسمية التعليمية فإن هذا الجسم من حيث له هذه الصورة لا يخالف جسما آخر بأنه أكبر أو أصغر و لا يناسبه بأنه مساو أو معدود به أو عاد له أو مشارك أو مباين و إنما ذلك له من حيث هو مقدر و من حيث جزء منه يعده و هذا الاعتبار غير اعتبار الجسمية التي ذكرناها انتهى ص 64 و بالجملة فأخذ الامتداد الكمي العرضي في ماهية الجوهر على ما فيه من الفساد خلط بين الاتصال الجوهري و الامتداد العرضي الذي هو الجسم التعليمي و أما القول السابع المنسوب إلى أرسطو و هو تركب الجسم من الهيولى و الصورة الجسمية و هي الاتصال الجوهري على ما عند الحس و هو كون الشي‏ء بحيث يمكن أن يفرض فيه امتدادات ثلاثة متقاطعة على قوائم تقبل القسمة إلى أجزاء غير متناهية أما الهيولى فسيجي‏ء إثباتها و أما الصورة الجسمية التي هي الاتصال فقد تقدم توضيحه ففيه أن كون الجسم مركبا من مادة و اتصال جوهري يقبل القسمة إلى غير النهاية لا غبار عليه لكن لا حجة تدل على كون الجسم في اتصاله كما هو عليه عند الحس فخطأ الحس غير مأمون و قد اكتشف علماء الطبيعية أخيرا بعد تجارب دقيقة فنية أن الأجسام مؤلفة من أجزاء ذرية لا تخلو من جرم بينها من الفواصل أضعاف ما لأجرامها من الامتداد فلينطبق هذا القول على ما اكتشفوه من الأجسام الذرية التي نهايةالحكمة، صفحة 99 هي مبادى‏ء تكون الأجسام المحسوسة و ليكن وجود الجسم بهذا المعنى أصلا موضوعا لنا نعم لو سلم ما يقال إن المادة يعنون بها الأجسام الذرية الأول قابلة التبدل إلى الطاقة و أنها مجموعة من ذرات الطاقة المتراكمة كان من الواجب في البحث الحكمي أخذ الطاقة نوعا عاليا مترتبا على الجوهر قبل الجسم ثم ترتيب الأبحاث المتفرقة على ما يناسب هذا الوضع فليتأمّل. الفصل الخامس في ماهية المادة و إثبات وجودها لا ريب أن الجسم في أنه جوهر يمكن أن يفرض فيه الامتدادات الثلاثة أمر بالفعل و في أنه يمكن أن يوجد فيه كمالات أخر أولية مسماة بالصورة النوعية التي تكمل جوهره و كمالات ثانية من الأعراض الخارجة عن جوهره أمر بالقوة و حيثية الفعل غير حيثية القوة لما أن الفعل لا يتم إلا بالوجدان و القوة تلازم الفقدان فالذي يقبل من ذاته هذه الكمالات الأولى و الثانية الممكنة فيه و يتحد بها أمر غير صورته الاتصالية التي هو بها بالفعل فإن الاتصال الجوهري من حيث هو اتصال جوهري لا غير و أما حيثية قوة الكمالات اللاحقة و إمكانها فأمر خارج عن الاتصال المذكور مغاير له فللجسم وراء اتصاله الجوهري جزء آخر حيثية ذاته حيثية قبول الصور و الأعراض اللاحقة و هو الجزء المسمى بالهيولى و المادة فتبين أن الجسم جوهر مركب من جزءين جوهريين المادة التي إنيتها قبول الصور المتعلقة نوع تعلق بالجسم و الأعراض المتعلقة بها و الصورة الجسمية و أن المادة جوهر قابل للصور و الأعراض الجسمانية و أن الامتداد نهايةالحكمة، صفحة 100 الجوهري صورة لها لا يقال لا ريب أن الصور و الأعراض الحادثة اللاحقة بالأجسام يسبقها إمكان في المحل و استعداد و تهيؤ فيه لها و كلما قرب الممكن من الوقوع زاد الاستعداد اختصاصا و اشتد حتى إذا صار استعدادا تاما وجد الممكن بإفاضة من الفاعل فما المانع من إسناد القبول إلى الجسم أعني الاتصال الجوهري بواسطة قيام الاستعداد به عروضا من غير حاجة إلى استعداد و قبول جوهري نثبتها جزءا للجسم على أن القبول و الاستعداد مفهوم عرضي قائم بالغير فلا يصلح أن يكون حقيقة جوهرية على أن من الضروري أن الاستعداد يبطل مع تحقق المستعد له فلو كان هناك هيولى هي استعداد و قبول جوهري و جزء للجسم لبطلت بتحقق الممكن المستعد له و بطل الجسم ببطلان جزئه و انعدم بانعدامه و هو خلاف الضرورة فإنه يقال مغايرة الجسم بما أنه اتصال جوهري لا غير مع كل من الصور النوعية تأبى أن يكون موضوعا للقبول و الاستعداد لها بل يحتاج إلى أمر آخر لا يأبى أن يتحد مع كل من الصور اللاحقة فيكون في ذاته قابلا لكل منها و تكون الاستعدادات الخاصة التي تتوسط بينه و بين الصور الممكنة أنحاء تعينات القبول الذي له في ذاته فنسبة الاستعدادات المتفرقة المتعينة إلى الاستعداد المبهم الذي للمادة في ذاتها نسبة الأجسام التعليمية و الامتدادات المقدارية التي هي تعينات للامتداد و الاتصال الجوهري إلى الاتصال الجوهري و لو كان الجسم بما أنه اتصال جوهري هو الموضوع للاستعداد و الجسم من الحوادث التي يسبقها إمكان لكان حاملا لإمكان نفسه فكان متقدما على نفسه بالزمان و أما ما قيل إن المفهوم من القبول معنى عرضي قائم بالغير فلا معنى للقول نهايةالحكمة، صفحة 101 بكون المادة قبولا بذاته و هو كون القبول جوهرا فيدفعه أن البحث حقيقي و المتبع في الأبحاث الحقيقية البرهان دون الألفاظ بمفاهيمها اللغوية و معانيها العرفية و أما حديث بطلان الاستعداد بفعلية تحقق المستعد له المقوى عليه فلا ضير فيه فإن المادة هي في ذاتها قوة كل شي‏ء من غير تعين شي‏ء منها و تعين هذه القوة المستتبع لتعين المقوى عليه عرض موضوعه المادة و بفعلية الممكن المقوى عليه تبطل القوة المتعينة و الاستعداد الخاص و المادة على ما هي عليه من كونها قوة على الصور الممكنة و بالجملة إن كان مراد المستشكل بقوله إن الاستعداد يبطل بفعلية الممكن المستعد له هو مطلق الاستعداد الذي للمادة فممنوع و إن كان مراده هو الاستعداد الخاص الذي هو عرض قائم بالمادة فمسلم لكن بطلانه لا يوجب بطلان المادة لا يقال الحجة أعني السلوك إلى إثبات المادة بمغايرة القوة و الفعل منقوضة بالنفس الإنسانية فإنها بسيطة مجردة من المادة و لها آثار بالقوة كسنوح الإرادات و التصورات و غير ذلك فهي أمر بالفعل في ذاتها المجردة و بالقوة من حيث كمالاتها الثانية فإذا جاز كونها على بساطتها بالفعل و بالقوة معا فليجز في الجسم أن يكون متصفا بالفعلية و القوة من غير أن يكون مركبا من المادة و الصورة فإنه يقال النفس ليست مجردة تامة ذاتا و فعلا بل هي متعلقة بالمادة فعلا فلها الفعلية من حيث تجردها و القوة من حيث تعلقها بالمادة لا يقال الحجة منقوضة بالنفس الإنسانية من جهة أخرى و هو أنهم ذكروا و هو الحق أن النفس الإنسانية العقلية مادة للمعقولات المجردة و هي مجردة كلما تعقلت معقولا صارت هي هو فإنا نقول خروج النفس المجردة من القوة إلى الفعل باتحادها بعقل بعد نهايةالحكمة، صفحة 102 عقل ليس من باب الحركة المعروفة التي هي كمال أول لما بالقوة من حيث إنه بالقوة و إلا استلزم قوة و استعدادا و تغيرا و زمانا و كل ذلك ينافي التجرد الذي هو الفعلية التامة العارية من القوة بل المراد بكون النفس مادة للصور المعقولة اشتداد وجودها المجرد من غير تغير و زمان باتحادها بالمرتبة العقلية التي فوق مرتبة وجودها بإضافة المرتبة العالية و هي الشرط في إفاضة المرتبة التي هي فوق ما فوقها و بالجملة مادية النفس للصور المجردة المعقولة غير المادية بالمعنى الذي في عالم الأجسام نوعا و ناهيك في ذلك عدم وجود خواص المادة الجسمانية هناك لا يقال الحجة منقوضة بنفس المادة فإنها في نفسها جوهر موجود بالفعل و لها قوة قبول الأشياء فيلزم تركبها من صورة تكون بها بالفعل و مادة تكون بها بالقوة و ننقل الكلام إلى مادة المادة و هلم جرا فيتسلسل و بذلك يتبين أن الاشتمال على القوة و الفعل لا يستلزم تركبا في الجسم لأنه يقال كما أجاب عنه الشيخ إن المادة متضمنة للقوة و الفعل لكن قوتها عين فعليتها و فعليتها عين قوتها فهي في ذاتها محض قوة الأشياء لا فعلية لها إلا فعلية أنها قوة الأشياء لا يقال الحجة منقوضة بالعقل فإنه مؤثر فيما دونه متأثر عما فوقه ففيه جهتا فعل و انفعال فيلزم على قولكم تركبه من مادة و صورة حتى يفعل بالصورة و ينفعل بالمادة فإنه يقال إن الانفعال و القبول هناك غير الانفعال و القبول المبحوث عنه في الأجسام فانفعال العقل و قبوله الوجود مما فوقه ليس إلا مجرد وجوده الفائض عليه من غير سبق قوة و استعداد يقرب موضوعه من الفعلية و إنما العقل يفرض للعقل ماهية يعتبرها قابلة للوجود و العدم فيعتبر تلبسها بالوجود قبولا و انفعالا فالقبول كالانفعال مشترك بين المعنيين و الذي يستلزم نهايةالحكمة، صفحة 103 التركب هو القبول بمعنى الاستعداد و القوة السابقة دون القبول بمعنى فيضان الوجود فالعقل يفعل بعين ما يقبل و ينفعل به. الفصل السادس في أن المادة لا تفارق الجسمية و الجسمية لا تفارق المادة أي أن كل واحدة منها لا تفارق صاحبتها أما أن المادة لا تتعرى عن الصورة فلأنها في ذاتها و جوهرها قوة الأشياء لا نصيب لها من الفعلية إلا فعلية أنها لا فعلية لها و من الضروري أن الوجود يلازم الفعلية المقابلة للقوة فهي أعني المادة في وجودها مفتقرة إلى موجود فعلي محصل الوجود تتحد به فتحصل بتحصله و هو المسمى صورة و أيضا لو وجدت المادة مجردة عن الصورة لكان لها فعلية في وجودها و هي قوة الأشياء محضا و فيه اجتماع المتنافيين في ذات واحدة و هو محال ثم إن المادة لما كانت متقومة الوجود بوجود الصورة فللصورة جهة الفاعلية بالنسبة إليها غير أنها ليست تامة الفاعلية لتبدل الصور عليها و المعلول الواحد لا تكون لها إلا علة واحدة فللمادة فاعل أعلى وجودا من المادة و الماديات يفعل المادة و يحفظ وجودها باتحاد صورة عليها بعد صورة فالصورة شريكة العلة للمادة لا يقال المادة على ما قالوا واحدة بالعدد و صورة ما واحدة بالعموم و الواحد بالعدد أقوى وجودا من الواحد بالعموم فلازم علية صورة ما للمادة كون ما هو أقوى وجودا معلولا للأضعف وجودا و هو محال فإنه يقال إن المادة و إن كانت واحدة بالعدد لكن وحدتها مبهمة نهايةالحكمة، صفحة 104 ضعيفة لإبهام وجودها و كونها محض القوة و وحدة الصورة و هي شريكة العلة التي هي المفارق مستظهرة بوحدة المفارق فمثل إبقاء المفارق و حفظ المادة بصورة ما مثل السقف يحفظ من الانهدام بنصب دعامة بعد دعامة و سيأتي في مباحث الحركة الجوهرية إن شاء الله ما ينكشف به حقيقة الحال في كثرة هذه الصور المتعاقبة على المادة و قد تبين بما تقدم أن كل فعلية و تحصل تعرض المادة فإنما هي بفعلية الصورة لما أن تحصلها بتحصل الصورة و أن الصورة شريكة العلة للمادة و أن الصورة متقدمة على المادة وجودا و إن كانت المادة متقدمة عليها زمانا و أما أن الصورة الجسمية لا تتعرى عن المادة فلأن الجسم أيا ما كان لا يخلو عن عوارض مفارقة تتوارد عليه من أقسام الحركات و الكم و الكيف و الأين و الوضع و غيرها و كذلك الصور النوعية المتعاقبة عليه و هي جميعا تتوقف على إمكان و استعداد سابق لا حامل له إلا المادة فلا جسم إلا في مادة و أيضا الجسم بما أنه جوهر قابل للأبعاد الثلاثة طبيعة نوعية تامة واحدة و إن كانت تحته أنواع و ليس كمفهوم الجوهر الذي ليس له إلا أن يكون ماهية جنسية لا حكم له إلا حكم أنواعه المندرجة تحته فإذا كان طبيعة نوعية فهو بطبيعته و في ذاته إما أن يكون غنيا عن المادة غير مفتقر إليها أو مفتقرا إليها فإن كان غنيا بذاته استحال أن يحل المادة لأن الحلول عين الافتقار لكنا نجد بعض الأجسام حالا في المادة فليس بغنى عنها و إن كان مفتقرا إليها بذاته ثبت الافتقار و هو الحلول في كل جسم لا يقال لم لا يجوز أن يكون غنيا عنها بحسب ذاته و تعرضه المقارنة في بعض الأفراد لسبب خارج عن الذات كعروض الأعراض المفارقة للطبائع النوعية لأنه يقال مقارنة الجسم للمادة كما أشير إليه بحلوله فيها و بعبارة نهايةالحكمة، صفحة 105 أخرى بصيرورة وجوده للمادة ناعتا لها فمعنى عروض الافتقار له بسبب خارج بعد غناه عنها في ذاته صيرورة وجوده لغيره بعد ما كان لنفسه و هو محال بالضرورة و اعلم أن المسألة و إن عقدت في تجرد الصورة الجسمية لكن الدليل يجري في كل صورة في إمكانها أن يلحقها كمالات طارئة. و سيأتي في بحث الحركة الجوهرية أن الجوهر المادي متحرك في صورها حتى يتخلص إلى فعلية محضة لا قوة معها و ذلك باللبس بعد اللبس لا بالخلع و اللبس فبناء عليه يكون استحالة تجرد الصورة المادية عن المادة مقيدة بالحركة دون ما إذا تمت الحركة و بلغت الغاية. و يتأيد ذلك بما ذكره الشيخ و صدر المتألهين أن المادة غير داخلة في حد الجسم دخول الأجناس في حدود أنواعها فماهية الجسم و هي الجوهر القابل للأبعاد الثلاثة لا خبر فيها عن المادة التي هي الجوهر الذي فيه قوة الأشياء لكن الجسم مثلا مأخوذ في حد الجسم النامي و الجسم النامي مأخوذ في حد الحيوان و الحيوان مأخوذ في حد الإنسان. و قد بينه صدر المتألهين بأنها لو كانت داخلة في ماهية الجسم لكانت بينة الثبوت له على ما هو خاصة الذاتي لكنا نشك في ثبوتها للجسم في بادى‏ء النظر ثم نثبتها له بالبرهان و لا برهان على ذاتي. و لا منافاة بين القول بخروجها عن ماهية الجسم و القول باتحادها مع الصورة الجسمية على ما هو لازم اجتماع ما بالقوة مع ما بالفعل لأن الاتحاد المدعى إنما هو الوجود لا في الماهية. و لازم ذلك أن لو تجرد بعض الأنواع المادية عن المادة لم يلزم انقلاب بتغير الحد و أن المادة من لوازم وجوده لا جزء ماهيته. نهايةالحكمة، صفحة 106 الفصل السابع في إثبات الصور النوعية و هي الصور الجوهرية المنوعة لجوهر الجسم المطلق إنا نجد في الأجسام اختلافا من حيث صدق مفاهيم عليها هي بينة الثبوت لها ممتنعة الانفكاك عنها فإنا لا نقدر أن نتصور جسما دون أن نتصوره مثلا عنصرا أو مركبا معدنيا أو شجرا أو حيوانا و هكذا و تلبس الجسم بهذه المفاهيم على هذا النحو أمارة كونها من مقوماته. و لما كان كل منها أخص من الجسم فهي مقومة لجوهر ذاته فيحصل بانضمام كل منها إليه نوع منه و لا يقوم الجوهر إلا جوهر فهي صور جوهرية منوعة. لا يقال لا نسلم أن الجوهر لا يقومه إلا جوهر فكثيرا ما يوجد الشي‏ء و يقال عليه الجوهر في جواب ما هو ثم ينضم إليه شي‏ء من الأعراض و يتغير به جواب السؤال عنه بما هو كالحديد الذي هو جوهر فإذا صنع منه السيف بضم هيئات عرضية إليه و سئل عنه بما هو كان الجواب عنه غير الجواب عنه و هو حديد و كالطين و الحجر و هما جوهران فإذا بني منهما بناء وقع في جواب السؤال عنه بما هو البيت و لم ينضم إليها إلا هيئات عرضية. فإنه يقال فيه خلط بين الأنواع الحقيقية التي هي مركبات حقيقية تحصل من تركبها هوية واحدة وراء الأجزاء لها آثار وراء آثار الأجزاء كالعناصر و المواليد و بين المركبات الاعتبارية التي لا يحصل من تركب أجزائها أمر وراء الأجزاء و لا أثر وراء آثارها كالسيف و البيت من الأمور نهايةالحكمة، صفحة 107 الصناعية و غيرها. و بالجملة المركبات الاعتبارية لا يحصل منها أمر وراء نفس الأجزاء و المركب من جوهر و عرض لا جوهر و لا عرض فلا ماهية له حتى يقع في جواب ما هو كل ذلك لتباين المقولات بتمام ذواتها البسيطة فلا يتكون من أكثر من واحدة منها ماهية. و لا يقال كون الصور النوعية جواهر ينافي قولهم إن فصول الجواهر غير مندرجة تحت جنس الجوهر. فإنه يقال قد تقدم البحث عنه في مرحلة الماهية و اتضح به أن معنى جوهرية فصول الجواهر و هي الصور النوعية مأخوذة بشرط لا أن جنس الجوهر صادق عليها صدق العرض العام على الخاصة فهي مقومات للأنواع عارضة على الجنس. حجة أخرى إنا نجد الأجسام مختلفة بحسب الآثار القائمة بها من العوارض اللازمة و المفارقة و اختصاص كل من هذه المختلفات الآثار بما اختص به من الآثار ليس إلا لمخصص بالضرورة. و من المحال أن يكون المخصص هو الجسمية المشتركة لاشتراكها بين جميع الأجسام و لا المادة المشتركة لأن شأنها القبول و الاستعداد دون الفعل و الاقتضاء و لا موجود مفارق لاستواء نسبته إلى جميع الأجسام و يمتنع أن يكون المخصص هو بعض الأعراض اللاحقة بأن يتخصص أثر بأثر سابق فإنا ننقل الكلام إلى الأثر السابق فيتسلسل أو يدور أو ينتهي إلى أمر غير خارج عن جوهر الجسم الذي عنده الأثر و الأولان محالان فيبقى الثالث و هو استناد الآثار إلى أمر غير خارج من جوهر الجسم فيكون مقوما له و مقوم الجوهر جوهر و إذ كان هذا المقوم الجوهري أخص من الجسم المطلق فهو صورة جوهرية منوعة له. ففي الأجسام على اختلافها صور نوعية جوهرية هي مباد للآثار المختلفة نهايةالحكمة، صفحة 108 باختلاف الأنواع. لا يقال إن في أفراد كل نوع من الأنواع الجسمانية آثارا مختصة و عوارض مشخصة لا يوجد ما هو عند فرد منها عند غيره من الأفراد و يجري فيها ما سقتموه من الحجة فهلا أثبتم بعد الصور التي سميتموها صورا نوعية صورا شخصية مقومة لماهية النوع. لأنه يقال الأعراض المسماة عوارض مشخصة لوازم التشخص و ليست بمشخصة و إنما التشخص بالوجود كما تقدم في مرحلة الماهية و تشخص الأعراض بتشخص موضوعاتها إذ لا معنى لعموم العرض القائم بالموضوع المشخص و الأعراض الفعلية اللاحقة بالفرد مبدؤها الطبيعة النوعية التي في الفرد تقتضي من الكم و الكيف و الوضع و غيرها عرضا عريضا ثم الأسباب و الشرائط الخارجية الاتفاقية تخصص ما تقتضيه الطبيعة النوعية و بتغير تلك الأسباب و الشرائط ينتقل الفرد من عارض يتلبس به إلى آخر من نوعه أو جنسه. خاتمة للفصل لما كانت الصورة النوعية مقومة لمادتها الثانية التي هي الجسم المؤلف من المادة و الصورة الجسمية كانت علة فاعلية للجسم متقدمة عليه كما أن الصورة الجسمية شريكة العلة للمادة الأولى. و يتفرع عليه أولا أن الوجود أولا للصورة النوعية و بوجودها توجد الصورة الجسمية ثم الهيولى بوجودها الفعلي. و ثانيا أن الصور النوعية لا تحفظ الجسمية إلى بدل بل توجد بوجودها الجسمية ثم إذا تبدلت إلى صورة أخرى تخالفها نوعا بطل ببطلانها الجسم ثم حدثت جسمية أخرى بحدوث الصورة التالية. نهايةالحكمة، صفحة 109 الفصل الثامن في الكم و هو من المقولات العرضية قد تقدم أن العرض ماهية إذا وجدت في الأعيان وجدت في موضوع مستغن عنه و أن العرضية كعرض عام لتسع من المقولات هي أجناس عالية لا جنس فوقها و لذا كان ما عرف به كل واحدة منها تعريفا بالخاصة لا حدا حقيقيا ذا جنس و فصل. و قد عرف الشيخان الفارابي و ابن سينا الكم بأنه العرض الذي بذاته يمكن أن يوجد فيه شي‏ء واحد يعده و هو أحسن ما أورد له من التعريف و أما تعريفه بأنه العرض الذي يقبل القسمة لذاته فقد أورد عليه بأنه تعريف بالأخص لاختصاص قبول القسمة بالكم المتصل و أما المنفصل فهو ذو أجزاء بالفعل و كذا تعريفه بأنه العرض الذي يقبل المساواة فقد أورد عليه بأنه تعريف دوري لأن المساواة هي الاتحاد في الكم و كيف كان فما يشتمل عليه هذه التعاريف خواص ثلاثة للكم و هي العد و الانقسام و المساواة الفصل التاسع في انقسامات الكم ينقسم الكم انقساما أوليا إلى المتصل و المنفصل و المتصل هو الكم الذي يمكن أن يفرض فيه أجزاء تتلاقى على حدود مشتركة و الحد المشترك هو نهايةالحكمة، صفحة 110 الذي يمكن أن يجعل بداية لجزء كما يمكن أن يجعل نهاية لآخر كالخط إذا فرض انقسامه إلى ثلاثة أجزاء فإن القسم المتوسط يمكن أن يجعل بداية لكل من الجانبين و نهاية له فيكون القسمان قسما واحدا و الخط ذا قسمين. و عرف المتصل أيضا بما يقبل الانقسام إلى غير النهاية و المنفصل خلاف المتصل و هو العدد الحاصل من تكرر الواحد فإنه منقسم إلى أجزاء بالفعل و ليس بينها حد مشترك فإن الخمسة مثلا إذا قسم إلى اثنين و ثلاثة فإن كان بينهما حد مشترك من الأجزاء كانت أربعة أو من خارج كانت ستة. و المتصل ينقسم إلى قسمين قار و غير قار و القار هو الثابت المجتمع الأجزاء بالفعل كالسطح و غير القار هو الذي لا يجتمع أجزاؤه المفروضة بالفعل كالزمان فإن كل جزء منه بالفعل قوة للجزء التالي فلا يجتمعان بالفعل إذ فعلية الشي‏ء لا تجامع قوته. و القار ينقسم إلى الجسم التعليمي و هو القابل للانقسام في جهاته الثلاث العرض و الطول و العمق و السطح و هو القابل للانقسام في الجهتين العرض و الطول و الخط و هو القابل للانقسام في جهة واحدة. و الكم المنفصل و هو العدد موجود في الخارج بالضرورة و الكم المتصل غير القار و هو الزمان سيأتي إثبات وجوده في مباحث القوة و الفعل. و أما الكم المتصل القار فالجسم التعليمي و السطح موجودان في الخارج لأن هناك أجساما طبيعية منفصلا بعضها من بعض متعينة متناهية و لازم تعينها الجسم التعليمي و لازم تناهيها السطح. و أما الخط فهو موجود في الخارج إن ثبتت أجسام لها سطوح متقاطعة كالمكعب و المخروط و الهرم و نحوها. ثم إن كل مرتبة من مراتب العدد غير المتناهية نوع خاص منه مباين لسائرها لاختصاصها بخواص عددية لا تتعداها إلى غيرها. و الزمان نوع واحد و إن كان معروضه أنواع الحركات الجوهرية و العرضية نهايةالحكمة، صفحة 111 لما أن بين أفرادها عادا مشتركا. و الأجسام التعليمية التي لا عاد مشتركا بينها كالكرة و المخروط و المكعب و نحوها أنواع متباينة و كذا السطوح التي لا عاد مشتركا بينها كالسطح المستوي و أقسام السطوح المحدبة و المقعرة و كذا الخطوط التي لا عاد مشتركا بينها إن كانت موجودة كالخط المستقيم و أنواع الأقواس و أما الأجسام و السطوح و الخطوط غير المنتظمة فليست بأنواع بل مركبة من أنواع شتى. الفصل العاشر في أحكام مختلفة للكم قد تقدمت الإشارة إلى أن من خواص الكم المساواة و المفاوتة و منها الانقسام خارجا كما في العدد أو وهما كما في غيره و منها وجود عاد منه يعده و هناك أحكام أخر أوردوها. أحدها أن الكم المنفصل و هو العدد يوجد في الماديات و المجردات جميعا و أما المتصل غير القار منه و هو الزمان فلا يوجد إلا في الماديات و أما المتصل القار و هو الجسم التعليمي و السطح و الخط فلا يوجد في المجردات إلا عند من يثبت عالما مقداريا مجردا له آثار المادة دون نفس المادة. الثاني أن العدد لا تضاد فيه لأن من شروط التضاد غاية الخلاف بين المتضادين و ليست بين عددين غاية الخلاف إذ كل مرتبتين مفروضتين من العدد فإن الأكثر منهما يزيد بعدا من الأقل بإضافة واحد عليه. و أما الاحتجاج عليه بأن كل مرتبة من العدد متقوم بما هو دونه و الضد لا يتقوم بالضد ففيه أن المرتبة من العدد لو تركبت مما دونها من المراتب كانت المراتب التي تحتها في جواز تقويمها على السواء كالعشرة مثلا يجوز فرض تركبها نهايةالحكمة، صفحة 112 من تسعة و واحدة و ثمانية و اثنين و سبعة و ثلاثة و ستة و أربعة و خمسة و خمسة و تعين بعضها للجزئية ترجح بلا مرجح و هو محال و قول الرياضيين إن العشرة مجموع الثمانية و الاثنين معناه مساواة مرتبة من العدد لمرتبتين لا كون المرتبة و هي نوع واحد عين المرتبتين و هما نوعان اثنان. و نظير الكلام يجري في الكم المتصل مطلقا و كذا لا يضاد الجسم التعليمي سطحا و لا خطا و لا سطح خطا إذ لا موضوع واحدا هناك يتعاقبان عليه و لا يتصور هناك غاية الخلاف. الثالث أن الكم لا يوجد فيه التشكيك بالشدة و الضعف و هو ضروري أو قريب منه نعم يوجد فيه التشكيك بالزيادة و النقص كأن يكون خط أزيد من خط في الطول إذا قيس إليه وجودا لا في أن له ماهية الخط و كذا السطح يزيد و ينقص من سطح آخر من نوعه و كذا الجسم التعليمي. الرابع قالوا إن الأبعاد متناهية و استدلوا عليه بوجوه من أوضحها أنا نفرض خطا غير متناه و كرة خرج من مركزها خط مواز لذلك الخط غير المتناهي فإذا تحركت الكرة تلاقى الخطان بمصادرة أقليدس فصار الخط الخارج من المركز مسامتا للخط غير المتناهي المفروض بعد ما كان موازيا له ففي الخط غير المتناهي نقطة بالضرورة هي أول نقط المسامتة لكن ذلك محال إذ لا يمكن أن يفرض على الخط نقطة مسامتة إلا و فوقها نقطة يسامتها الخط قبلها. و قد أقيم على استحالة وجود بعد غير متناه براهين أخر كبرهان التطبيق و البرهان السلمي و غير ذلك. الخامس أن الخلاء و لازمه قيام البعد بنفسه من دون معروض يقوم به محال و سيأتي الكلام فيه في بحث الأين. السادس أن العدد ليس بمتناه و معناه أنه لا توجد مرتبة من العدد إلا و يمكن فرض ما يزيد عليها و كذا فرض ما يزد على الزائد و لا تقف السلسلة نهايةالحكمة، صفحة 113 حتى تنقطع بانقطاع الاعتبار و يسمى غير المتناهي اللايقفي و لا يوجد من السلسلة دائما بالفعل إلا مقدار متناه و ما يزيد عليه فهو في القوة و أما ذهاب السلسلة بالفعل إلى غير النهاية على نحو العدول دون السلب التحصيلي فغير معقول فلا كل و لا مجموع لغير المتناهي بهذا المعنى و لا تحقق فيه لشي‏ء من النسب الكسرية كالنصف و الثلث و الربع و إلا عاد متناهيا. الفصل الحادي عشر في الكيف و انقسامه الأولي عرفوه بأنه عرض لا يقبل القسمة و لا النسبة لذاته فيخرج بالعرض الواجب لذاته و الجوهر و بقيد عدم قبول القسمة الكم و بقيد عدم قبول النسبة المقولات السبع النسبية و يدخل بقيد لذاته ما يعرضه قسمة أو نسبة بالعرض. قال صدر المتألهين المقولات لما كانت أجناسا عالية ليس فوقها جنس لم يمكن أن يورد لها حد و لذلك كان ما يورد لها من التعريفات رسوما ناقصة يكتفى فيها بذكر الخواص لإفادة التمييز و لم يظفر في الكيف بخاصة لازمة شاملة إلا المركب من العرضية و المغايرة للكم و الأعراض النسبية فعرف بما محصله أنه عرض يغاير الكم و الأعراض النسبية لكن هذا التعريف تعريف للشي‏ء بما يساويه في المعرفة و الجهالة لأن الأجناس العالية ليس بعضها أجلى من البعض و لو جاز ذلك لجاز مثله في سائر المقولات بل ذلك أولى لأن الأمور النسبية لا تعرف إلا بعد معروضاتها التي هي الكيفيات فعدلوا عن ذكر كل من الكم و الأعراض النسبية إلى ذكر الخاصة التي هي أجلى انتهى ملخصا الأسفار ج 4 ص 58. نهايةالحكمة، صفحة 114 و ينقسم الكيف انقساما أوليا إلى أربعة أقسام كلية هي الكيفيات المحسوسة و النفسانية و المختصة بالكميات و الاستعدادية و تعويلهم في حصرها في الأربعة على الاستقراء. الفصل الثاني عشر في الكيفيات المحسوسة و من خاصتها أن فعلها بطريق التشبيه أي جعل الغير شبيها بنفسها كما تجعل الحرارة مجاورها حارا و كما يلقى السواد مثلا شبحه أي مثاله على العين و الكيفيات المحسوسة تنقسم إلى المبصرات و المسموعات و المذوقات و المشمومات و الملموسات. و المبصرات منها الألوان فالمشهور أنها كيفيات عينية موجودة في خارج الحس و أن البسيط منها البياض و السواد و باقي الألوان حاصلة من تركبهما أقساما من التركيب و قيل الألوان البسيطة التي هي الأصول خمسة السواد و البياض و الحمرة و الصفرة و الخضرة و باقي الألوان مركب منها. و قيل اللون كيفية خيالية لا وجود لها وراء الحس كالهالة و قوس قزح و غيرهما و هي حاصلة من أنواع اختلاط الهواء بالأجسام المشفة أو انعكاس منها. و من المبصرات النور و هو غني عن التعريف و ربما يعرف بأنه الظاهر بذاته المظهر لغيره و ينبغي أن يراد به إظهاره الأجسام للبصر و لو أطلق الإظهار كان ذلك خاصة للوجود. و كيف كان فالمعروف من مذهبهم أنه كيفية مبصرة توجد في الأجسام نهايةالحكمة، صفحة 115 النيرة بذاتها أو في الجسم الذي يقابل نيرا من غير أن ينتقل من النير إلى المستنير و يقابله الظلمة مقابلة العدم للملكة و قيل إن النور جوهر جسماني و قيل إنه ظهور اللون. و المسموعات هي الأصوات و الصوت كيفية حاصلة من قرع عنيف أو قلع عنيف مستتبع لتموج الهواء الحامل للأصوات فإذا بلغ التموج الهواء المجاور لصماخ الأذن أحس الصوت و ليس الصوت هو التموج و لا نفس القلع و القرع و ليس الصوت المحسوس خيالا في الحس معدوما في خارج الحس. و المذوقات هي الطعوم المدركة بالذائقة و قد عدوا بسائطها تسعة و هي الحرافة و الملاحة و المرارة و الدسومة و الحلاوة و التفه و العفوصة و القبض و الحموضة و ما عدا هذه الطعوم طعوم مركبة منها. و المشمومات أنواع الروائح المحسوسة بالشامة و ليس لأنواع الروائح التي ندركها أسماء عندنا نعرفها بها إلا من جهة إضافتنا لها إلى موضوعاتها كما نقول رائحة المسك و رائحة الورد أو من جهة موافقتها للطبع و مخالفتها له كما نقول رائحة طيبة و رائحة منتنة أو من جهة نسبتها إلى الطعم كما نقول رائحة حلوة و رائحة حامضة و هذا كله دليل ضعف الإنسان في شامته كما ذكره الشيخ. و الملموسات أنواع الكيفيات المحسوسة بحس اللمس و قد عدوا بسائطها اثني عشر نوعا هي الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة و اللطافة و الكثافة و اللزوجة و الهشاشة و الجفاف و البلة و الثقل و الخفة و قد ألحق بها بعضهم الخشونة و الملاسة و الصلابة و اللين و المعروف أنها مركبة. نهايةالحكمة، صفحة 116 الفصل الثالث عشر في الكيفيات المختصة بالكميات و هي الكيفيات العارضة للجسم بواسطة كميته فيتصف بها الكم أولا ثم الجسم لكميته كالاستدارة في الخط و الزوجية في العدد. و هي ثلاثة أقسام بالاستقراء الأول الشكل و الزاوية الثاني ما ليس بشكل و زاوية مثل الاستدارة و الاستقامة من الكيفيات العارضة للخط و السطح و الجسم التعليمي الثالث الكيفيات العارضة للعدد مثل الزوجية و الفردية و التربيع و التجذير و غير ذلك. و ألحق بعضهم بالثلاثة الخلقة و مرادهم بها مجموع اللون و الشكل و يدفعه أنها ليس لها وحدة حقيقية ذات ماهية حقيقية بل هي من المركبات الاعتبارية و لو كانت ذات ماهية كان من الواجب أن يندرج تحت الكيفيات المبصرة و الكيفيات المختصة بالكميات و هما جنسان متباينان و ذلك محال. أما القسم الأول فالشكل هيئة حاصلة للكم من إحاطة حد أو حدود به إحاطة تامة كشكل الدائرة التي تحيط بها خط واحد و شكل المثلث و المربع و كثير الأضلاع التي يحيط بها حدود و الكرة التي يحيط بها سطح واحد و المخروط و الأسطوانة و المكعب التي تحيط بها سطوح فوق الواحد. و الشكل من الكيفيات لصدق حد الكيف عليه و ليس هو السطح أو الجسم و لا الحدود المحيطة به و لا المجموع بل الهيئة الحاصلة من سطح أو جسم أحاط به حدود خاصة. و الزاوية هي الهيئة الحاصلة من إحاطة حدين أو حدود متلاقية في حد نهايةالحكمة، صفحة 117 إحاطة غير تامة كالزاوية المسطحة الحاصلة من إحاطة خطين متلاقيين في نقطة و الزاوية المجسمة الحاصلة من إحاطة سطح المخروط المنتهى إلى نقطة الرأس و زاوية المكعب المحيط بها سطوح ثلاثة و الكلام في كون الزاوية كيفا لا كما نظير ما مر من الكلام في كون الشكل من مقولة الكيف. و جوز الشيخ كون الهيئة الحاصلة من إحاطة السطحين من المكعب مثلا المتلاقيين في خط زاوية لانطباق خواص الزاوية عليها. و أما القسم الثاني فالاستقامة في الخط و تقابلها الاستدارة من مقولة الكيف دون الكم و بينهما تخالف نوعي أما أنهما من مقولة الكيف فلأنا نعقل مفهومي الاستقامة و الاستدارة و هما مفهومان ضروريان و لا نجد فيهما معنى قبول الانقسام و إن كانا لا يفارقان ذلك وجودا لعروضهما للكم و لو كان قبول الانقسام جزءا من حديهما أو من أعرف خواصهما لم يخل عنه تعقلهما. و أما كونهما نوعين متخالفين متباينين فلأنهما لو كانا نوعا واحدا كان ما يوجد فيهما من التخالف عرضيا غير جزء للذات و لا لازما له فكان من الجائز عند العقل أن يزول وصف الاستقامة عن الخط المستقيم و يبقى أصل الخط ثم يوصف بالاستدارة لكن ذلك محال لأن الخط نهاية السطح كما أن السطح نهاية الجسم و لا يمكن أن يتغير حال النهاية إلا بعد تغير حال ذي النهاية فلو لم يتغير حال السطح في انبساطه و تمدده لم يتغير حال الخط في استقامته و لو لم يتغير حال الجسم في انبساطه و تمدده لم يتغير حال السطح في ذلك و الجسم التعليمي يبطل بذلك و يوجد غيره و كذا السطح الذي هو نهايته و كذا الخط الذي هو نهايته فإذا بطل المعروض و وجد معروض آخر بالعدد كان العارض أيضا كذلك. فإذا امتنع بقاء المستقيم من الخط مع زوال استقامته علم منه أن الاستقامة إما فصله أو لازم فصله فالمستقيم يغاير المستدير في نوعيته و كذا نهايةالحكمة، صفحة 118 السطح المستوي و غيره و أيضا غيره لما يخالفه و كذا الأجسام التعليمية لما يخالفها. و يتفرع على ما تقدم أولا أن لا تضاد بين المستقيم و المستدير لعدم التعاقب على موضوع واحد و لعدم غاية الخلاف و كذا ما بين الخط و السطح و كذا ما بين السطح و الجسم التعليمي و كذا ما بين السطوح أنفسها و بين الأجسام التعليمية أنفسها. و ثانيا أن لا اشتداد و تضعف بين المستقيم و المستدير إذ من الواجب في التشكيك أن يشمل الشديد على الضعيف و زيادة و قد تبين أن المستقيم لا يتضمن المستدير و بالعكس. و أما القسم الثالث فالزوجية و الفردية العارضتان للعدد و كذا التربيع و التجذير و التكعيب و ما يناظرها و هي من الكيفيات دون الكم لصدق حد الكيف عليها و هو ظاهر بالنظر إلى أن كل مرتبة من مراتب العدد نوع منه مستقل في نوعيته مباين لغيره يشارك سائر المراتب في الانقسام و كون الانقسام بمتساويين و عدم كونه كذلك نعت للانقسام غير قابل في نفسه للانقسام و غير نسبي في نفسه فليس بكم و لا بواحد من الأعراض النسبية فليس شي‏ء من الزوجية و الفردية إلا كيفا عارضا للكم. و نظير البيان يجري في سائر أحوال الأعداد من التربيع و التجذير و غير ذلك. و بالتأمّل فيما تقدم يظهر أولا أن لا تضاد بين هذه الأحوال العددية إذ لا موضوع مشتركا بين الزوجية و الفردية يتعاقبان عليه على ما هو شرط التضاد. و ثانيا أن لا تشكيك بالشدة و الضعف و لا بالزيادة و النقيصة في هذه الأحوال العددية فكما لا يتبدل تقوس و استدارة إلى تقوس و استدارة أخرى إلا مع بطلان موضوعه و وجود موضوع آخر غيره بالعدد كذلك لا تتبدل نهايةالحكمة، صفحة 119 زوجية مثلا إلى زوجية زوج الزوج إلا مع بطلان موضوعه الذي هو المعدود و وجود موضوع آخر غيره بالعدد و في ذلك بطلان الزوجية التي هي عرض و وجود زوجية أخرى بالعدد و ليس ذلك من التشكيك في شي‏ء. و ثالثا يعلم بالتذكر لما تقدم أن الكيفيات المختصة بالكميات توجد في الماديات و المجردات المثالية جميعا بناء على تجرد المثال. الفصل الرابع عشر في الكيفيات الاستعدادية و تسمى أيضا القوة و اللاقوة و المعنى الجامع بينها الذي هو بمنزلة النوع من مطلق الكيف و بمنزلة الجنس لأنواعها الخاصة بها أنها استعداد شديد جسماني نحو أمر خارج بمعنى أنه الذي يترجح به حدوث أمر من خارج و لها نوعان أحدهما الاستعداد الشديد على أن ينفعل كالممراضية و اللين و الثاني الاستعداد الشديد على أن لا ينفعل كالمصحاحية و الصلابة. و ألحق بعضهم بالنوعين نوعا ثالثا و هو الاستعداد الشديد نحو الفعل كالمصارعية و رده الشيخ و تبعه صدر المتألهين قال في الأسفار إنه لا خلاف في أن القوة على الانفعال و القوة على المقاومة داخلتان تحت هذا النوع و أما القوة على الفعل هل هي داخلة تحت هذا النوع فالمشهور أنها منه و الشيخ أخرجها منه و هو الحق كما سيظهر لك وجهه فإذا أريد تلخيص معنى جامع للقسمين دون الأمر الثالث فيقال إنه كيفية بها يترجح أحد جانبي القبول و اللاقبول لقابلها. نهايةالحكمة، صفحة 120 و أما بيان أن القوة على الفعل لا تصلح أن تكون داخلة تحت هذا النوع كما ذهب إليه الشيخ فيحتاج أولا إلى أن نعرف أصلا كليا و هو أن جهات الفعل دائما تكون من لوازم الذات لأن كل ذات لها حقيقة فلها اقتضاء أثر إذا خلي و طبعه و لم يكن مانع يفعل ذلك الأثر فلا يحتاج في فعلها إلى قوة زائدة عليها و إذا فرض إضافة قوة أخرى لها لم تكن تلك الذات بالقياس إليها فاعلة لها بل قابلة إياها و إذا اعتبرت الذات و القوة معا كان المجموع شيئا آخر إن كان له فعل كان فعله لازما من غير تراخي استعداد له لحصول ذلك الفعل. و لو فرض ذلك الاستعداد للفاعلية له كان يلزمه أولا قوة انفعالية لحصول ما يتم به كونه فاعلا فذلك الاستعداد المفروض لم يكن بالحقيقة لفاعليته بل لانفعاله فليس للفاعلية استعداد بل للمنفعلية أولا و بالذات و للفاعلية بالعرض. فثبت مما بينا بالبرهان أن لا قوة و لا استعداد بالذات لكون الشي‏ء فاعلا بل إنما القوة و الاستعداد للانفعال و لصيرورة الشي‏ء قابلا لشي‏ء بعد أن لم يكن انتهى الأسفار ج 4 ص 105. و أما نفس الاستعداد فقد قيل إنها من المضاف إذ لا يعقل إلا بين شيئين مستعد و مستعد له فلا يكون نوعا من الكيف و يظهر من بعضهم أنه كيف يلزمه إضافة كالعلم الذي هو من الكيفيات النفسانية و يلزمه الإضافة بين موضوعه و متعلقه أعني العالم و المعلوم و كالقدرة و الإرادة. الفصل الخامس عشر في الكيفيات النفسانية الكيفية النفسانية و هي كما قال الشيخ ما لا يتعلق بالأجسام على نهايةالحكمة، صفحة 121 الجملة إن لم تكن راسخة سميت حالا و إن كانت راسخة سميت ملكة و إذ كانت النسبة بين الحال و الملكة نسبة الضعف و الشدة و هم يعدون المرتبتين من الضعف و الشدة نوعين مختلفين كان لازمه عد الحال مغايرا للملكة نوعا و وجودا. و الكيفيات النفسانية كثيرة و إنما أوردوا منها في هذا الباب بعض ما يهم البحث عنه. فمنها الإرادة قال في الأسفار يشبه أن يكون معناها واضحا عند العقل غير ملتبس بغيرها إلا أنه يعسر التعبير عنها بما يفيد تصورها بالحقيقة و هي تغاير الشهوة كما أن مقابلها و هي الكراهة يغاير النفرة إذ قد يريد الإنسان ما لا يشتهيه كشرب دواء كريه ينفعه و قد يشتهي ما لا يريده كأكل طعام لذيذ يضره انتهى ج 4 ص 113. و بمثل البيان يظهر أن الإرادة غير الشوق المؤكد الذي عرفها به بعضهم و ملخص القول الذي يظهر به أمر الإرادة التي يتوقف عليها فعل الفاعل المختار هو أن مقتضى الأصول العقلية أن كل نوع من الأنواع الجوهرية مبدأ فاعلي للأفعال التي ينسب إليه صدورها و هي كمالات ثانية للنوع فالنفس الإنسانية التي هي صورة جوهرية مجردة متعلقة الفعل بالمادة علة فاعلية للأفعال الصادرة عن الإنسان لكنها مبدأ علمي لا يصدر عنها إلا ما ميزته من كمالاتها الثانية من غيره و لذا تحتاج قبل الفعل إلى تصور الفعل و التصديق بكونه كمالا لها فإن كان التصديق ضروريا أو ملكة راسخة قضت بكون الفعل كمالا و لم تأخذ بالتروي كالمتكلم الذي يتلفظ بالحرف بعد الحرف من غير ترو و لو تروى في بعضها لتبلد و تلكأ و انقطع عن الكلام و إن لم يكن ضروريا مقضيا به توسلت إلى التروي و الفحص عن المرجحات فإن ظفرت بما يقضي بكون الفعل كمالا قضت به ثم يتبع هذه الصورة العلمية على ما نهايةالحكمة، صفحة 122 قيل الشوق إلى الفعل لما أنه كمال ثان معلول لها ثم يتبع الشوق الإرادة و هي و إن كانت لا تعبير عنها يفيد تصور حقيقتها لكن يشهد لوجودها بعد الشوق ما نجده ممن يريد الفعل و هو عاجز عنه و لا يعلم بعجزه فلا يستطيع الفعل و قد أراده ثم يتبع الإرادة القوة العاملة المحركة للعضلات فتحرك العضلات و هو الفعل. فمبادي الفعل الإرادي فينا هي العلم و الشوق و الإرادة و القوة العاملة المحركة هذا ما نجده من أنفسنا في أفعالنا الإرادية و إمعان النظر في حال سائر الحيوان يعطي أنها كالإنسان في أفعالها الإرادية. فظهر بذلك أولا أن المبدأ الفاعلي لأفعال الإنسان الإرادية بما أنها كمالاتها الثانية هو الإنسان بما أنه فاعل علمي و العلم متمم لفاعليته يتميز به الكمال من غيره و يتبعه الشوق من غير توقف على شوق آخر أو إرادة و تتبعه الإرادة بالضرورة من غير توقف على إرادة أخرى و إلا لتسلسلت الإرادات فعد الإرادة علة فاعلية للفعل في غير محله و إنما الإرادة و الشوق الذي قبلها من لوازم العلم المتمم لفاعلية الفاعل. و ثانيا أن أفعال الإنسان مما للعلم دخل في صدوره لا تخلو من إرادة الفاعل حتى الفعل الجبري و سيأتي في البحث عن أقسام الفاعل ما ينفع في المقام. و ثالثا أن الملاك في اختيارية الفعل تساوي نسبة الإنسان إلى الفعل و الترك و إن كان بالنظر إليه و هو تام الفاعلية ضروري الفعل. و من الكيفيات النفسانية القدرة و هي حالة في الحيوان بها يصح أن يصدر عنه الفعل إذا شاء و لا يصدر عنه إذا لم يشأ و يقابلها العجز. و أما القدرة المنسوبة إلى الواجب تعالى فإذ كان الواجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات فهي مبدئيته الفعلية بذاته لكل شي‏ء و إذ كانت عين الذات فلا ماهية لها بل هي صرف الوجود. نهايةالحكمة، صفحة 123 و من الكيفيات النفسانية على ما قيل العلم و المراد به العلم الحصولي الذهني من حيث قيامه بالنفس قيام العرض بموضوعه لصدق حد الكيف عليه و أما العلم الحضوري فهو حضور المعلوم بوجوده الخارجي عند العالم و الوجود ليس بجوهر و لا عرض. و العلم الذي هو من الكيف مختص بذوات الأنفس و أما المفارقات فقد تقدم أن علومها حضورية غير حصولية غير أن العلوم الحصولية التي في معاليلها حاضرة عندها و إن كانت هي أيضا بما أنها من صنعها حاضرة عندها. و من هذا الباب الخلق و هو الملكة النفسانية التي تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير روية و لا يسمى خلقا إلا إذا كان عقلا عمليا هو مبدأ الأفعال الإرادية و ليس هو القدرة على الفعل لأن نسبة القدرة إلى الفعل و الترك متساوية و لا نسبة للخلق إلا إلى الفعل و ليس المراد به هو الفعل و إن كان ربما يطلق عليه لأنه الأمر الراسخ الذي يبتني عليه الفعل. و للخلق انشعابات كثيرة تكاد لا تحصى الشعب الحاصلة منها لكن أصول الأخلاق الإنسانية نظرا إلى القوى الباعثة للإنسان نحو الفعل ثلاثة و هي قوى الشهوة الباعثة له إلى جذب الخير و النافع الذي يلائمه و قوى الغضب الباعثة له إلى دفع الشر و الضار و العقل الذي يهديه إلى الخير و السعادة و يزجره عن الشر و الشقاء. فالملكة العاملة في المشتهيات إن لازمت الاعتدال بفعل ما ينبغي كما ينبغي سميت عفة و إن انحرفت إلى حد الإفراط سميت شرها و إن نزلت إلى التفريط سميت خمودا و كذلك الملكة المرتبطة بالغضب لها اعتدال تسمى شجاعة و طرفا إفراط يسمى تهورا و تفريط يسمى جبنا و كذلك الملكة الحاكمة في الخير و الشر و النافع و الضار إن لازمت وسط الاعتدال فاشتغلت بما ينبغي كما ينبغي سميت حكمة و إن خرجت إلى حد الإفراط نهايةالحكمة، صفحة 124 سميت جربزة أو إلى حد التفريط سميت غباوة. و الهيئة الحاصلة من اجتماع الملكات الثلاث التي نسبتها إليها نسبة المزاج إلى الممتزج و أثرها إعطاء كل ذي حق من القوى حقه إذا اعتدلت سميت عدالة و إن خرجت إلى حد الإفراط سميت ظلما أو إلى حد التفريط سميت انظلاما. و وسط الاعتدال من هذه الملكات التي هي الأصول و ما يتفرع عليها من الفروع فضيلة ممدوحة و الطرفان أعني طرفي الإفراط و التفريط رذيلة مذمومة و البحث عن هذه الفضائل و الرذائل موكول إلى غير هذه الصناعة. و قد ظهر مما تقدم أولا أن الخلق إنما يوجد في العالم الإنساني و غيره من ذوات الأنفس التي تستكمل بالأفعال الإرادية على ما يناسب كمال وجوده فلا خلق في المفارقات إذ لا عقل عمليا و لا استكمال إراديا فيها. و ثانيا أن كلا من هذه الأخلاق التي هي من الكيفيات النفسانية بما أنها ملكة راسخة تقابلها حال من تلك الكيفية كالشهوة و الغضب و الخوف و الفزع و الحزن و الهم و الخجل و الفرح و السرور و الغم و غير ذلك و البحث عن أسبابها الطبيعية في الطب و عن إصلاحها و تدبيرها بحيث يلائم السعادة الإنسانية في صناعة الأخلاق. و من الكيفيات النفسانية اللذة و الألم و اللذة على ما عرفوها إدراك الملائم بما أنه ملائم و الألم إدراك المنافي بما أنه مناف فهما من الكيف بما أنهما من سنخ الإدراك و ينقسمان بانقسام الإدراك فمنهما حسي و خيالي و عقلي فاللذة الحسية كإدراك النفس الحلاوة من طريق الذوق و الرائحة الطيبة من طريق الشم و اللذة الخيالية إدراكها الصورة الخيالية من بعض الملذات الحسية و اللذة العقلية إدراكها بعض ما نالته من الكمالات الحقة العقلية و اللذة العقلية أشد اللذائذ و أقواها لتجردها و ثباتها و الألم الحسي و الخيالي و العقلي على خلاف اللذة في كل من هذه الأبواب. نهايةالحكمة، صفحة 125 و اللذة على أي حال وجودية و الألم عدمي يقابلها تقابل العدم و الملكة. لا يقال لا ريب في أن الألم شر بالذات و إذ كان هو إدراك المنافي بما أنه مناف كان أمرا وجوديا لأن الإدراك أمر وجودي و بهذا ينفسخ قولهم إن الشر عدم لا غير. لأنه يقال وجود كل شي‏ء هو نفس ذلك الشي‏ء ذهنيا كان أو خارجيا فحضور أي أمر عدمي عند المدرك هو نفس ذلك الأمر العدمي لاتحاد الوجود و الماهية و العلم و المعلوم فالألم الموجود في ظرف الإدراك مصداق للألم و هو بعينه الألم العدمي الذي هو شر بالذات. تنبيه ما مر من القول في الكيف و أحكامه و خواصه هو المأثور من الحكماء المتقدمين و للمتأخرين من علماء الطبيعة خوض عميق فيما عده المتقدمون من الكيف عثروا فيه على أحكام و آثار جمة ينبغي للباحث المتدبر أن يراجعها و يراعي جانبها في البحث. الفصل السادس عشر في الإضافة و فيه أبحاث البحث الأول قد عرفت أن سبعا من المقولات أعراض نسبية و هي الإضافة و الأين و نهايةالحكمة، صفحة 126 المتى و الوضع و الجدة و أن يفعل و أن ينفعل و معنى نسبيتها أنها هيئات قائمة بموضوعاتها من نسب موجودة فيها لا أن هذه المقولات عين تلك النسب الوجودية و ذلك أنك عرفت في بحث الوجود الرابط و المستقل أن النسبة رابط موجود في غيره لا استقلال له أصلا لا يحمل على شي‏ء و لا يحمل عليه شي‏ء فلا ماهية له لأن الماهية ما يقال على الشي‏ء في جواب ما هو و المقولات ماهيات جنسية فلا تكون النسبة مقولة و لا داخلة تحت مقولة. على أن النسبة في بعض هذه المقولات متكررة متكثرة و لا معنى لتكرر الماهية كمقولة الإضافة التي يجب فيها تكرر النسبة و مقولة الوضع التي فيها نسبة بعض أجزاء الشي‏ء إلى بعض و نسبة المجموع إلى الخارج و ربما قامت على نسب كثيرة جدا. فتبين أن المقولة النسبية هي هيئة حاصلة للشي‏ء من نسبة كذا و كذا قائمة به. البحث الثاني أن الإضافة هيئة حاصلة من نسبة الشي‏ء إلى شي‏ء آخر منسوب إلى الشي‏ء الأول المنسوب إليه كهيئة الإضافة التي في الأخ فإن فيها نسبة الأخ بالأخوة إلى أخيه المنسوب إلى هذا الأخ المنسوب إليه بالأخوة. فالنسبة التي في مقولة الإضافة متكررة و هو الفرق بين ما فيها من النسبة و بين مطلق النسبة فإن وجود مطلق النسبة واحد قائم بالطرفين مطلقا بخلاف الحال في مقولة الإضافة فإن النسبة فيها متكررة لكل من المضافين نسبة غير ما في الآخر غير أنهما متلازمان لا تنفكان في ذهن و لا خارج. و ما أوردناه من تعريف الإضافة ليس بحد منطقي كما تقدمت الإشارة إليه في نظائره بل رسم إن كان أعرف من المعرف و لعل المعقول من لفظ نهايةالحكمة، صفحة 127 الإضافة مشفعا ببعض ما له من الأمثلة أعرف عند العقل مما أوردناه من الرسم فلا كثير جدوى في إطالة البحث عن قيوده نقضا و إبراما و كذا في سائر ما أوردوه لها من التعاريف. ثم إنه ربما يطلق المضاف و يراد به نفس المقولة و يسمى عندهم بالمضاف الحقيقي و ربما يطلق و يراد به موضوع المقولة و ربما يطلق و يراد به الموضوع و العرض جميعا و يسمى المضاف المشهوري فإن العامة ترى أن المضاف إلى الابن مثلا هو الإنسان المتلبس بالبنوة و الحال أن التعلق من الجانبين إنما هو للإضافة نفسها بالحقيقة. البحث الثالث الإضافة موجودة في الخارج و الحس يؤيد ذلك لوقوعه على أنواع من الإضافات الخارجية التي لها آثار عينية لا يرتاب فيها كإضافة الأب و الابن و العلو و السفل و القرب و البعد و غير ذلك. و أما نحو وجودها فالعقل ينتزع من الموضوعين الواجدين للنسبة المتكررة المتلازمة وصفا ناعتا لهما انتزاعا من غير ضم ضميمة فهي موجودة بوجود موضوعها من دون أن يكون بإزائه وجود منحاز مستقل. قال في الأسفار بعد كلام له في هذا المعنى و بالجملة إن المضاف بما هو مضاف بسيط ليس له وجود في الخارج مستقل مفرد بل وجوده أن يكون لاحقا بأشياء كونها بحيث يكون لها مقايسة إلى غيرها فوجود السماء في ذاتها وجود الجواهر و وجودها بحيث إذا قيس إلى الأرض عقلت الفوقية وجود الإضافات انتهى ج 4 ص 204. نهايةالحكمة، صفحة 128 البحث الرابع من أحكام الإضافة أن المضافين متكافئان وجودا و عدما و قوة و فعلا فإذا كان أحدهما موجودا كان الآخر موجودا و كذا في جانب العدم و إذا كان أحدهما بالقوة فالآخر بالقوة و كذا في جانب الفعل. و اعترض عليه بأنه منقوض بالتقدم و التأخر في أجزاء الزمان فإن المتقدم و المتأخر منها مضافان مع أن وجود أحدهما يلازم عدم الآخر و منقوض أيضا بعلمنا ببعض الأمور المستقبلة فالعلم موجود في الحال و المعلوم معدوم لم يوجد بعد مع أن العلم و المعلوم من المضافين. و أجيب أما عن أول النقضين فبأن معية أجزاء الزمان ليست آنية بأن يكون الجزءان موجودين في آن واحد بل معيتهما اتصالهما في الوجود الوحداني التدريجي الذي معيتهما فيه عين التقدم و التأخر فيه كما أن وحدة العدد عين كثرته. و أما عن النقض الثاني فبأن الإضافة إنما هي بين العلم و بين الصورة الحاضرة من المعلوم عند العالم و هو المعلوم بالذات دون المعلوم بالعرض الذي هو عين خارجي و الأمور المستقبلة حاضرة بصورتها المعلومة بالذات عند العالم و إن كانت غائبة بعينها الخارجية المعلومة بالعرض على أن الحق أن العلم عين المعلوم كما سيأتي في مرحلة العاقل و المعقول. و كما يتكافى المضافان وجودا و عدما و قوة و فعلا كذلك يتكافئان عموما و خصوصا فالأبوة العامة تضايف البنوة العامة و الأبوة الشخصية تضايف البنوة الشخصية. و من خواص الإضافة أنها تعرض جميع المقولات حتى نفسها ففي الجوهر كالأب و الابن و في الكم المتصل كالعظيم و الصغير و في الكم المنفصل نهايةالحكمة، صفحة 129 كالكثير و القليل و في الكيف كالأحر و الأبرد و في الإضافة كالأقرب و الأبعد و في الأين كالعالي و السافل و في المتى كالأقدم و الأحدث و في الوضع كالأشد انتصابا و انحناء و في الجدة كالأكسى و الأعرى و في أن يفعل كالأقطع و الأصرم و في أن ينفعل كالأشد تسخنا و الأضعف. البحث الخامس تنقسم الإضافة إلى متشاكلة الأطراف و هي التي لا اختلاف بين أطرافها كالقريب و القريب و الأخ و الأخ و الجار و الجار و مختلفة الأطراف كالأب و الابن و العالي و السافل. و تنقسم أيضا إلى ما هو خارجي كالأب و الابن و ما هو ذهني كالكلي و الفرد و الأعم و الأخص. الفصل السابع عشر في الأين و فيه أبحاث البحث الأول الأين هيئة حاصلة للجسم من نسبته إلى المكان و المكان بما له من الصفات المعروفة عندنا بديهي الثبوت فهو الذي يصح أن ينتقل الجسم عنه و إليه و أن يسكن فيه و أن يكون ذا وضع أي مشارا إليه بأنه هنا أو هناك و أن يكون مقدرا له نصف و ثلث و ربع و أن يكون بحيث يمتنع حصول جسمين في واحد منه قال صدر المتألهين قده هذه أربع أمارات تصالح نهايةالحكمة، صفحة 130 عليها المتنازعون لئلا يكون النزاع لفظيا ج 4 ص 39. و قد اختلفوا في حقيقته على أقوال خمسة أحدها أنه هيولى الجسم و الثاني أنه الصورة و الثالث أنه سطح من جسم يلاقي المتمكن سواء كان حاويا أو محويا له و الرابع أنه السطح الباطن من الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوي و هو قول المعلم الأول و تبعه الشيخان الفارابي و ابن سينا و الخامس أنه بعد يساوي أقطار الجسم المتمكن فيكون بعدا جوهريا مجردا عن المادة و هو قول أفلاطون و الرواقيين و اختاره المحقق الطوسي ره و صدر المتألهين فهذه أقوال خمسة. سادسها قول بعضهم بإنكار المكان و إذ كانت الأمارات الأربع المذكورة آنفا بديهية لا يرتاب فيها فعلى المنكرين أن يرجعوه إلى مقولة الوضع فغيرها من الجوهر و سائر الأعراض لا ينطبق عليه البتة لكن يرد عليه أن الجسم ربما ينتقل من مكان إلى مكان مع عدم التغير في جوهره و سائر أعراضه غير الأين و ربما يعرضه التغير فيه مع عدم الانتقال فالمكان غير الجميع حتى الوضع. و القول بأنه الهيولى أو الصورة لا تنطبق عليه الأمارات السابقة فإن المكان يطلب بالحركة و يترك بالحركة و الهيولى و كذا الصورة لا تطلبان بالحركة و لا تتركان بالحركة و أيضا المركب ينسب إلى الهيولى فيقال باب خشبي أو من حديد و لا ينسب إلى المكان. فالمعتمد هو القول بالسطح أو البعد الجوهري المجرد عن المادة و للفريقين احتجاجات و مشاجرات طويلة مذكورة في المطولات. و من أقوى ما يورد على القول بالسطح أن لازمه كون الشي‏ء ساكنا و متحركا في زمان واحد فالطير الواقف في الهواء و السمك الواقف في الماء عند ما يجري الهواء و الماء عليهما يجب أن يكونا متحركين لتبدل السطح المحيط بهما من الهواء و الماء و هما ساكنان بالضرورة و أيضا المكان متصف بالفراغ و نهايةالحكمة، صفحة 131 الامتلاء و ذلك نعت البعد لا نعت السطح. و من أقوى ما يورد على القول بالبعد الجوهري المجرد أن لازمه تداخل المقدارين و هو محال فإن فيه حلول الجسم بمقداره الشخصي الذاهب في الأقطار الثلاثة في المكان الذي هو مقدار شخصي يساويه و رجوعهما مقدارا شخصيا واحدا و لا ريب في امتناعه اللهم إلا أن يمنع ذلك بأن من الجائز أن يكون المانع هو الهيولى مع المقدار أو الصورة مع المقدار أو هما معه. البحث الثاني قد عرفت أن الأين هيئة حاصلة للشي‏ء من نسبته إلى المكان و الكلام في كونه هيئة حاصلة من النسبة لا نفس وجود النسبة نظير ما تقدم في الإضافة. البحث الثالث قد يقسم الأين إلى أول حقيقي و ثان غير حقيقي فالأول كون الشي‏ء في مكانه الخاص به الذي لا يسعه فيه غيره معه ككون الماء في الكوز و الثاني نظير قولنا فلان في البيت فليس البيت مشغولا به وحده بل يسعه و غيره و أبعد منه كونه في الدار ثم في البلد و هكذا و التقسيم غير حقيقي و المقسم هو الأين بحسب توسع العرف العام. و يقرب منه تقسيمه إلى أين جنسي و هو الكون في المكان و أين نوعي كالكون في الهواء و أين شخصي ككون هذا الشخص في هذا الوقت في مكانه الحقيقي نهايةالحكمة، صفحة 132 الفصل الثامن عشر في المتى و هو الهيئة الحاصلة للشي‏ء من نسبته إلى الزمان سيأتي إن شاء الله أن لكل حركة بما لها من الوجود السيال التدريجي مقدارا غير قار يخصها و يغاير ما لغيرها من الامتداد غير القار. فلكل حركة خاصة واحدة بالعدد زمان خاص واحد بالعدد غير أن بعض هذه الأزمنة يقبل الانطباق على بعض و الزمان العام المستمر الذي نقدر به الحركات زمان الحركة اليومية المأخوذ مقياسا نقيس به الأزمنة و الحركات فيتعين به نسب بعضها إلى بعض بالتقدم و التأخر و الطول و القصر و للحوادث بحسب ما لها من النسبة إلى الزمان هيئة حاصلة لها هي المتى. و يقرب الكلام في المتى من الكلام في الأين فهناك متى يخص الحركة لا يسع معها غيرها و هو المتى الأول الحقيقي و منه ما يعمها و غيرها ككون هذه الحركة الواقعة في ساعة كذا أو في يوم كذا أو في شهر كذا أو في سنة كذا أو في قرن كذا و هكذا و الفرق بين الأين و المتى في هذا الباب أن الزمان الخاص الواحد يشترك فيه كثيرون بانطباقها عليه بخلاف الأين الخاص الواحد فلا يسع إلا جسما واحدا. و ينقسم المتى نوع انقسام بانقسام الحوادث الزمانية فمنها ما هي تدريجية الوجود ينطبق على الزمان نفسه و منها ما هي آنية الوجود ينتسب إلى طرف الزمان كالوصولات و المماسات و الانفصالات. و ينقسم أيضا كما قيل إلى ما بالذات و ما بالعرض فما بالذات متى نهايةالحكمة، صفحة 133 الحركات المنطبقة على الزمان بذاتها و ما بالعرض متى المتحركات المنطبقة عليه بواسطة حركاتها و أما بحسب جوهر ذاتها فلا متى لها و هذا مبني على منع الحركة الجوهرية و أما على القول بها كما سيأتي إن شاء الله فلا فرق بين الحركة و المتحرك في ذلك و ينقسم أيضا بانقسام المقولات الواقعة فيها الحركات الفصل التاسع عشر في الوضع الوضع هو الهيئة الحاصلة للشي‏ء من نسبة بعض أجزائه إلى بعض و المجموع إلى الخارج كهيئة القيام و القعود و الاستلقاء و الانبطاح. و ينقسم الوضع إلى ما بالطبع و ما لا بالطبع أما الذي بالطبع فكاستقرار الشجرة على أصلها و ساقها و الذي لا بالطبع فكحال ساكن البيت من البيت و ينقسم إلى ما بالفعل و ما بالقوة. قيل الوضع مما يقع فيه التضاد و الشدة و الضعف أما التضاد فمثل كون الإنسان رأسه إلى السماء و رجلاه إلى الأرض مضادا لوضعه إذا كان معكوسا و الوضعان معنيان وجوديان متعاقبان على موضوع واحد من غير أن يجتمعا فيه و بينهما غاية الخلاف و كذا الحال في الاستلقاء و الانبطاح و أما الشدة فكالأشد انتصابا أو الأكثر انحناء. و في تصوير غاية الخلاف في الوضع خفاء فليتأمّل. تنبيه للوضع معنيان آخران غير المعنى المقولي أحدهما كون الشي‏ء قابلا نهايةالحكمة، صفحة 134 للإشارة الحسية و الإشارة كما نقل عن الشفاء تعيين الجهة التي تخص الشي‏ء من جهات هذا العالم و عليه فكل جسم و جسماني يقبل الوضع بهذا المعنى فالنقطة ذات وضع بخلاف الوحدة. و ثانيهما معنى أخص من الأول و هو كون الكم قابلا للإشارة الحسية بحيث يقال أين هو من الجهات و أين بعض أجزائه المتصلة به من بعض. لكن نوقش فيه بأن الخط و السطح بل الجسم التعليمي لا أين لها لو لا تعلقها بالمادة الجسمانية فلا يكفي مجرد الاتصال الكمي في إيجاب قبول الإشارة الحسية حتى يقارن المادة نعم للصورة الخيالية المجردة من الكم إشارة خيالية و كذا للصورة العقلية إشارة تسانخها. الفصل العشرون في الجدة و تسمى أيضا الملك و هي الهيئة الحاصلة من إحاطة شي‏ء بشي‏ء بحيث ينتقل المحيط بانتقال المحاط و الموضوع هو المحاط فالإحاطة التامة كإحاطة إهاب الحيوان به و الإحاطة الناقصة كما في التقمص و التنعل و التختم و نحو ذلك و تنقسم إلى جدة طبيعية كما في المثال الأول و غير طبيعية كما في غيره من الأمثلة. قال في الأسفار و قد يعبر عن الملك بمقولة له فمنه طبيعي ككون القوى للنفس و منه اعتبار خارجي ككون الفرس لزيد ففي الحقيقة الملك يخالف هذا الاصطلاح فإن هذا من مقولة المضاف لا غير انتهى ج 4 ص 223. و الحق أن الملك الحقيقي الذي في مثل كون القوى للنفس حيثية وجودية نهايةالحكمة، صفحة 135 هي قيام وجود شي‏ء بشي‏ء بحيث يختص به فيتصرف فيه كيف شاء فليس معنى مقوليا و الملك الاعتباري الذي في مثل كون الفرس لزيد اعتبار للملك الحقيقي دون مقولة الإضافة و سنشير إن شاء الله إلى هذا البحث في مرحلة العاقل و المعقول الفصل الحادي و العشرون في مقولتي أن يفعل و أن ينفعل أما الأول فهو هيئة غير قارة حاصلة في الشي‏ء المؤثر من تأثيره ما دام يؤثر كتسخين المسخن ما دام يسخن و تبريد المبرد ما دام يبرد. و أما الثاني فهو هيئة غير قارة حاصلة في المتأثر ما دام يتأثر كتسخن المتسخن ما دام يتسخن و تبرد المتبرد ما دام يتبرد. و من خاصة هاتين المقولتين أولا كما يظهر من الأمثلة أنهما تعرضان غيرهما من المقولات كالكيف و الكم و الوضع و غيرها و ثانيا أن معروضهما من حيث هو معروض لا يخلو عن حركة و لذا عبر عنهما بلفظ أن يفعل و أن ينفعل الظاهرين في الحركة و التدرج دون الفعل و الانفعال الذين ربما يستعملان في التأثير و التأثر الدفعي غير التدريجي و بالجملة المقولتان هيئتان عارضتان لمعروضهما من جملة ما له من الحركة. قال في الأسفار و اعلم أن وجود كل منهما في الخارج ليس عبارة عن نفس السلوك إلى مرتبة فإنه بعينه معنى الحركة و لا أيضا وجود كل منهما وجود المقولات التي يقع بها التحريك و التحرك كالكيف مثل السواد و الكم مثل مقدار الجسم النامي أو الوضع كالجلوس و الانتصاب و لا غير ذلك. بل وجودهما عبارة عن وجود شي‏ء من هذه المقولات ما دام يؤثر أو يتأثر نهايةالحكمة، صفحة 136 فوجود السواد أو السخونة مثلا من حيث إنه سواد من باب مقولة الكيف و وجود كل منهما من حيث كونه تدريجيا يحصل منه تدريجي آخر أو يحصل من تدريجي آخر هو من مقولة أن يفعل أو أن ينفعل. و أما نفس سلوكه التدريجي أي خروجه من القوة إلى الفعل سواء كان في جانب الفاعل أو في جانب المنفعل فهو عين الحركة لا غير فقد ثبت نحو ثبوتهما في الخارج و عرضيتهما انتهى ج 4 ص 225. و أما الإشكال في وجود المقولتين بأن تأثير المؤثر يمتنع أن يكون وصفا ثبوتيا زائدا على ذات المؤثر و إلا افتقر إلى تأثير آخر في ذلك التأثير و ننقل الكلام إليه فيتسلسل ذاهبا إلى غير النهاية و هو محصور بين حاصرين المؤثر و المتأثر. و يجري نظير الإشكال في زيادة تأثر المتأثر على ذات المتأثر فلو كان قبول الأثر زائدا على ذات القابل احتاج إلى قبول آخر و ننقل الكلام إليه فيتسلسل و هو محصور بين حاصرين فالتأثير و التأثر سواء كانا دفعيين أو تدريجيين وصفان عدميان غير موجودين في الخارج. فيدفعه أنه إنما يتم فيما كان الأثر الثبوتي المفروض موجودا بوجود منحاز يحتاج إلى تأثير منحاز جديد يخصه و أما لو كان ثابتا بثبوت أمر آخر فهو مجعول بعين الجعل المتعلق بمتبوعه و التأثير و التأثر التدريجيان موجودان بعين إيجاد الكيف كالسواد في المسود و المتسود و لا دليل على وجود الشي‏ء أقوى من صدق مفهومه على عين خارجي في قضية خارجية نهايةالحكمة، صفحة 137 المرحلة السابعة في الواحد و الكثير و فيها تسعة فصول نهايةالحكمة، صفحة 138 الفصل الأول في أن مفهوم الوحدة و الكثرة بديهي غني عن التعريف ينقسم الموجود إلى الواحد و الكثير فكل موجود إما واحد و إما كثير و الحق أن الوحدة و الكثرة من المفاهيم العامة الضرورية التصور المستغنية عن التعريف كالوجوب و الإمكان و لذا كان ما عرفوهما به من التعريف لا يخلو من دور و تعريف الشي‏ء بنفسه كتعريف الواحد بأنه الذي لا ينقسم من الجهة التي يقال إنه واحد ففيه أخذ الانقسام الذي هو الكثرة في تعريف الواحد مضافا إلى كونه تعريفا للواحد بالواحد ثم تعريف الكثير بأنه المجتمع من الوحدات و فيه أخذ الوحدة في تعريف الكثير و قد كانت الكثرة مأخوذة في حد الواحد و هو الدور مضافا إلى كونه تعريفا للكثير بالمجتمع و هو الكثير بعينه فالحق أن تعريفهما بما عرفا به تعريف لفظي يراد به التنبيه على معناهما و تمييزه من بين المعاني المخزونة عند النفس فالواحد هو الذي لا ينقسم من حيث إنه لا ينقسم و التقييد بالحيثية ليندرج فيه الواحد غير الحقيقي الذي ينقسم من بعض الوجوه و الكثير هو الذي ينقسم من حيث إنه ينقسم. فقد تحصل أن الموجود ينقسم إلى الواحد و الكثير و هما معنيان متباينان تباين أحد القسمين للآخر. نهايةالحكمة، صفحة 139 تنبيه قالوا إن الوحدة تساوق الوجود فكل موجود فهو واحد من جهة أنه موجود حتى أن الكثرة الموجودة من حيث هي موجودة كثرة واحدة كما يشهد بذلك عروض العدد لها و العدد مؤلف من آحاد يقال كثرة واحدة و كثرتان و كثرات ثلاث و عشرة واحدة و عشرتان و عشرات ثلاث و هكذا. و ربما يتوهم أن انقسام الموجود إلى الواحد و الكثير ينافي كون الواحد مساوقا للموجود و ذلك أن الكثير من حيث هو كثير موجود لمكان الانقسام المذكور و الكثير من حيث هو كثير ليس بواحد ينتج أن بعض الموجود ليس بواحد و هو يناقض قولهم كل موجود فهو واحد. و يدفعه أن للواحد اعتبارين اعتباره في نفسه من غير قياس بعض مصاديقه إلى بعض فيساوق الموجود و يعم مصاديقه من واحد و كثير و اعتباره بقياس بعض مصاديقه إلى بعض فهناك مصاديق لا يوجد فيها من معنى عدم الانقسام ما يوجد في مصاديق أخر كالعشرة التي لا يوجد فيها من معنى عدم الانقسام ما يوجد في الواحد و إن كان فيها ذلك إذا قيس إلى العشرات فالكثير الذي ليس بالواحد هو المقيس من حيث هو مقيس و الذي يقابله هو الواحد بالاعتبار الثاني و أما الواحد بالاعتبار الأول فهو يعم الواحد و الكثير القسيمين جميعا. و نظير ذلك انقسام مطلق الموجود إلى ما بالقوة و ما بالفعل مع مساوقة ما بالفعل لمطلق الموجود و انقسام الوجود إلى ذهني و خارجي يترتب عليه الآثار مع مساوقة الخارجي المترتب عليه الآثار لمطلق الوجود فكل ذلك من الاختلافات التشكيكية التي لحقيقة الوجود المشككة. و نظير هذا التوهم ما ربما يتوهم أن الوحدة من المعاني الانتزاعية العقلية نهايةالحكمة، صفحة 140 و لو كانت حقيقة خارجية لكانت لها وحدة و لوحدتها وحدة و هلم جرا فيتسلسل. و يدفعه أن وحدتها عين ذاتها فهي واحدة بذاتها نظير ما تقدم في الوجود أنه موجود بذاته من غير حاجة إلى وجود زائد على ذاته الفصل الثاني في أقسام الواحد الواحد إما حقيقي و إما غير حقيقي و الحقيقي ما اتصف بالوحدة لذاته من غير واسطة في العروض كالإنسان الواحد و غير الحقيقي بخلافه كالإنسان و الفرس المتحدين في الحيوان و ينتهي لا محالة إلى واحد حقيقي. و الواحد الحقيقي إما ذات هي عين الوحدة و إما ذات متصفة بالوحدة و الأول هو صرف الشي‏ء الذي لا يتثنى و لا يتكرر و تسمى وحدته وحدة حقة و الواحد و الوحدة هناك شي‏ء واحد و الثاني كالإنسان الواحد. و الواحد بالوحدة غير الحقة إما واحد بالخصوص و إما واحد بالعموم و الأول هو الواحد بالعدد الذي يفعل بتكرره العدد و الثاني كالنوع الواحد و الجنس الواحد. و الواحد بالخصوص إما أن لا ينقسم من حيث طبيعته المعروضة للوحدة أيضا كما لا ينقسم من حيث صفة وحدته أو ينقسم و الأول إما نفس مفهوم الوحدة و عدم الانقسام و إما غيره و غيره إما وضعي كالنقطة الواحدة و إما غير وضعي كالمفارق و هو إما متعلق بالمادة بوجه كالنفس المتعلقة بالمادة في فعلها و إما غير متعلق بها أصلا كالعقل و الثاني و هو الذي يقبل الانقسام بحسب طبيعته المعروضة للوحدة إما أن يقبله بالذات كالمقدار الواحد و إما نهايةالحكمة، صفحة 141 أن يقبله بالعرض كالجسم الطبيعي الواحد من جهة مقداره. و الواحد بالعموم إما واحد بالعموم المفهومي و إما واحد بالعموم بمعنى السعة الوجودية و الأول إما واحد نوعي كالإنسان و إما واحد جنسي كالحيوان و إما واحد عرضي كالماشي و الضاحك و الواحد بالعموم بمعنى السعة الوجودية كالوجود المنبسط. و الواحد غير الحقيقي و هو ما اتصف بالوحدة بعرض غيره لاتحاده به نوعا من الاتحاد كزيد و عمرو المتحدين في الإنسان و الإنسان و الفرس المتحدين في الحيوان و يختلف أسماء الواحد غير الحقيقي باختلاف جهة الوحدة فالاتحاد في معنى النوع يسمى تماثلا و في معنى الجنس تجانسا و في الكيف تشابها و في الكم تساويا و في الوضع توازيا و تطابقا. و وجود كل من الأقسام المذكورة ظاهر و كذا كون الوحدة واقعة على أقسامها وقوع المشكك على مصاديقه بالاختلاف كذا قرروا. الفصل الثالث في أن من لوازم الوحدة الهوهوية و من لوازم الكثرة الغيرية من عوارض الوحدة الهوهوية كما أن من عوارض الكثرة الغيرية و المراد بالهوهوية الاتحاد من جهة ما مع الاختلاف من جهة ما و لازم ذلك صحة الحمل بين كل مختلفين بينهما اتحاد ما و إن اختص الحمل بحسب التعارف ببعض أقسام الاتحاد. و اعترض عليه بأن لازم عموم صحة الحمل في كل اتحاد ما من مختلفين هو نهايةالحكمة، صفحة 142 صحة الحمل في الواحد المتصل المقداري الذي له أجزاء كثيرة بالقوة موجودة بوجود واحد بالفعل بأن يحمل بعض أجزائه على بعض و بعض أجزائه على الكل و بالعكس فيقال هذا النصف من الذراع هو النصف الآخر و هذا النصف هو الكل أو كله هو نصفه و بطلانه ضروري. و الجواب كما أفاده صدر المتألهين قده أن المتصل الوحداني ما لم ينقسم بواحد من أنحاء القسمة خارجا أو ذهنا لم يتحقق فيه كثرة أصلا فلم يتحقق شرط الحمل الذي هو وحدة ما مع كثرة ما فلم يتحقق حمل و إذا انقسم بأحد أنحاء القسمة بطلت هويته الواحدة و انعدم الاتصال الذي هو جهة وحدته فلم يتحقق شرط الحمل الذي هو كثرة ما مع وحدة ما فلم يتحقق حمل. فقد تبين أن بين كل مختلفين من وجه متحدين من وجه حملا إذا جامع الاتحاد الاختلاف لكن التعارف العامي كما أشرنا إليه خص الحمل على موردين من الاتحاد مع الاختلاف. أحدهما أن يتحد الموضوع و المحمول مفهوما مع اختلافهما بنوع من الاعتبار كالاختلاف بالإجمال و التفصيل في قولنا الإنسان حيوان ناطق فإن الحد عين المحدود مفهوما و إنما يختلفان بالإجمال و التفصيل و الاختلاف بالإبهام و غيره في قولنا الإنسان حيوان فإن الجنس هو النوع مبهما و الاختلاف بالتحصيل و غيره في قولنا الإنسان ناطق فإن الفصل هو النوع محصلا كما مر في مباحث الماهية و كالاختلاف بفرض الشي‏ء مسلوبا عن نفسه فيغاير نفسه نفسه ثم يحمل على نفسه لدفع توهم المغايرة فيقال مثلا الإنسان إنسان و لما كان هذا الحمل ربما يعتبر في الوجود العيني كان الأصوب أن يعرف باتحاد الموضوع و المحمول ذاتا و يسمى هذا الحمل حملا أوليا ذاتيا. و ثانيهما أن يختلفا مفهوما و يتحدا وجودا كما في قولنا زيد إنسان نهايةالحكمة، صفحة 143 و قولنا القطن أبيض و قولنا الضاحك متعجب و يسمى هذا الحمل حملا شائعا صناعيا. و هاهنا نكتة يجب التنبيه عليها و هي أنه قد تقدم في المباحث السابقة أن الوجود ينقسم إلى ما في نفسه و ما في غيره و ينقسم أيضا إلى ما لنفسه و ما لغيره و هو الوجود النعتي و تقدم أيضا امتناع أن توجد ماهيتان بوجود واحد نفسي بأن يطرد وجود واحد العدم عن نفس ماهيتين متباينتين و هو وحدة الكثير المستحيلة عقلا. و من هنا يتبين أن الحمل الذي هو اتحاد المختلفين بوجه لا يتحقق في وجود المختلفين النفسي و إنما يتحقق في الوجود النعتي بأن يكون أحد المختلفين ناعتا بوجوده للآخر و الآخر منعوتا به و بعبارة أخرى أحد المختلفين هو الذات بوجوده النفسي و الآخر هو الوصف بوجوده النفسي و اتحادهما في الوجود النعتي الذي يعطيه الوصف للذات و هذا معنى قول المنطقيين إن القضية تنحل إلى عقدين عقد الوضع و لا يعتبر فيه إلا الذات و ما فيه من الوصف عنوان مشير إلى الذات فحسب و عقد الحمل و المعتبر فيه الوصف فقط و هاهنا نوع ثالث من الحمل يستعمله الحكيم مسمى بحمل الحقيقة و الرقيقة مبني على اتحاد الموضوع و المحمول في أصل الوجود و اختلافهما بالكمال و النقص يفيد وجود الناقص في الكامل بنحو أعلى و أشرف و اشتمال المرتبة العالية من الوجود على كمال ما دونها من المراتب. الفصل الرابع في انقسام الحمل إلى هو هو و ذي هو ينقسم الحمل إلى حمل هو هو و حمل ذي هو و الأول ما يثبت فيه المحمول نهايةالحكمة، صفحة 144 للموضوع بلا توقف على اعتبار أمر زائد كقولنا الإنسان ضاحك و يسمى أيضا حمل المواطاة و الثاني أن يتوقف ثبوت المحمول للموضوع على اعتبار أمر زائد كتقدير ذي أو الاشتقاق كقولنا زيد عدل أي ذو عدل أو عادل. و ينقسم أيضا إلى بتي و غير بتي و الأول ما كان لموضوعه أفراد محققة يصدق عليها بعنوانه كقولنا الإنسان كاتب و الكاتب متحرك الأصابع و الثاني ما كان لموضوعه أفراد مقدرة غير محققة كقولنا المعدوم المطلق لا يخبر عنه و قولنا اجتماع النقيضين محال. و ينقسم أيضا إلى بسيط و مركب و يسميان الهلية البسيطة و الهلية المركبة و الهلية البسيطة ما كان المحمول فيها وجود الموضوع كقولنا الإنسان موجود و الهلية المركبة ما كان المحمول فيها أثرا من آثاره و عرضيا من عرضياته كقولنا الإنسان ضاحك فهي تدل على ثبوت شي‏ء لشي‏ء بخلاف الهلية البسيطة حيث تدل على ثبوت الشي‏ء. و بذلك يندفع ما أورده بعضهم على كلية قاعدة الفرعية القائلة إن ثبوت شي‏ء لشي‏ء فرع ثبوت المثبت له بانتقاضه بمثل قولنا الماهية موجودة حيث إن ثبوت الوجود للماهية بناء على ما يقتضيه قاعدة الفرعية فرع ثبوت الماهية و ننقل الكلام إلى ثبوتها فهو فرع ثبوتها قبل و هلم جرا فيتسلسل و الجواب على ما تحصل أن القضية هلية بسيطة و الهلية البسيطة إنما تدل على ثبوت الشي‏ء لا على ثبوت شي‏ء لشي‏ء حتى يقتضي وجودا للماهية قبل وجودها هذا. و أما ما أجاب به بعضهم عن الإشكال بتبديل الفرعية من الاستلزام و أن الحق أن ثبوت شي‏ء لشي‏ء مستلزم لثبوت المثبت له و لو بنفس هذا الثبوت و ثبوت الوجود للماهية مستلزم لثبوت الماهية بنفس هذا الثبوت فهو تسليم للإشكال و أسوء حالا منه قول بعضهم إن القاعدة مخصصة بثبوت الوجود للماهية هذا. نهايةالحكمة، صفحة 145 الفصل الخامس في الغيرية و أقسامها قد تقدم أن من عوارض الكثرة الغيرية و تنقسم الغيرية إلى ذاتية و غير ذاتية فالغيرية الذاتية هي أن يدفع أحد شيئين الآخر بذاته فلا يجتمعان لذاتيهما كالمغايرة بين الوجود و العدم و تسمى تقابلا و قد عرفوا التقابل بأنه امتناع اجتماع شيئين في محل واحد من جهة واحدة في زمان واحد و نسبة امتناع الاجتماع إلى شيئين للدلالة على كونه لذاتيهما و المراد بالمحل الواحد مطلق الموضوع و لو بحسب فرض العقل حتى يشمل تقابل الإيجاب و السلب حيث إن متن القضية كالموضوع لهما و تقييد التعريف بجهة واحدة لإخراج ما اجتمع منهما في شي‏ء واحد من جهتين ككون زيد أبا لعمرو و ابنا لبكر و التقييد بوحدة الزمان ليشمل ما كان من التقابل زمانيا فليس عروض الضدين لموضوع واحد في زمانين مختلفين ناقضا للتعريف. و لا ينتقض التعريف بالمثلين الممتنع اجتماعهما عقلا لأن أحد المثلين لا يدفع الآخر بذاته التي هي الماهية النوعية المشتركة بينهما و إنما يمتنع اجتماعهما لاستحالة تكرر الوجود الواحد كما تقدم في مباحث الوجود و لا ينتقض أيضا بنقيض اللازم و عين الملزوم فإن نقيض اللازم إنما يعاند عين الملزوم لمعاندته اللازم الذي هو نقيضه فامتناع اجتماعه مع الملزوم بعرض نقيضه لا لذاته. و الغيرية غير الذاتية أن يكون الشيئان لا يجتمعان لأسباب أخر غير ذاتيهما كافتراق الحلاوة و السواد في السكر و الفحم و تسمى خلافا و يسمى أيضا الغير بحسب التشخص و العدد. نهايةالحكمة، صفحة 146 و التقابل ينقسم إلى أربعة أقسام و هي تقابل التناقض و تقابل العدم و الملكة و تقابل التضايف و تقابل التضاد و الأصوب في ضبط الأقسام أن يقال إن المتقابلين إما أن يكون أحدهما عدما للآخر أو لا و على الأول إما أن يكون هناك موضوع قابل كالبصر و العمى فهو تقابل العدم و الملكة أو لا يكون كالإيجاب و السلب و هو تقابل التناقض و على الثاني و هو كونهما وجوديين فإما أن لا يعقل أحدهما إلا مع الآخر و بالقياس إليه كالعلو و السفل و هو تقابل التضايف أو لا و هو تقابل التضاد. الفصل السادس في تقابل التناقض و هو تقابل الإيجاب و السلب كقولنا زيد أبيض و ليس زيد بأبيض أو ما هو في معنى الإيجاب و السلب من المفردات كالإنسان و اللاإنسان و العمى و اللاعمى و المعدوم و اللامعدوم. و النقيضان لا يصدقان معا و لا يكذبان معا و إن شئت فقل لا يجتمعان و لا يرتفعان فمآل تقابل التناقض إلى قضية منفصلة حقيقية هي قولنا إما أن يصدق الإيجاب و إما أن يصدق السلب. فالتناقض في الحقيقة بين الإيجاب و السلب و لا ينافي ذلك تحقق التناقض بين المفردات فكل مفهوم أخذناه في نفسه ثم أضفنا إليه معنى النفي كالإنسان و اللاإنسان و الفرس و اللافرس تحقق التناقض بين المفهومين و ذلك أنا إذا أخذنا مفهومين متناقضين كالإنسان و اللاإنسان لم نرتب أن التقابل قائم بالمفهومين على حد سواء فالإنسان يطرد بذاته اللاإنسان كما أن اللاإنسان يطرد بذاته الإنسان و ضروري أنه لو لم يعتبر الثبوت و الوجود في نهايةالحكمة، صفحة 147 جانب الإنسان لم يطارد اللاإنسان و لم يناقضه فالإنسان و اللاإنسان إنما يتناقضان لأنهما في معنى وجود الإنسان و عدم الإنسان و لا يتم ذلك إلا باعتبار قيام الوجود بالإنسان و كذا العدم فالإنسان و اللاإنسان إنما يتناقضان لانحلالهما إلى الهليتين البسيطتين و هما قضيتا الإنسان موجود و ليس الإنسان بموجود. و نظير الكلام يجري في المتناقضين قيام زيد و لا قيام زيد فهما في معنى وجود القيام لزيد و عدم القيام لزيد و هما ينحلان إلى هليتين مركبتين هما قولنا زيد قائم و قولنا ليس زيد بقائم فتقابل التناقض بالحقيقة بين الإيجاب و السلب و إن شئت فقل بين الوجود و العدم غير أنه سيأتي في مباحث العاقل و المعقول إن شاء الله تعالى أن العقل إنما ينال مفهوم الوجود أولا معنى حرفيا في القضايا ثم يسبك منه المعنى الإسمي بتبديله منه و أخذه مستقلا بعد ما كان رابطا و يصور للعدم نظير ما جرى عليه في الوجود فتقابل التناقض بين الإيجاب و السلب أولا و بالذات و بين غيرهما بعرضهما. فما في بعض العبارات من نسبة التناقض إلى القضايا كما في عبارة التجريد إن تقابل السلب و الإيجاب راجع إلى القول و العقد انتهى أريد به السلب و الإيجاب من حيث الإضافة إلى مضمون القضية بعينه و قد ظهر أيضا أن قولهم نقيض كل شي‏ء رفعه أريد فيه بالرفع الطرد الذاتي فالإيجاب و السلب يطرد كل منهما بالذات ما يقابله. و أما تفسير من فسر الرفع بالنفي و السلب فصرح بأن نقيض الإنسان هو اللاإنسان و نقيض اللاإنسان اللالاإنسان و أما الإنسان فهو لازم النقيض و ليس بنقيض فلازم تفسيره كون تقابل التناقض من جانب واحد دائما و هو ضروري البطلان. و من أحكام تقابل التناقض أن تقابل النقيضين إنما يتحقق في الذهن أو في اللفظ بنوع من المجاز لأن التقابل نسبة قائمة بطرفين و أحد الطرفين في نهايةالحكمة، صفحة 148 المتناقضين هو العدم و العدم اعتبار عقلي لا مصداق له في الخارج و هذا بخلاف تقابل العدم و الملكة فإن العدم فيه كما سيأتي إن شاء الله عدم مضاف إلى أمر موجود فله حظ من الوجود فالتقابل فيه قائم في الحقيقة بطرفين موجودين. و من أحكام هذا التقابل امتناع الواسطة بين المتقابلين به فلا يخلو شي‏ء من الأشياء عن صدق أحد النقيضين فكل أمر مفروض إما هو زيد مثلا أو ليس بزيد و إما هو أبيض أو ليس بأبيض و هكذا فكل نقيضين مفروضين يعمان جميع الأشياء. و من أحكام هذا التقابل أن النقيضين لا يصدقان معا و لا يكذبان معا على سبيل القضية المنفصلة الحقيقية كما تقدمت الإشارة إليه و هي قولنا إما أن يصدق الإيجاب أو يصدق السلب و هي قضية بديهية أولية يتوقف عليها صدق كل قضية مفروضة ضرورية كانت أو نظرية فليس يصدق قولنا الأربعة زوج مثلا إلا إذا كذب قولنا ليست الأربعة بزوج و ليس يصدق قولنا العالم حادث إلا إذا كذب قولنا ليس العالم بحادث و لذا سميت قضية امتناع اجتماع النقيضين و ارتفاعهما بأولى الأوائل. و لذا كان الشك في صدق هذه المنفصلة الحقيقية مزيلا للعلم بكل قضية مفروضة إذ لا يتحقق العلم بصدق قضية إلا إذا علم بكذب نقيضها و الشك في هذه المنفصلة الحقيقية يوجب الشك في كذب النقيض و لازمه الشك في صدق النقيض الآخر ففي الشك فيها هلاك العلم كله و فساده من أصله و هو أمر تدفعه الفطرة الإنسانية و ما يدعيه السوفسطي من الشك دعوى لا تتعدى طور اللفظ البتة و سيأتي تفصيل القول فيه. نهايةالحكمة، صفحة 149 الفصل السابع في تقابل العدم و الملكة و يسمى أيضا تقابل العدم و القنية و هما أمر وجودي عارض لموضوع من شأنه أن يتصف به و عدم ذلك الأمر الوجودي في ذلك الموضوع كالبصر و العمى الذي هو فقد البصر من موضوع من شأنه أن يكون بصيرا. و لا يختلف الحال في تحقق هذا التقابل بين أن يؤخذ موضوع الملكة هو الطبيعة الشخصية أو الطبيعة النوعية أو الجنسية فإن الطبيعة الجنسية و كذا النوعية موضوعان لوصف الفرد كما أن الفرد موضوع له فعدم البصر في العقرب كما قيل عمى و عدم ملكة لكون جنسه و هو الحيوان من شأنه أن يكون بصيرا و إن لم يتصف به طبيعة العقرب النوعية و كذا المرودة و عدم التحاء الإنسان قبل أوان البلوغ عدم ملكة لكون الطبيعة النوعية التي للإنسان من شأنها ذلك و إن كان صنف غير البالغ لا يتصف به و يسمى تقابل العدم و الملكة بهذا الإطلاق حقيقيا. و ربما قيد بالوقت باشتراط أن يكون العدم في وقت الملكة و يسمى التقابل حينئذ بالمشهوري و عليه فمرودة الإنسان قبل أوان البلوغ ليست من عدم الملكة في شي‏ء و كذا فقد العقرب للبصر ليس بعمى. و هو أشبه بالاصطلاح فلا يضر خروج الموارد التي يكون الموضوع فيها هو الجنس أو النوع من تقابل العدم و الملكة مع عدم دخولها في التقابلات الثلاثة الباقية و أقسام التقابل منحصرة في الأربعة. نهايةالحكمة، صفحة 150 الفصل الثامن في تقابل التضايف المتضايفان كما تحصل من التقسيم أمران وجوديان لا يعقل أحدهما إلا مع تعقل الآخر فهما على نسبة متكررة لا يعقل أحدهما إلا مع تعقل الآخر المعقول به و لذلك يمتنع اجتماعهما في شي‏ء من جهة واحدة لاستحالة دوران النسبة بين الشي‏ء و نفسه. و قد أورد على كون التضايف أحد أقسام التقابل الأربعة بأن مطلق التقابل من أقسام التضايف إذ المتقابلان بما هما متقابلان متضايفان فيكون عد التضايف من أقسام التقابل من قبيل جعل الشي‏ء قسيما لقسمه. و أجيب عنه بأن مفهوم التقابل من مصاديق التضايف و مصداق التضايف من أقسام التقابل و مصاديقه فالقسم من التضايف هو مفهوم التقابل و القسيم له هو مصداقه و كثيرا ما يكون المفهوم الذهني فردا لمقابله كمفهوم الجزئي الذي هو فرد للكلي و مقابل له باعتبارين فلا إشكال. و من أحكام التضايف أن المتضايفين متكافئان وجودا و عدما و قوة و فعلا فإذا كان أحدهما موجودا فالآخر موجود بالضرورة و إذا كان أحدهما معدوما فالآخر معدوم بالضرورة و إذا كان أحدهما بالقوة أو بالفعل فالآخر كذلك بالضرورة. و لازم ذلك أنهما معان لا يتقدم أحدهما على الآخر لا ذهنا و لا خارجا. نهايةالحكمة، صفحة 151 الفصل التاسع في تقابل التضاد قد عرفت أن المتحصل من التقسيم السابق أن المتضادين أمران وجوديان غير متضايفين لا يجتمعان في محل واحد في زمان واحد من جهة واحدة و المنقول عن القدماء أنهم اكتفوا في تعريف التضاد على هذا المقدار و لذلك جوزوا وقوع التضاد بين الجواهر و أن يزيد أطراف التضاد على اثنين. لكن المشائين أضافوا إلى ما يتحصل من التقسيم قيودا أخر فرسموا المتضادين بأنهما أمران وجوديان غير متضايفين متعاقبان على موضوع واحد داخلان تحت جنس قريب بينهما غاية الخلاف و لذلك ينحصر التضاد عندهم في نوعين أخيرين من الأعراض داخلين تحت جنس قريب بينهما غاية الخلاف و يمتنع وقوع التضاد بين أزيد من طرفين. بيان ذلك أن كل ماهية من الماهيات بل كل مفهوم من المفاهيم منعزل بذاته عن غيره من أي مفهوم مفروض و ليس ذلك من التضاد في شي‏ء و إن كان يصدق عليه سلب غيره و كذا كل نوع تام بوجوده الخارجي و آثاره الخارجية مباين لغيره من الأنواع التامة بما له و لآثاره من الوجود الخارجي لا يتصادقان بمعنى أن يطرد الوجود الخاص به الطارد لعدمه عدم نوع آخر بعينه فليس ذلك من التقابل و التضاد في شي‏ء. و إنما التضاد و هو التقابل بين أمرين وجوديين أن يكون كل من الأمرين طاردا بماهيته الأمر الآخر ناظرا إليه آبيا للاجتماع معه وجودا. و لازم ذلك أولا أن يكون هناك أمر ثالث يوجدان له و يتحدان به و الأمر الذي يوجد له الأمر الوجودي و يتحد به هو مطلق الموضوع الأعم من محل نهايةالحكمة، صفحة 152 الجوهر و موضوع العرض لكن الجواهر لا يقع فيها تضاد كما سيجي‏ء فالمتعين أن يكونا عرضين ذوي موضوع واحد. و ثانيا أن يكون النوعان بما أن لكل منهما نظرا إلى الآخر متطاردين كل منهما يطرد الآخر بفصله الذي هو تمام نوعيته و الفصل لا يطرد الفصل إلا إذا كانا جميعا مقسمين لجنس واحد أي أن يكون النوعان داخلين تحت جنس واحد قريب فافهم ذلك. و لا يرد عليه أن الفصل لكونه جزء الماهية غير مستقل في الحكم و الحكم للنوع لأن الفصل عين النوع محصلا فحكمه حكم النوع بعينه. على أن الأجناس العالية من المقولات العشر لا يقع بينها تضاد لأن الأكثر من واحد منها يجتمع في محل واحد كالكم و الكيف و سائر الأعراض تجتمع في جوهر واحد جسماني و كذا بعض الأجناس المتوسطة الواقعة تحت بعضها مع بعض واقع تحت آخر و كذا الأنواع الأخيرة المندرجة تحت بعضها مع بعض الأنواع الأخيرة المندرجة تحت بعض آخر فالتضاد إنما يقع بالاستقراء في نوعين واقعين تحت جنس قريب من المقولات العرضية كالسواد و البياض المعدودين من الكيفيات المبصرة عندهم و كالتهور و الجبن من الكيفيات النفسانية. و أما اعتبار غاية الخلاف بين المتضادين فإنهم حكموا بالتضاد بين أمور ثم عثروا بأمور متوسطة بين المتضادين نسبية كالسواد و البياض المتضادين و بينهما من الألوان الصفرة و الحمرة و الخضرة و هي بالنسبة إلى السواد من البياض و بالنسبة إلى البياض من السواد و كالتهور و الجبن المتوسط بينهما الشجاعة فاعتبروا أن يكون الضد في غاية الخلاف و نهاية البعد من ضده. و هذا هو الموجب لنفيهم التضاد بين الجواهر فإن الأنواع الجوهرية لا يوجد فيها ما هو نسبي مقيس إلى طرفين و لا نوعان متطرفان بينهما غاية الخلاف و من أحكام التضاد أنه لا يقع بين أزيد من طرفين لأنه تقابل و التقابل نهايةالحكمة، صفحة 153 نسبة و لا تتحقق نسبة واحدة بين أزيد من طرفين و هذا حكم عام لجميع أقسام التقابل. قال في الأسفار و من أحكام التضاد على ما ذكرناه من اعتبار غاية التباعد أن ضد الواحد واحد لأن الضد على هذا الاعتبار هو الذي يلزم من وجوده عدم الضد الآخر فإذا كان الشي‏ء وحدانيا و له أضداد فإما أن يكون مخالفتها مع ذلك الشي‏ء من جهة واحدة أو من جهات كثيرة فإن كانت مخالفتها له من جهة واحدة فالمضاد لذلك الشي‏ء بالحقيقة شي‏ء واحد و ضد واحد و قد فرض أضدادا و إن كانت المخالفة بينها و بينه من جهات عديدة فليس الشي‏ء ذا حقيقة بسيطة بل هو كالإنسان الذي يضاد الحار من حيث هو بارد و يضاد البارد من حيث هو حار و يضاد كثيرا من الأشياء لاشتماله على أضدادها فالتضاد الحقيقي إنما هو بين الحرارة و البرودة و السواد و البياض و لكل واحد من الطرفين ضد واحد و أما الحار و البارد فالتضاد بينهما بالعرض انتهى ج 2 ص 114. و من أحكامه أن المتضادين متعاقبان على الموضوع لاعتبار غاية الخلاف بينهما سواء كان بينهما واسطة أو وسائط هي بالقياس إلى كل من الجانبين من الجانب الآخر و أثره أن لا يخلو الموضوع منهما معا سواء تعاورا عليه واحدا بعد واحد أو كان أحد الضدين لازما لوجوده كالبياض للثلج و السواد للقار. و من أحكامه أن الموضوع الذي يتعاقبان عليه يجب أن يكون واحدا بالخصوص لا واحدا بالعموم إذ لا يمتنع وجود ضدين في موضوعين و إن كانا متحدين بالنوع أو الجنس. خاتمة اختلفوا في التمانع الذي بين الواحد و الكثير حيث لا يجتمعان في شي‏ء نهايةالحكمة، صفحة 154 واحد من جهة واحدة أ هو من التقابل بالذات أم لا و على الأول أ هو أحد أقسام التقابل الأربعة أم قسم خامس غير الأقسام الأربعة المذكورة و على الأول أ هو من تقابل التضايف أم من تقابل التضاد و لكل من الاحتمالات المذكورة قائل على ما فصل في المطولات. و الحق أنه ليس من التقابل المصطلح في شي‏ء لأن قوام التقابل المصطلح بالغيرية الذاتية التي هي تطارد الشيئين المتقابلين و تدافعهما بذاتيهما و من المستحيل أن يرجع الاختلاف و التمانع الذاتي إلى الاتحاد و التآلف و الواحد و الكثير ليسا كذلك إذ الواحد و الكثير قسمان ينقسم إليهما الموجود من حيث هو موجود و قد تقدم أن الوحدة مساوقة للوجود فكل موجود من حيث هو موجود واحد كما أن كل واحد من حيث هو واحد موجود فالواحد و الكثير كل منهما مصداق الواحد أي أن ما به الاختلاف بين الواحد و الكثير راجع إلى ما به الاتحاد و هذا شأن التشكيك دون التقابل. فالوحدة و الكثرة من شئون تشكيك الوجود ينقسم الوجود بذلك إلى الواحد و الكثير مع مساوقة الواحد للموجود المطلق كما ينقسم إلى الوجود الخارجي و الذهني مع مساوقة الخارجي لمطلق الوجود و ينقسم إلى ما بالفعل و ما بالقوة مع مساوقة ما بالفعل لمطلق الوجود. على أن واحدا من أقسام التقابل الأربعة بما لها من الخواص لا يقبل الانطباق على الواحد و الكثير فإن النقيضين و العدم و الملكة أحد المتقابلين فيهما عدم للآخر و الواحد و الكثير وجوديان و المتضايفان متكافئان وجودا و عدما و قوة و فعلا و ليس الواحد و الكثير على هذه الصفة و المتضادان بينهما غاية الخلاف و لا كذلك الواحد و الكثير فإن كل كثير عددي قوبل به الواحد العددي فإن هناك ما هو أكثر منه و أبعد من الواحد لعدم تناهي العدد فليس بين الواحد و الكثير شي‏ء من التقابلات الأربعة و القسمة حاصرة فلا تقابل بينهما أصلا. نهايةالحكمة، صفحة 155 المرحلة الثامنة في العلة و المعلول و فيها خمسة عشر فصلا نهايةالحكمة، صفحة 156 الفصل الأول في إثبات العلية و المعلولية و أنهما في الوجود قد تقدم أن الماهية في حد ذاتها لا موجودة و لا معدومة فهي متساوية النسبة إلى الوجود و العدم فهي في رجحان أحد الجانبين لها محتاجة إلى غيرها الخارج من ذاتها و أما ترجح أحد الجانبين لا لمرجح من ذاتها و لا من غيرها فالعقل الصريح يحيله. و عرفت سابقا أن القول بحاجتها في عدمها إلى غيرها نوع من التجوز حقيقته أن ارتفاع الغير الذي تحتاج إليه في وجودها لا ينفك عن ارتفاع وجودها لمكان توقف وجودها على وجوده و من المعلوم أن هذا التوقف على وجود الغير لأن المعدوم لا شيئية له. فهذا الوجود المتوقف عليه نسميه علة و الشي‏ء الذي يتوقف على العلة معلولا له. ثم إن مجعول العلة و الأثر الذي تضعه في المعلول هو إما وجود المعلول أو ماهيته أو صيرورة ماهيته موجودة لكن يستحيل أن يكون المجعول هو الماهية لما تقدم أنها اعتبارية و الذي يستفيده المعلول من علته أمر أصيل على أن العلية و المعلولية رابطة عينية خاصة بين المعلول و علته و إلا لكان كل شي‏ء علة لكل شي‏ء و كل شي‏ء معلولا لكل شي‏ء و الماهية لا رابطة بينها في ذاتها و بين غيرها. نهايةالحكمة، صفحة 157 و يستحيل أن يكون المجعول هو الصيرورة لأن الأثر العيني الأصيل حينئذ هو الصيرورة التي هو أمر نسبي قائم بطرفين و الماهية و وجودها اعتباريان على الفرض و من المحال أن يقوم أمر عيني أصيل بطرفين اعتباريين و إذا استحال كون المجعول هو الماهية أو الصيرورة تعين أن المجعول هو الوجود و هو المطلوب. فقد تبين مما تقدم أولا أن هناك علة و معلولا و ثانيا أن كل ممكن فهو معلول و ثالثا أن العلية و المعلولية رابطة وجودية بين المعلول و علته و أن هذه الرابطة دائرة بين وجود المعلول و وجود العلة و إن كان التوقف و الحاجة و الفقر ربما تنسب إلى الماهية. فمستقر الحاجة و الفقر بالأصالة هو وجود المعلول و ماهيته محتاجة بتبعه. و رابعا أنه إذ كانت الحاجة و الفقر بالأصالة للوجود المعلول و هو محتاج في ذاته و إلا لكانت الحاجة عارضة و كان مستغنيا في ذاته و لا معلولية مع الاستغناء فذات الوجود المعلول عين الحاجة أي أنه غير مستقل في ذاته قائم بعلته التي هي المفيضة له. و يتحصل من ذلك أن وجود المعلول بقياسه إلى علته وجود رابط موجود في غيره و بالنظر إلى ماهيته التي يطرد عنها العدم وجود في نفسه جوهري أو عرضي على ما تقتضيه حال ماهيته. الفصل الثاني في انقسامات العلة تنقسم العلة إلى تامة و ناقصة فالعلة التامة هي التي تشتمل على جميع ما يتوقف عليه المعلول بحيث لا يبقى للمعلول معها إلا أن يتحقق و العلة الناقصة نهايةالحكمة، صفحة 158 هي التي تشتمل على بعض ما يتوقف عليه المعلول في تحققه لا على جميعه. و تفترقان بأن العلة التامة يلزم من وجودها وجود المعلول كما سيأتي و من عدمها عدمه و العلة الناقصة لا يلزم من وجودها وجود المعلول لكن يلزم من عدمها عدمه لمكان توقف المعلول عليها و على غيرها و ليعلم أن عدم العلة سواء كانت علة تامة أو ناقصة علة تامة لعدم المعلول. و تنقسم أيضا إلى الواحدة و الكثيرة لأن المعلول من لوازم وجود العلة و اللازم قد يكون أعم. و تنقسم أيضا إلى بسيطة و مركبة و البسيطة ما لا جزء لها و المركبة خلافها و البسيطة قد تكون بسيطة بحسب الخارج كالعقل و الأعراض و قد تكون بسيطة بحسب العقل و هي ما لا تركب فيه خارجا من مادة و صورة و لا عقلا من جنس و فصل و أبسط البسائط ما لا تركب فيه من وجود و ماهية و هو الواجب تعالى. و تنقسم أيضا إلى قريبة و بعيدة فالقريبة ما لا واسطة بينها و بين معلولها و البعيدة ما كانت بينها و بين معلولها واسطة كعلة العلة. و تنقسم أيضا إلى داخلية و خارجية فالداخلية هي المادة بالنسبة إلى المركب منها و من الصورة و هي التي بها الشي‏ء بالقوة و الصورة بالنسبة إلى المركب و هي التي بها الشي‏ء بالفعل و تسميان علتي القوام. و الخارجية هي الفاعل و هو الذي يصدر عنه المعلول و الغاية و هي التي يصدر لأجلها المعلول و تسميان علتي الوجود و سيأتي بيانها. و تنقسم أيضا إلى علل حقيقية و علل معدة و شأن المعدات تقريب المادة إلى إفاضة الفاعل بإعدادها لقبولها كانصرام القطعات الزمانية المقربة للمادة إلى حدوث ما يحدث فيها من الحوادث. نهايةالحكمة، صفحة 159 الفصل الثالث في وجوب وجود المعلول عند وجود علته التامة و وجوب وجود العلة عند وجود معلولها و هذا وجوب بالقياس غير الوجوب الغيري الذي تقدم في مسألة الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد. أما وجوب وجود المعلول عند وجود علته التامة فلأنه لو لم يجب وجوده عند وجود علته التامة لجاز عدمه و لو فرض عدمه مع وجود العلة التامة فإما أن تكون علة عدمه و هي عدم العلة متحققة و علة وجوده موجودة كان فيه اجتماع النقيضين و هما علة الوجود و عدمها و إن لم تكن علة عدمه متحققة كان في ذلك تحقق عدمه من غير علة و هو محال. و كذا لو لم يجب عدمه عند عدم علته لجاز وجوده و لو فرض وجوده مع تحقق علة عدمه و هي عدم علة الوجود فإن كانت علة الوجود موجودة اجتمع النقيضان و هما علة الوجود و عدمها الذي هو علة العدم و إن لم تكن علة الوجود موجودة لزم وجود المعلول مع عدم وجود علته. برهان آخر لازم توقف وجود المعلول على وجود العلة امتناع وجود المعلول مع عدم العلة و بتعبير آخر كون عدم العلة علة موجبة لعدم المعلول و توقف هذا المعلول الذي هو عدم المعلول على علته التي هي عدم العلة لازمه امتناعه بانعدامها أي وجوب وجود المعلول عند وجود علته فافهم ذلك. فإن قلت الذي تستدعيه حاجة الممكن إلى المرجح و توقف وجوده على وجود علة تامة استلزام وجود العلة التامة في أي وعاء كانت هو وجود المعلول نهايةالحكمة، صفحة 160 في أي وعاء كان و أما كون المعلول و العلة معين في الوجود من غير انفكاك في الوعاء فلا فلم لا يجوز أن توجد العلة مستلزمة لوجود المعلول و لا معلول بعد ثم تنعدم العلة ثم يوجد المعلول بعد برهة و لا علة في الوجود أو تكون العلة التامة موجودة و لا وجود للمعلول بعد ثم يسنح لها أن توجد المعلول فتوجده و هذا فيما كانت العلة التامة فاعلة بالاختيار بمكان من الوضوح. قلت لا معنى لتخلل العدم بين وجود العلة التامة و وجود معلولها بأي نحو فرض فقد تقدم أن توقف وجود المعلول على وجود العلة إنما يتم برابطة وجودية عينية يكون وجود المعلول معها وجودا رابطا قائم الذات بوجود العلة التامة المستقل ففرض وجود المعلول في وعاء و علته التامة معدومة فيه فرض تحقق الوجود الرابط و لا مستقل معه يقومه و ذلك خلف ظاهر و فرض وجود العلة التامة و لا وجود لمعلولها بعد فرض وجود مستقل مقوم بالفعل و لا رابط له يقومه بعد و ذلك خلف ظاهر. و أما حديث الاختيار فقد زعم قوم أن الفاعل المختار كالإنسان مثلا بالنسبة إلى أفعاله الاختيارية علة تستوي نسبتها إلى الفعل و الترك فله أن يرجح ما شاء منهما من غير إيجاب لتساوي النسبة. و هو خطأ فليس الإنسان الفاعل باختياره علة تامة للفعل بل هو علة ناقصة و له علل ناقصة أخرى كالمادة و حضورها و اتحاد زمان حضورها مع زمان الفعل و استقامة الجوارح الفعالة و مطاوعتها و الداعي إلى الفعل و الإرادة و أمور أخرى كثيرة إذا اجتمعت صارت علة تامة يجب معها الفعل و أما الإنسان نفسه فجزء من أجزاء العلة التامة نسبة الفعل إليه بالإمكان دون الوجوب و الكلام في إيجاب العلة التامة لا مطلق العلة. على أن تجويز استواء نسبة الفاعل المختار إلى الفعل و عدمه إنكار لرابطة العلية و لازمه تجويز علية كل شي‏ء لكل شي‏ء و معلولية كل شي‏ء لكل شي‏ء. نهايةالحكمة، صفحة 161 فإن قلت هب أن الإنسان الفاعل المختار ليس بعلة تامة لكن الواجب عز اسمه فاعل مختار و هو علة تامة لما سواه و كون العالم واجبا بالنسبة إليه ينافي حدوثه الزماني. و لذلك اختار قوم أن فعل المختار لا يحتاج إلى مرجح و اختار بعضهم أن الإرادة مرجحة بذاتها لا حاجة معها إلى مرجح آخر و اختار جمع أن الواجب تعالى عالم بجميع المعلومات فما علم منه أنه ممكن سيقع يفعله و ما علم منه أنه محال لا يقع لا يفعله و اختار آخرون أن أفعاله تعالى تابعة للمصالح و إن كنا غير عالمين بها فما كان منها ذا مصلحة في وقت تفوت لو لم يفعله في ذلك الوقت فعله في ذلك الوقت دون غيره. قلت معنى كونه تعالى فاعلا مختارا أنه ليس وراءه تعالى شي‏ء يجبره على فعل أو ترك فيوجبه عليه فإن الشي‏ء المفروض إما معلول له و إما غير معلول و الثاني محال لأنه واجب آخر أو فعل لواجب آخر و أدلة التوحيد تبطله و الأول أيضا محال لاستلزامه تأثير المعلول بوجوده القائم بالعلة المتأخر عنها في وجود علته التي يستفيض عنها الوجود فكون الواجب تعالى مختارا في فعله لا ينافي إيجابه الفعل الصادر عن نفسه و لا إيجابه الفعل ينافي كونه مختارا فيه و أما حدوث العالم بمعنى ما سوى الواجب حدوثا زمانيا فمعنى حدوث العالم حدوثا زمانيا كونه مسبوقا بقطعة من الزمان خالية من العالم ليس معه إلا الواجب تعالى و لا خبر عن العالم بعد و الحال أن طبيعة الزمان طبيعة كمية ممكنة موجودة معلولة للواجب تعالى و من فعله فهو من العالم و لا معنى لكون العالم و فيه الزمان حادثا زمانيا مسبوقا بعدم زماني و لا قبل زمانيا خارجا من الزمان. و قد استشعر بعضهم بالإشكال فدفعه بدعوى أن الزمان أمر اعتباري وهمي غير موجود و هو مردود بأن دعوى كونه اعتباريا وهميا اعتراف بعدم الحدوث الزماني حقيقة نهايةالحكمة، صفحة 162 و دفع الإشكال بعضهم بأن الزمان حقيقة منتزعة من ذات الواجب تعالى من حيث بقائه و رد بأن لازمه التغير في ذات الواجب تعالى و تقدس فإن المنتزع عين المنتزع منه و كون الزمان متغيرا بالذات ضروري و أجيب عنه بأن من الجائز أن يخالف المنتزع منه بعدم المطابقة و هو مردود بأن تجويز المغايرة بين المنتزع و المنتزع منه من السفسطة و يبطل معه العلم من رأس على أن فيه اعترافا ببطلان أصل الدعوى. و أما قول القائل بجواز أن يختار الفاعل المختار أحد الأمرين المتساويين دون الآخر لا لمرجح يرجحه و قد مثلوا له بالهارب من السبع إذا عن له طريقان متساويان فإنه يختار أحدهما لا لمرجح. ففيه أنه دعوى من غير دليل و قد تقدمت الحجة أن الممكن المتساوي الجانبين يحتاج في ترجح أحد الجانبين إلى مرجح فإن قيل إن المرجح هو الفاعل مثلا بإرادته كما مر في مثال الهارب من السبع أجيب بأن مرجعه إلى القول الآتي و سيأتي بطلانه و أما مثال الهارب من السبع فممنوع بل الهارب المذكور على فرض التساوي من جميع الجهات يقف في موضعه و لا يتحرك أصلا. على أن جواز ترجح الممكن من غير مرجح ينسد به طريق إثبات الصانع تعالى. و أما قول القائل إن الإرادة مرجحة بذاتها يتعين بها أحد الأفعال المتساوية من غير حاجة إلى مرجح آخر ففيه أن الإرادة لو رجحت الفعل فإنما ترجحه بتعلقها به لكن أصل تعلقها بأحد الأمور المتساوية الجهات محال و دعوى أن من خاصة الإرادة ترجيح أحد الأفعال المتساوية لا محصل لها لأنها صفة نفسانية علمية لا تتحقق إلا مضافة إلى متعلقها الذي رجحه العلم السابق لها فما لم يرجح العلم السابق متعلق الإرادة لم تتحقق الإرادة حتى يترجح بها فعل. نهايةالحكمة، صفحة 163 و أما قول من قال إنه تعالى عالم بجميع المعلومات فما علم منها أنه سيقع يفعله و ما علم منها أنه لا يقع لا يفعله و بعبارة أخرى ما علم أنه ممكن فعله دون المحال ففيه أن الإمكان لازم الماهية و الماهية متوقفة في انتزاعها على تحقق الوجود و وجود الشي‏ء متوقف على ترجيح المرجح فالعلم بالإمكان متأخر عن المرجح بمراتب فلا يكون مرجحا. و أما قول من قال إن أفعاله تعالى غير خالية عن المصالح و إن كنا لا نعلم بها فما كان منها ذا مصلحة في وقت يفوت لو لم يفعله في ذلك الوقت أخره إلى ذلك الوقت ففيه مضافا إلى ورود ما أورد على القول السابق عليه أن المصلحة المفروضة المرتبطة بالوقت الخاص لأي فعل من أفعاله كيفما فرضت ذات ماهية ممكنة لا واجبة و لا ممتنعة فهي نظيره الأفعال ذوات المصلحة من فعله تعالى فمجموع ما سواه تعالى من المصالح و ذوات المصالح فعل له تعالى لا يتعدى طور الإمكان و لا يستغني عن علة مرجحة هي علة تامة و ليس هناك وراء الممكن إلا الواجب تعالى فهو العلة التامة الموجبة لمجموع فعله لا مرجح له سواه. نعم لما كان العالم مركبا ذا أجزاء لبعضها نسب وجودية إلى بعض جاز أن يقف وجود بعض أجزائه في موقف الترجيح لوجود بعض لكن الجميع ينتهي إلى السبب الواحد الذي لا سبب سواه و لا مرجح غيره و هو الواجب عز اسمه. فقد تحصل من جميع ما تقدم أن المعلول يجب وجوده عند وجود العلة التامة و بعض من لم يجد بدا من إيجاب العلة التامة لمعلولها قال بأن علة العالم هي إرادة الواجب دون ذاته تعالى و هو أسخف ما قيل في هذا المقام فإن المراد بإرادته إن كانت هي الإرادة الذاتية كانت عين الذات و كان القول بعلية الإرادة عين القول بعلية الذات و هو يفرق بينهما بقبول أحدهما و رد الآخر و إن كانت هي الإرادة الفعلية و هي من صفات الفعل الخارجة نهايةالحكمة، صفحة 164 من الذات كانت أحد الممكنات وراء العالم و نستنتج منها وجود أحد الممكنات هذا. و أما مسألة وجوب وجود العلة عند وجود المعلول فلأنه لو لم تكن العلة واجبة الوجود عند وجود المعلول لكانت ممكنة إذ تقدير امتناعها يرتفع بأدنى توجه و إذ كانت ممكنة كانت جائزة العدم و المعلول موجود قائم الوجود بها و لازمه وجود المعلول بلا علة. فإن قلت المعلول محتاج إلى العلة حدوثا لا بقاء فمن الجائز أن تنعدم العلة بعد حدوث المعلول و يبقى المعلول على حاله. قلت هو مبني على ما ذهب إليه قوم من أن حاجة المعلول إلى العلة في الحدوث دون البقاء فإذا حدث المعلول بإيجاد العلة انقطعت الحاجة إليها و مثلوا له بالبناء و البناء فإن البناء علة للبناء فإذا بنى و قام البناء على ساق ارتفعت حاجته إلى البناء و لم يضره عدمه. و هو مردود بأن الحاجة إلى العلة خاصة لازمة للماهية لإمكانها في تلبسها بالوجود أو العدم و الماهية بإمكانها محفوظة في حالة البقاء كما أنها محفوظة في حالة الحدوث فيجب وجود العلة في حالة البقاء كما يجب وجودها في حالة الحدوث. على أنه قد تقدم أن وجود المعلول بالنسبة إلى العلة وجود رابط قائم بها غير مستقل عنها فلو استغنى عن العلة بقاء كان مستقلا عنها غير قائم بها هذا خلف برهان آخر قال في الأسفار و هذا يعني كون علة الحاجة إلى العلة هي الحدوث أيضا باطل لأنا إذا حللنا الحدوث بالعدم السابق و الوجود اللاحق و كون ذلك الوجود بعد العدم و تفحصنا عن علة الافتقار إلى الفاعل أ هي أحد الأمور الثلاثة أم أمر رابع مغاير لها لم يبق من الأقسام شي‏ء إلا القسم الرابع أما العدم السابق فلأنه نفي محض لا يصلح للعلية و أما الوجود فلأنه مفتقر إلى الإيجاد المسبوق بالاحتياج إلى الوجود المتوقف على علة الحاجة نهايةالحكمة، صفحة 165 إليه فلو جعلنا العلة هي الوجود لزم توقف الشي‏ء على نفسه بمراتب و أما الحدوث فلافتقاره إلى الوجود لأنه كيفية و صفة له و قد علمت افتقار الوجود إلى علة الافتقار بمراتب فلو كان الحدوث علة الحاجة لتقدم على نفسه بمراتب فعلة الافتقار زائدة على ما ذكرت ج 2 ص 203. و قد اندفعت بما تقدم مزعمة أخرى لبعضهم و هي قولهم إن من شرط صحة الفعل سبق العدم و المراد بالسبق السبق الزماني و محصله أن المعلول بما أنه فعل لعلته يجب أن يكون حادثا زمانيا و عللوه بأن دوام وجود الشي‏ء لا يجامع حاجته و لازم هذا القول أيضا عدم وجود المعلول عند وجود العلة. وجه الاندفاع أن علة الحاجة إلى العلة هي الإمكان و هو لازم الماهية و الماهية مع المعلول كيفما فرض وجودها من غير فرق بين الوجود الدائم و غيره. على أن وجود المعلول رابط بالنسبة إلى العلة قائم بها غير مستقل عنها و من الممتنع أن ينقلب مستغنيا عن المستقل الذي يقوم به سواء كان دائما أو منقطعا على أن لازم هذا القول خروج الزمان من أفق الممكنات و قد تقدمت جهات فساده. الفصل الرابع في أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد و المراد بالواحد الأمر البسيط الذي ليس في ذاته جهة تركيبية مكثرة فالعلة الواحدة هي العلة البسيطة التي هي بذاتها البسيطة علة و المعلول الواحد هو المعلول البسيط الذي هو بذاته البسيطة معلول فالمراد بالواحد ما نهايةالحكمة، صفحة 166 يقابل الكثير الذي له أجزاء أو آحاد متباينة لا ترجع إلى جهة واحدة. بيانه أن المبدأ الذي يصدر عنه وجود المعلول هو وجود العلة الذي هو نفس ذات العلة فالعلة هي نفس الوجود الذي يصدر عنه وجود المعلول و إن قطع النظر عن كل شي‏ء و من الواجب أن يكون بين المعلول و علته سنخية ذاتية هي المخصصة لصدوره عنها و إلا كان كل شي‏ء علة لكل شي‏ء و كل شي‏ء معلولا لكل شي‏ء فلو صدر عن العلة الواحدة التي ليس لها في ذاتها إلا جهة واحدة معاليل كثيرة بما هي كثيرة متباينة لا ترجع إلى جهة واحدة تقررت في ذات العلة جهات كثيرة متباينة متدافعة و قد فرضت بسيطة ذات جهة واحدة هذا خلف فالواحد لا يصدر عنه إلا الواحد و هو المطلوب. و قد اعترض عليه بالمعارضة أن لازمه عدم قدرة الواجب تعالى على إيجاد أكثر من واحد و فيه تقييد قدرته و قد برهن على إطلاق قدرته و أنها عين ذاته المتعالية. و يرده أنه مستحيل بالبرهان و القدرة لا تتعلق بالمحال لأنه بطلان محض لا شيئية له فالقدرة المطلقة على إطلاقها و كل موجود معلول له تعالى بلا واسطة أو معلول معلوله و معلول المعلول معلول حقيقة. و يتفرع عليه أولا أن الكثير لا يصدر عنه الواحد فلو صدر واحد عن الكثير فإما أن يكون الواحد واحد نوعيا ذا أفراد كثيرة يستند كل فرد منها إلى علة خاصة كالحرارة الصادرة عن النار و النور و الحركة و غيرها أو تكون وحدته عددية ضعيفة كالوحدة النوعية فيستند وجوده إلى كثير كالهيولى الواحدة بالعدد المستند وجودها إلى مفارق يقيم وجودها بالصور المتواردة عليها واحدة بعد واحدة على ما قالته الحكماء و قد تقدم الكلام فيه و إما أن يكون للكثير جهة وحدة يستند إليها المعلول و إما أن يكون الكثير مركبا ذا أجزاء يفعل الواحد بواحد منها فينسب إلى نفس المركب. و ثانيا أن المعلول الواحد لا يفعل فيه علل كثيرة سواء كان على سبيل نهايةالحكمة، صفحة 167 الاجتماع في عرض واحد لأنه يؤدي إلى التناقض في ذات الواحد المؤدي إلى الكثرة أو كان على سبيل التوارد بقيام علة عليه بعد علة للزوم ما تقدم من المحذور. و ثالثا أنه لو صدر عن الواحد كثير وجب أن يكون فيه جهة كثرة و تركيب يستند إليها الكثير غير جهة الوحدة المفروضة كالإنسان الواحد الذي يفعل أفعالا كثيرة من مقولات كثيرة متباينة بتمام الذات. الفصل الخامس في استحالة الدور و التسلسل في العلل أما الدور فهو توقف وجود الشي‏ء على ما يتوقف وجوده عليه إما بلا واسطة كتوقف ا على ب و توقف ب على ا و يسمى دورا مصرحا و إما مع الواسطة كتوقف ا على ب و ب على ج و ج على ا و يسمى دورا مضمرا. و استحالته قريبة من البداهة فإنه يستلزم تقدم الشي‏ء على نفسه بالوجود و هو ضروري الاستحالة. و أما التسلسل فهو ترتب شي‏ء موجود على شي‏ء آخر موجود معه بالفعل و ترتب الثاني على ثالث كذلك و الثالث على رابع و هكذا إلى غير النهاية سواء كان ذهاب السلسلة كذلك من الجانبين بأن يكون قبل كل قبل و بعد كل بعد بعد أو من جانب واحد لكن الشرط على أي حال أن يكون لأجزاء السلسلة وجود بالفعل و أن تكون مجتمعة في الوجود و أن يكون بينها ترتب و التسلسل في العلل ترتب معلول على علة و ترتب علته على علة و علة علته على علة و هكذا إلى غير النهاية. نهايةالحكمة، صفحة 168 و التسلسل في العلل محال و البرهان عليه أن وجود المعلول رابط بالنسبة إلى علته لا يقوم إلا بعلته و العلة هو المستقل الذي يقومه كما تقدم و إذا كانت علته معلولة لثالث و هكذا كانت غير مستقلة بالنسبة إلى ما فوقها فلو ذهبت السلسلة إلى غير النهاية و لم تنته إلى علة غير معلولة تكون مستقلة غير رابطة لم يتحقق شي‏ء من أجزاء السلسلة لاستحالة وجود الرابط إلا مع مستقل. برهان آخر و هو المعروف ببرهان الوسط و الطرف إقامة الشيخ في الشفاء حيث قال إذا فرضنا معلولا و فرضنا له علة و لعلته علة فليس يمكن أن يكون لكل علة علة بغير نهاية لأن المعلول و علته و علة علته إذا اعتبرت جملتها في القياس الذي لبعضها إلى بعض كانت علة العلة علة أولى مطلقة للآخرين و كان للآخرين نسبة المعلولية إليها و إن اختلفا في أن أحدهما معلول بالواسطة و الآخر معلول بلا واسطة و لم يكونا كذلك لا الأخير و لا المتوسط لأن المتوسط الذي هو العلة المماسة للمعلول علة لشي‏ء واحد فقط و المعلول ليس علة لشي‏ء. و لكل واحد من الثلاثة خاصية فكانت خاصية الطرف المعلول أنه ليس علة لشي‏ء و خاصية الطرف الآخر أنه علة للكل غيره و خاصية الوسط أنه علة لطرف و معلول لطرف سواء كان الوسط واحدا أو فوق واحد و إن كان فوق واحد فسواء ترتب ترتيبا متناهيا أو غير متناه فإنه إن ترتب كثرة متناهية كانت جملة عدد ما بين الطرفين كواسطة واحدة تشترك في خاصية الواحدة بالقياس إلى الطرفين فيكون لكل من الطرفين خاصية. و كذلك إن ترتب في كثرة غير متناهية فلم يحصل الطرف كان جميع الغير المتناهي في خاصية الواسطة لأنك أي جملة أخذت كانت علة لوجود المعلول الأخير و كانت معلولة إذ كل واحد منها معلول و الجملة متعلقة الوجود بها و متعلقة الوجود بالمعلول معلول إلا أن تلك الجملة شرط في وجود المعلول الأخير نهايةالحكمة، صفحة 169 و علة له و كلما زدت في الحصر و الأخذ كان الحكم إلى غير النهاية باقيا. فليس يجوز أن تكون جملة علل موجودة و ليس فيها علة غير معلومة و علة أولى فإن جميع غير المتناهي كواسطة بلا طرف و هذا محال الشفاء ص 327. برهان آخر و هو المعروف بالأسد الأخصر للفارابي أنه إذ كان ما من واحد من آحاد السلسلة الذاهبة بالترتيب بالفعل لا إلى النهاية إلا و هو كالواحد في أنه ليس يوجد إلا و يوجد آخر وراءه من قبل كانت الآحاد اللامتناهية بأسرها يصدق عليها أنها لا تدخل في الوجود ما لم يكن شي‏ء من ورائها موجودا من قبل فإذن بداهة العقل قاضية بأنه من أين يوجد في تلك السلسلة شي‏ء حتى يوجد شي‏ء ما بعده الأسفار ج 2 ص 166 و هناك حجج أخرى أقيمت على استحالة التسلسل لا يخلو أكثرها من مناقشة. تنبيه قال بعضهم إن معيار الحكم بالاستحالة في كل من البراهين التي أقيمت على استحالة التسلسل هو استجماع شرطي الترتب و الاجتماع في الوجود بالفعل في جهة اللانهاية و مقتضاها استحالة التسلسل في العلل في جهة التصاعد بأن تترتب العلل إلى ما لا نهاية له لا في جهة التنازل بأن يترتب معلول على علته ثم معلول المعلول على المعلول و هكذا إلى غير النهاية و الفرق بين الأمرين أن العلل مجتمعة في مرتبة وجود المعلول و محيطة به و تقدمها عليه إنما هو بضرب من التحليل بخلاف المعلومات فإنها ليست في مرتبة عللها فذهاب السلسلة متصاعدة يستلزم اجتماع العلل المترتبة بوجوداتها بالفعل في مرتبة المعلول الذي تبتدى‏ء منه السلسلة مثلا بخلاف ذهاب السلسلة متنازلة فإن المعلولات المترتبة المتنازلة لا تجتمع على العلة الأولى التي تبدأ منها السلسلة مثلا انتهى كلامه ملخصا. و أنت خبير بأن البرهانين المتقدمين المنقولين عن الشيخ و الفارابي جاريان في صورتي التصاعد و التنازل جميعا فيما كانت السلسلة مؤلفة من علل نهايةالحكمة، صفحة 170 تامة و أما العلل الناقصة فيجري البرهانان فيها إذا كانت السلسلة متصاعدة لوجوب وجود العلة الناقصة عند وجود المعلول و معه بخلاف ما إذا كانت السلسلة متنازلة لعدم وجوب وجود المعلول عند وجود العلة الناقصة. فما ذكره من أن معيار الاستحالة هو اجتماع اللامتناهي في جزء من أجزاء السلسلة و هو متأت في صورة التصاعد دون التنازل ممنوع. تنبيه آخر تقدم أن التسلسل إنما يستحيل فيما إذا كانت أجزاء السلسلة موجودة بالفعل و أن تكون مجتمعة في الوجود و أن يترتب بعضها على بعض فلو كان بعض الأجزاء موجودة بالقوة كبعض مراتب العدد فليس بمستحيل لأن الموجود منه متناه دائما و كذا لو كانت موجودة بالفعل لكنها غير مجتمعة في الوجود كالحوادث الزمانية بعضها معدومة عند وجود بعض لتناهي ما هو الموجود منها دائما و كذا لو كانت موجودة بالفعل مجتمعة في الوجود لكن لا ترتب بينها و هو توقف البعض على البعض وجودا كعدد غير متناه من موجودات لا علية و لا معلولية بينها. و الوجه في ذلك أنه ليس هناك مع فقد شي‏ء من الشرائط الثلاث سلسلة واحدة موجودة غير متناهية حتى يجري فيها براهين الاستحالة. تنبيه آخر مقتضى ما تقدم من البرهان استحالة التسلسل في أقسام العلل كلها من العلل الفاعلية و الغائية و المادية و الصورية كما أن مقتضاها استحالته في العلل التامة لأن الملاك في الاستحالة ذهاب التوقف الوجودي إلى غير النهاية و هو موجود في جميع أقسام العلل. و يتبين بذلك أيضا استحالة التسلسل في أجزاء الماهية كأن يكون مثلا للجنس جنس إلى غير النهاية أو للفصل فصل إلى غير النهاية لأن الجنس و الفصل هما المادة و الصورة مأخوذتين لا بشرط. على أن الماهية الواحدة لو تركبت من أجزاء غير متناهية استحال تعقلها و هو باطل. نهايةالحكمة، صفحة 171 الفصل السادس في العلة الفاعلية قد تقدم أن الماهية الممكنة في تلبسها بالوجود تحتاج إلى مرجح لوجودها و لا يرتاب العقل أن لمرجح الوجود شأنا بالنسبة إلى الوجود غير ما للماهية من الشأن بالنسبة إليه فللمرجح أو بعض أجزائه بالنسبة إليه شأن شبيه بالإعطاء نسميه فعلا أو ما يفيد معناه و للماهية شأن شبيه بالأخذ نسميه قبولا أو ما يفيد معناه و من المحال أن تتصف الماهية بشأن المرجح و إلا لم تحتج إلى مرجح أو يتصف المرجح بشأن الماهية و إلا لزم الخلف و من المحال أيضا أن يتحد الشأنان فالشأن الذي هو القبول يلازم الفقدان و الشأن الذي هو الفعل يلازم الوجدان. و هذا المعنى واضح في الحوادث الواقعة التي نشاهدها في نشأة المادة فإن فيها عللا تحرك المادة نحو صور هي فاقدة لها فتقبلها و تتصور بها و لو كانت واجدة لها لم تكن لتقبلها و هي واجدة فالقبول يلازم الفقدان و الذي للعلل هو الفعل المناسب لذاتها الملازم للوجدان. فالحادث المادي يتوقف في وجوده إلى علة تفعله نسميها علة فاعلية و إلى علة تقبله و نسميها العلة المادية و سيأتي إثبات أن في الوجود ماهيات ممكنة مجردة عن المادة و هي لإمكانها تحتاج إلى علة مرجحة و لتجردها مستغنية عن العلة المادية فلها أيضا علة فاعلية. فلا غنى لوجود ممكن سواء كان ماديا أو مجردا عن العلة الفاعلية فمن رام قصر العلل في العلة المادية و نفى العلة الفاعلية فقد رام إثبات فعل لا فاعل له فاستسمن ذا ورم. نهايةالحكمة، صفحة 172 الفصل السابع في أقسام العلة الفاعلية ذكروا للفاعل أقساما أنهاها بعضهم إلى ثمانية و وجه ضبطها على ما ذكروا أن الفاعل إما أن يكون له علم بفعله ذو دخل في الفعل أو لا و الثاني إما أن يلائم فعله طبعه و هو الفاعل بالطبع أو لا يلائم فعله طبعه و هو الفاعل بالقسر و الأول أعني الذي له علم بفعله ذو دخل فيه إما أن لا يكون فعله بإرادته و هو الفاعل بالجبر أو يكون فعله بإرادته و حينئذ إما أن يكون علمه بفعله في مرتبة فعله بل عين فعله و هو الفاعل بالرضا و إما أن يكون علمه بفعله قبل فعله و حينئذ إما أن يكون علمه بفعله مقرونا بداع زائد على ذاته و هو الفاعل بالقصد و إما أن لا يكون مقرونا بداع زائد بل يكون نفس العلم منشأ لصدور المعلول و حينئذ فإما أن يكون علمه زائدا على ذاته و هو الفاعل بالعناية أو غير زائد و هو الفاعل بالتجلي و الفاعل كيف فرض إن كان هو و فعله المنسوب إليه فعلا لفاعل آخر كان فاعلا بالتسخير. فللعلة الفاعلية ثمانية أقسام الأول الفاعل بالطبع و هو الذي لا علم له بفعله مع كون الفعل ملائما لطبعه كالنفس في مرتبة القوى الطبيعية البدنية فهي تفعل أفعالها بالطبع. الثاني الفاعل بالقسر و هو الذي لا علم له بفعله و لا فعله ملائم لطبعه كالنفس في مرتبة القوى الطبيعية البدنية عند انحرافها لمرض فإن الأفعال عندئذ تنحرف عن مجرى الصحة لعوامل قاسرة. الثالث الفاعل بالجبر و هو الذي له علم بفعله و ليس بإرادته كالإنسان يكره على فعل ما لا يريده. الرابع الفاعل بالرضا و هو الذي له إرادة لفعله عن علم و علمه نهايةالحكمة، صفحة 173 التفصيلي بفعله عين فعله و ليس له قبل الفعل إلا علم إجمالي به بعلمه بذاته المستتبع لعلمه الإجمالي بمعلوله كالإنسان يفعل الصور الخيالية و علمه التفصيلي بها عين تلك الصور و له قبلها علم إجمالي بها لعلمه بذاته الفعالة لها و كفاعلية الواجب تعالى للأشياء عند الإشراقيين. الخامس الفاعل بالقصد و هو الذي له علم و إرادة و علمه بفعله تفصيلي قبل الفعل بداع زائد كالإنسان في أفعاله الاختيارية و كالواجب عند جمهور المتكلمين. السادس الفاعل بالعناية و هو الذي له علم سابق على الفعل زائد على ذاته نفس الصورة العلمية منشأ لصدور الفعل من غير داع زائد كالإنسان الواقع على جذع عال فإنه بمجرد توهم السقوط يسقط على الأرض و كالواجب تعالى في إيجاده الأشياء عند المشائين. السابع الفاعل بالتجلي و هو الذي يفعل الفعل و له علم تفصيلي به هو عين علمه الإجمالي بذاته كالنفس الإنسانية المجردة فإنها لما كانت صورة أخيرة لنوعها كانت على بساطتها مبدأ لجميع كمالاتها الثانية التي هي لعليتها واجدة لها في ذاتها و علمها الحضوري بذاتها علم بتفاصيل كمالاتها و إن لم يتميز بعضها من بعض و كالواجب تعالى بناء على ما سيأتي إن شاء الله أن له تعالى علما إجماليا بالأشياء في عين الكشف التفصيلي. الثامن الفاعل بالتسخير و هو الفاعل الذي هو و فعله لفاعل فهو فاعل مسخر في فعله كالقوى الطبيعية و النباتية و الحيوانية المسخرة في أفعالها للنفس الإنسانية و كالعلل الكونية المسخرة للواجب تعالى. و في عد الفاعل بالجبر و الفاعل بالعناية نوعين بحيالهما مباينين للفاعل بالقصد نظر توضيحه أنا ننسب الأعمال المكتنفة بكل نوع من الأنواع المشهودة أعني كمالاتها الثانية إلى نفس ذلك النوع فكل نوع علة فاعلية لكمالاته الثانية و الأنواع في ذلك على قسمين منها ما يصدر عنه أفعاله لطبعه نهايةالحكمة، صفحة 174 من غير أن يتوسط فيه العلم كالعناصر و منها ما للعلم دخل في صدور أفعاله عنه كالإنسان. و القسم الثاني مجهز بالعلم و لا ريب أنه إنما جهز به لتمييز ما هو كماله من الأفعال مما ليس بكمال له ليفعل ما فيه كماله و يترك ما ليس فيه ذلك كالصبي يلتقم ما أخذه فإن وجده صالحة للتغذي كالفاكهة أكله و إن لم يجده كذلك تركه و رمى به فتوسيطه العلم لتشخيص الفعل الذي فيه كمال و تمييزه من غيره و الذي يوسطه من العلم و التصديق إن كان حاضرا عنده غير مفتقر في التصديق به إلى تروي فكر كالعلوم الناشئة بالملكات و نحوها لم يلبث دون أن يريد الفعل فيفعله و إن كان مشكوكا فيه مفتقرا إلى التصديق به أخذ في تطبيق العناوين و الأوصاف الكمالية على الفعل فإن انتهى إلى التصديق بكونه كمالا فعله و إن انتهى إلى خلاف ذلك تركه و هذا الميل و الانعطاف إلى أحد الطرفين هو الذي نسميه اختيارا و نعد الفعل الصادر عنه فعلا اختياريا. فتبين أن فعل هذا النوع من الفاعل العلمي يتوقف على حضور التصديق بوجوب الفعل أي كونه كمالا و كون ما يقابله أي الترك خلاف ذلك فإن كان التصديق به حاضرا في النفس من دون حاجة إلى تعمل فكري لم يلبث دون أن يأتي بالفعل و إن لم يكن حاضرا احتاج إلى ترو و فكر حتى يطبق على الفعل المأتي به صفة الوجوب و الرجحان و على تركه صفة الاستحالة و المرجوحية من غير فرق بين أن يكون رجحان الفعل و مرجوحية الترك مستندين إلى طبع الأمر كمن كان قاعدا تحت جدار يريد أن ينقض عليه فإنه يقوم خوفا من انهدامه عليه أو كانا مستندين إلى إجبار مجبر كمن كان قاعدا مستظلا بجدار فهدده جبار أنه إن لم يقم هدم الجدار عليه فإنه يقوم خوفا من انهدامه عليه و الفعل في الصورتين إرادي و التصديق على نحو واحد. نهايةالحكمة، صفحة 175 و من هنا يظهر أن الفعل الإجباري لا يباين الفعل الاختياري و لا يتميز منه بحسب الوجود الخارجي بحيث يصير الفاعل بالجبر قسيما للفاعل بالقصد فقصارى ما يصنعه المجبر أنه يجعل الفعل ذا طرف واحد فيواجه الفاعل المكره فعلا ذا طرف واحد ليس له إلا أن يفعله كما لو كان الفعل بحسب طبعه كذلك. نعم العقلاء في سننهم الاجتماعية فرقوا بين الفعلين حفظا لمصلحة الاجتماع و رعاية لقوانينهم الجارية المستتبعة للمدح و الذم و الثواب و العقاب فانقسام الفعل إلى الاختياري و الجبري انقسام اعتباري لا حقيقي. و يظهر أيضا أن الفاعل بالعناية من نوع الفاعل بالقصد فإن تصور السقوط ممن قام على جذع عال مثلا علم واحد موجود في الخائف الذي أدهشه تصور السقوط فيسقط و فيمن اعتاد القيام عليه بتكرار العمل فلا يخاف و لا يسقط كالبناء مثلا فوق الأبنية و الجدران العالية جدا. فالصاعد فوق جدار عال القائم عليه يعلم أن من الممكن أن يثبت في مكانه فيسلم أو يسقط منه فيهلك غير أنه إن استغرقه الخوف و الدهشة الشديدة و جذبت نفسه إلى الاقتصار على تصور السقوط سقط بخلاف المعتاد بذلك فإن الصورتين موجودتان عنده من دون خوف و دهشة فيختار الثبات في مكانه فلا يسقط. و فقدان هذا الفعل العنائي للغاية الصالحة العقلائية لا يوجب خلوه من مطلق الداعي فالداعي أعم من ذلك كما سيأتي في الكلام على اللعب و العبث. نهايةالحكمة، صفحة 176 الفصل الثامن في أنه لا مؤثر في الوجود بحقيقة معنى الكلمة إلا الله سبحانه قد تقدم أن العلية و المعلولية سارية في الموجودات فما من موجود إلا و هو علة ليست بمعلولة أو معلول ليس بعلة أو علة لشي‏ء و معلول لشي‏ء و تقدم أن سلسلة العلل تنتهي إلى علة ليست بمعلولة و هو الواجب تعالى و تقدم أنه تعالى واحد وحدة حقة لا يتثنى و لا يتكرر و غيره من كل موجود مفروض واجب به ممكن في نفسه و تقدم أن لا غنى للمعلول عن العلة الفاعلية كما أنه لا غنى له عن العلة التامة فهو تعالى علة تامة للكل في عين أنه علة فاعلية و تقدم أن العلية في الوجود و هو أثر الجاعل و أن وجود المعلول رابط بالنسبة إلى علته قائم بها كما أن وجود العلة مستقل بالنسبة إليه مقوم له لا حكم للمعلول إلا و هو لوجود العلة و به. فهو تعالى الفاعل المستقل في مبدئيته على الإطلاق و القائم بذاته في إيجاده و عليته و هو المؤثر بحقيقة معنى الكلمة لا مؤثر في الوجود إلا هو ليس لغيره من الاستقلال الذي هو ملاك العلية و الإيجاد إلا الاستقلال النسبي فالعلل الفاعلية في الوجود معدات مقربة للمعاليل إلى فيض المبدإ الأول و فاعل الكل تعالى. هذا بالنظر إلى حقيقة الوجود الأصيلة المتحققة بمراتبها في الأعيان و أما بالنظر إلى ما يعتبره العقل من الماهيات الجوهرية و العرضية المتلبسة بالوجود المستقلة في ذلك فهو تعالى علة تنتهي إليها العلل كلها فما كان من الأشياء ينتهي إليه بلا واسطة فهو علته و ما كان منها ينتهي إليه بواسطة فهو علة نهايةالحكمة، صفحة 177 علته و علة علة الشي‏ء علة لذلك الشي‏ء فهو تعالى فاعل كل شي‏ء و العلل كلها مسخرة له. الفصل التاسع في أن الفاعل التام الفاعلية أقوى من فعله و أقدم أما أنه أقوى وجودا و أشد فلأن الفعل و هو معلوله رابطه بالنسبة إليه قائم الهوية به و هو المستقل الذي يقومه و يحيط به و لا نعني بأشدية الوجود إلا ذلك و هذا يجري في العلة التامة أيضا كما يجري في الفاعل المؤثر. و قد عد صدر المتألهين ره المسألة بديهية إذ قال البداهة حاكمة بأن العلة المؤثرة هي أقوى لذاتها من معلولها فيما يقع به العلية و في غيرها لا يمكن الجزم بذلك ابتداء انتهى الأسفار ج 2 ص 187. و أما أنه أقدم وجودا من فعله فهو من الفطريات لمكان توقف وجود الفعل على وجود فاعله و هذا أيضا كما يجري في الفاعل يجري في العلة التامة و سائر العلل. و القول بأن العلة التامة مع المعلول لأن من أجزائها المادة و الصورة اللتين هما مع المعلول بل عين المعلول فلا يتقدم عليه لاستلزامه تقدم الشي‏ء على نفسه. مدفوع بأن المادة كما تقدم علة مادية لمجموع المادة و الصورة الذي هو الشي‏ء المركب و كذا الصورة علة صورية للمجموع منهما و أما المجموع الحاصل منهما فليس بعلة لشي‏ء فكل واحد منهما علة متقدمة و المجموع معلول نهايةالحكمة، صفحة 178 متأخر فلا إشكال. و هذا معنى ما قيل إن المتقدم هو الآحاد بالأسر و المتأخر هو المجموع بشرط الاجتماع. الفصل العاشر في أن البسيط يمتنع أن يكون فاعلا و قابلا المشهور من الحكماء عدم جواز كون الشي‏ء الواحد من حيث هو واحد فاعلا و قابلا مطلقا و احترز بقيد وحدة الحيثية عن الأنواع المادية التي تفعل بصورها و تقبل بموادها كالنار تفعل الحرارة بصورتها و تقبلها بمادتها و ذهب المتأخرون إلى جوازه مطلقا و الحق هو التفصيل بين ما كان القبول فيه بمعنى الانفعال و الاستكمال الخارجي فلا يجامع القبول الفعل في شي‏ء واحد بما هو واحد و ما كان القبول فيه بمعنى الاتصاف و الانتزاع من ذات الشي‏ء من غير انفعال و تأثر خارجي كلوازم الماهيات فيجوز اجتماعهما. و الحجة على ذلك أن القبول بمعنى الانفعال و التأثر يلازم الفقدان و الفعل يلازم الوجدان و هما جهتان متباينتان متدافعتان لا تجتمعان في الواحد من حيث هو واحد و أما لوازم الماهيات مثلا كزوجية الأربعة فإن تمام الذات فيها لا يعقل خالية من لازمها حتى يتصور فيها معنى الفقدان فالقبول فيها بمعنى مطلق الاتصاف و لا ضير في ذلك. و احتج المشهور على الامتناع مطلقا بوجهين أحدهما أن الفعل و القبول أثران متغايران فلا يصدران عن الواحد من حيث هو واحد. الثاني أن نسبة القابل إلى مقبوله بالإمكان و نسبة الفاعل التام الفاعلية نهايةالحكمة، صفحة 179 إلى فعله بالوجوب فلو كان شي‏ء واحد فاعلا و قابلا لشي‏ء كانت نسبته إلى ذلك بالإمكان و الوجوب معا و هما متنافيان و تنافي اللوازم مستلزم لتنافي الملزومات. و الحجتان لو تمتا لم تدلا على أكثر من امتناع اجتماع الفعل و القبول بمعنى الانفعال و التأثر في شي‏ء واحد بما هو واحد و أما القبول بمعنى الاتصاف كاتصاف الماهيات بلوازمها فليس أثرا صادرا عن الذات يسبقه إمكان. و الحجتان مع ذلك لا تخلوان من مناقشة أما الأولى فلأن جعل القبول أثرا صادرا عن القابل يوجب كون القابل علة فاعلية للقبول فيرد الإشكال في قبول القابل البسيط للصورة حيث إنه يفعل القبول و يصير جزءا من المركب و هما أثران لا يصدران عن الواحد. و أما الثانية فلأن نسبة العلة الفاعلية بما أنها إحدى العلل الأربع إلى الفعل ليست نسبة الوجوب إذ مجرد وجود العلة الفاعلية لا يستوجب وجود المعلول ما لم ينضم إليها سائر العلل اللهم إلا أن يكون الفاعل علة تامة وحدها و مجرد فرض الفاعل تام الفاعلية و المراد به كونه فاعلا بالفعل بانضمام بقية العلل إليه لا يوجب تغير نسبته في نفسه إلى الفعل من الإمكان إلى الوجوب. و احتج المتأخرون على جواز كون الشي‏ء الواحد من حيث هو واحد فاعلا و قابلا بلوازم الماهيات سيما البسائط منها فما منها إلا و له لازم أو لوازم كالإمكان و كونه ماهية و مفهوما و كذا المفاهيم المنتزعة من ذات الواجب تعالى كوجوب الوجود و الوحدانية فإن الذات فاعل لها و قابل لها. و الحجة كما عرفت لا تتم إلا فيما كان القبول فيه بمعنى الاتصاف فالقبول و الفعل فيه واحد و أما ما كان القبول فيه انفعالا و تأثرا و استكمالا فالقبول فيه يلازم الفقدان و الفعل يلازم الوجدان و هما متنافيان لا يجتمعان في واحد. نهايةالحكمة، صفحة 180 الفصل الحادي عشر في العلة الغائية و إثباتها سيأتي إن شاء الله بيان أن الحركة كمال أول لما بالقوة من حيث إنه بالقوة فهناك كمال ثان يتوجه إليه المتحرك بحركته المنتهية إليه فهو الكمال الأخير الذي يتوصل إليه المتحرك بحركته و هو المطلوب لنفسه و الحركة مطلوبة لأجله و لذا قيل إن الحركة لا تكون مطلوبة لنفسها و أنها لا تكون مما يقتضيه ذات الشي‏ء. و هذا الكمال الثاني هو المسمى غاية الحركة يستكمل بها المتحرك نسبتها إلى الحركة نسبة التمام إلى النقص و لا يخلو عنها حركة و إلا انقلبت سكونا. و لما بين الغاية و الحركة من الارتباط و النسبة الثابتة كان بينهما نوع من الاتحاد ترتبط به الغاية بالمحرك كمثل الحركة كما ترتبط بالمتحرك كمثل الحركة. ثم إن المحرك إذا كان هو الطبيعة و حركت الجسم بشي‏ء من الحركات العرضية الوضعية و الكيفية و الكمية و الأينية مستكملا بها الجسم كانت الغاية هو التمام الذي يتوجه إليه المتحرك بحركته و تطلبه الطبيعة المحركة بتحريكها و لو لا الغاية لم يكن من المحرك تحريك و لا من المتحرك حركة. فالجسم المتحرك مثلا من وضع إلى وضع إنما يريد الوضع الثاني فيتوجه إليه بالخروج من الوضع الأول إلى وضع سيال يستبدل به فردا آنيا إلى فرد مثله حتى يستقر على وضع ثابت غير متغير فيثبت عليه و هو التمام المطلوب لنفسه و المحرك أيضا يطلب ذلك. و إذا كان المحرك فاعلا علميا لعلمه دخل في فعله كالنفوس الحيوانية و نهايةالحكمة، صفحة 181الإنسانية كانت الحركة بما لها من الغاية التي هو التمام مرادة له لكن الغاية هي المرادة لنفسها و الحركة تتبعها لأنها لأجل الغاية كما تقدم غير أن الفاعل العلمي ربما يتخيل ما يلزم الغاية أو يقارنها غاية للحركة فيأخذه منتهى إليه للحركة و يوجد بينهما تخيلا فيحرك نحوه كمن يتحرك إلى مكان ليلقى صديقه أو يمشي إلى مشرعة لشرب الماء و كمن يحضر السوق ليبيع و يشتري. هذا كله فيما كان الفعل حركة عرضية طبيعية أو إرادية و أما إذا كان فعلا جوهريا كالأنواع الجوهرية فإن كان من الجواهر التي لها تعلق ما بالمادة فسيأتي إن شاء الله أنها جميعا متحركة بحركة جوهرية لها وجودات سيالة تنتهي إلى وجودات ثابتة غير سيالة تستقر عليها فلها تمام هو وجهتها التي توليها و هو مراد عللها الفاعلة المحركة لنفسه و حركاتها الجوهرية مراده لأجله. و إن كان الفعل من الجواهر المجردة ذاتا و فعلا عن المادة فهو لمكان فعلية وجوده و تنزهه عن القوة لا ينقسم إلى تمام و نقص كغيره بل هو تمام في نفسه مراد لنفسه مقصود لأجله و الفعل و الغاية هناك واحد بمعنى أن الفعل بحقيقته التي في مرتبة وجود الفاعل غاية لنفسه التي هي الرقيقة لا أن الفعل علة غائية لنفسه متقدمة على نفسه لاستحالة علية الشي‏ء لنفسه. فقد تبين أن لكل فاعل غاية في فعله و هي العلة الغائية للفعل و هو المطلوب. و ظهر مما تقدم أمور أحدها أن غاية الفعل و هي التي يتعلق بها اقتضاء الفاعل بالأصالة و لنفسه قد تتحد مع فعله بمعنى كون الغاية هي حقيقة الفعل المتقررة في مرتبة وجود الفاعل و مرجعه إلى اتحاد الفاعل و الغاية كما إذا كان فعل الفاعل موجودا مجردا في ذاته و فعله تام الفعلية في نفسه مرادا لنفسه و قد لا تتحد مع الفعل بل يختلفان كما فيما إذا كان الفعل من قبيل الحركات العرضية أو من الجواهر التي لها نوع تعلق بالمادة نهايةالحكمة، صفحة 182 كالنفوس و الصور المنطبعة في المواد فإن الفاعل يتوصل إلى هذا القبيل من الغايات بالتحريك و الحركة غير مطلوبة لنفسها فتتحقق الحركة و تترتب عليها الغاية سواء كانت الغاية راجعة إلى الفاعل كمن يحزنه ضر ضرير فيرفعه ابتغاء للفرح أو راجعة إلى المادة كمن يتحرك إلى وضع يصلح حاله أو راجعة إلى غيرهما كمن يكرم يتيما ليفرح. و ثانيها أن الغاية معلومة للفواعل العلمية قبل الفعل و إن كانت متحققة بعدة مترتبة عليه و ذلك أن هذا القبيل من الفواعل مريدة لفعلها و الإرادة كيفما كانت مسبوقة بالعلم فإن كان هناك تحريك كانت الحركة مرادة لأجل الغاية فالغاية مرادة للفاعل قبل الفعل و إن لم يكن هناك تحريك و كان الفعل هو الغاية فإرادته و العلم به إرادة للغاية و علم بها و أما قولهم إن الغاية قبل الفعل تصورا و بعده وجودا فإنما يتم في غير غاية الطبائع لفقدانها العلم. و أما قولهم إن العلة الغائية علة فاعلية لفاعلية الفاعل فكلام لا يخلو عن مسامحة لأن الفواعل الطبيعية لا علم لها حتى يحضرها غاياتها حضورا علميا يعطي الفاعلية للفاعل و أما بحسب الوجود الخارجي فالغاية مترتبة الوجود على وجود الفعل و الفعل متأخر وجودا عن الفاعل بما هو فاعل فمن المستحيل أن تكون الغاية علة لفاعلية الفاعل. و الفواعل العلمية غير الطبيعية أما غايتها عين فعلها و الفعل معلول لفاعله و من المستحيل أن يكون المعلول علة لعلته و أما غايتها مترتبة الوجود على فعلها متأخرة عنه و من المستحيل أن تكون علة لفاعل الفعل المتقدم عليه و حضور الغاية حضورا علميا للفاعل قبل الفعل وجود ذهني هو أضعف من أن يكون علة لأمر خارجي و هو الفاعل بما هو فاعل. و الحق كما سيأتي تفصيله أن الفواعل العلمية بوجوداتها النوعية علل فاعلية للأفعال المرتبطة بها الموجوده لها في ذيل نوعيتها كما أن كل نوع من نهايةالحكمة، صفحة 183 الأنواع الطبيعية مبدأ فاعلي لما يوجد حولها و يصدر عنها من الأفعال و إذ كانت فواعل علمية فحصول صورة الفعل العلمية عندها شرط متمم لفاعليتها يتوقف عليه فعلية التأثير و هذا هو المراد بكون العلة الغائية علة لفاعلية العلة الفاعلية و إلا فالفاعل بنوعيته علة فاعلية للأفعال الصادرة عنه القائمة به التي هي كمالات ثانية له يستكمل بها. و ثالثها أن الغاية و إن كانت بحسب النظر البدوي تارة راجعة إلى الفاعل و تارة إلى المادة و تارة إلى غيرهما لكنها بحسب النظر الدقيق راجعة إلى الفاعل دائما فإن من يحسن إلى مسكين ليسر المسكين بذلك يتألم من مشاهدة ما يراه عليه من رثاثة الحال فهو يريد بإحسانه إزاحة الألم عن نفسه و كذلك من يسير إلى مكان ليستريح فيه يريد بالحقيقة إراحة نفسه من إدراك ما يجده ببدنه من التعب. و بالجملة الفعل دائما مسانخ لفاعله ملائم له مرضي عنده و كذا ما يترتب عليه من الغاية فهو خير للفاعل كمال له و أما ما قيل إن العالي لا يستكمل بالسافل و لا يريده لكونه علة و العلة أقوى وجودا و أعلى منزلة من معلولها. فمندفع كما قيل بأن الفاعل إنما يريده بما أنه أثر من آثاره فالإرادة بالحقيقة متعلقة بنفس الفاعل بالذات و بغاية الفعل المترتبة عليه بتبعه. فالفاعل حينما يتصور الغاية الكمالية يشاهد نفسه بما لها من الاقتضاء و السببية للغاية فالجائع الذي يريد الأكل ليشبع به مثلا يشاهد نفسه بما لها من الاقتضاء لهذا الفعل المترتب عليه الغاية أي يشاهد نفسه ذات شبع بحسب الاقتضاء فيريد أن يصير كذلك بحسب الوجود الفعلي الخارجي. فإن كان للفاعل نوع تعلق بالمادة كان مستكملا بفعلية الغاية التي هي ذاته بما أنه فاعل و أما الغاية الخارجه من ذاته المترتبة وجودا على الفعل فهو مستكمل بها بالتبع و إن كان مجردا عن المادة ذاتا و فعلا فهو كامل في نفسه نهايةالحكمة، صفحة 184 غير مستكمل بغايته التي هي ذاته التامة الفعلية التي هي في الحقيقة ذاته التامة. فظهر مما تقدم أولا أن غاية الفاعل في فعله إنما هي ذاته الفاعلة بما أنها فاعلة و أما غاية الفعل المترتبة عليه فإنما هي غاية مرادة بالتبع. و ثانيا أن الغاية كمال للفاعل دائما فإن كان الفاعل متعلقا بالمادة نوعا من التعلق كان مستكملا بالغاية التي هي ذاته الفاعلة بما أنها فاعلة و إن كان مجردا عن المادة مطلقا كانت الغاية عين ذاته التي هي كمال ذاته من غير أن يكون كمالا بعد النقص و فعلية بعد القوة. و من هنا يتبين أن قولهم إن كل فاعل له في فعله غاية فإنه يستكمل بغايته و ينتفع به لا يخلو من مسامحة فإنه غير مطرد إلا في الفواعل المتعلقة بالمادة نوع تعلق. تنبيه ذهب قوم من المتكلمين إلى أن الواجب تعالى لا غاية له في أفعاله لغناه بالذات عن غيره و هو قولهم إن أفعال الله لا تعلل بالأغراض و ذهب آخرون منهم إلى أن له تعالى في أفعاله غايات و مصالح عائدة إلى غيره و ينتفع بها خلقه. و يرد الأول ما تقدم أن فعل الفاعل لا يخلو من أن يكون خيرا مطلوبا له بالذات أو منتهيا إلى خير مطلوب بالذات و ليس من لوازم وجود الغاية حاجة الفاعل إليها لجواز كونها عين الفاعل كما تقدم. و يرد الثاني أنه و إن لم يستلزم حاجته تعالى إلى غيره و استكماله بالغايات المترتبة على أفعاله و انتفاعه بها لكن يبقى عليه لزوم إرادة العالي للسافل و طلب الأشرف للأخس فلو كانت غايته التي دعته إلى الفعل و توقف عليها نهايةالحكمة، صفحة 185 فعله بل فاعليته هي التي تترتب على الفعل من الخير و المصلحة لكان لغيره شي‏ء من التأثير فيه و هو فاعل أول تام الفاعلية لا يتوقف في فاعليته على شي‏ء. بل الحق كما تقدم أن الفاعل بما هو فاعل لا غاية لفعله بالحقيقة إلا ذاته الفاعلة بما هي فاعلة لا يبعثه نحو الفعل إلا نفسه و ما يترتب على الفعل من الغاية غاية بالتبع و هو تعالى فاعل تام الفاعلية و علة أولى إليها تنتهي كل علة فذاته تعالى بما أنه عين العلم بنظام الخير غاية لذاته الفاعلة لكل خير سواه و المبدأ لكل كمال غيره. و لا يناقض قولنا إن فاعلية الفاعل تتوقف على العلة الغائية الظاهر في المغايرة بين المتوقف و المتوقف عليه قولنا إن غاية الذات الواجبة هي عين الذات المتعالية. فالمراد بالتوقف و الاقتضاء في هذا المقام المعنى الأعم الذي هو عدم الانفكاك فهو كما أشار إليه صدر المتألهين من المسامحات الكلامية التي يعتمد فيها على فهم المتدرب في العلوم كقولهم في تفسير الواجب بالذات أنه الأمر الذي يقتضي لذاته الوجود و أنه موجود واجب لذاته الظاهر في كون الذات علة لوجوده و وجوده عينه. و بالجملة فعلمه تعالى في ذاته بنظام الخير غاية لفاعليته التي هي عين الذات بل الإمعان في البحث يعطي أنه تعالى غاية الغايات فقد عرفت أن وجود كل معلول بما أنه معلول رابط بالنسبة إلى علته لا يستقل دونها و من المعلوم أن التوقف لا يتم معناه دون أن يتعلق بمتوقف عليه لنفسه و إلا لتسلسل و كذا الطلب و القصد و الإرادة و التوجه و أمثالها لا تتحقق بمعناها إلا بالانتهاء إلى مطلوب لنفسه و مقصود لنفسه و مراد لنفسه و متوجه إليه لنفسه و إذ كان تعالى هو العلة الأولى التي إليها ينتهي وجود ما سواه فهو استقلال كل مستقل و عماد كل معتمد فلا يطلب طالب و لا يريد مريد إلا نهايةالحكمة، صفحة 186 إياه و لا يتوجه متوجه إلا إليه بلا واسطة أو معها فهو تعالى غاية كل ذي غاية. الفصل الثاني عشر في أن الجزاف و القصد الضروري و العادة و ما يناظرها من الأفعال لا تخلو عن غاية قد يتوهم أن من الأفعال الإرادية ما لا غاية له كملاعب الأطفال و التنفس و انتقال المريض النائم من جانب إلى جانب و اللعب باللحية و أمثال ذلك فينتقض بذلك كلية قولهم إن لكل فعل غاية و يندفع ذلك بالتأمّل في مبادي أفعالنا الإرادية و كيفية ترتب غاياتها عليها فنقول قالوا إن لأفعالنا الإرادية و حركاتنا الاختيارية مبدأ قريبا مباشرا للحركات المسماة أفعالا و هو القوة العاملة المنبثة في العضلات المحركة إياها و قبل القوة العاملة مبدأ آخر هو الشوقية المنتهية إلى الإرادة و الإجماع و قبل الشوقية مبدأ آخر هو الصورة العلمية من تفكر أو تخيل يدعو إلى الفعل لغايته فهذه مباد ثلاثة غير الإرادية. أما القوة العاملة فهي مبدأ طبيعي لا شعور له بالفعل فغايتها ما تنتهي إليه الحركة كما هو شأن الفواعل الطبيعية. و أما المبدءان الآخران أعني الشوقية و الصورة العلمية فربما كانت غايتهما غاية القوة العاملة و هي ما ينتهي إليه الحركة و عندئذ تتحد المبادي الثلاثة في الغاية كمن تخيل الاستقرار في مكان غير مكانه فاشتاق إليه فتحرك نحوه و استقر عليه و ربما كانت غايتهما غير غاية القوة العاملة كمن نهايةالحكمة، صفحة 187 تصور مكانا غير مكانه فانتقل إليه للقاء صديقه. و المبدأ البعيد أعني الصورة العلمية ربما كانت تخيلية فقط بحضور صورة الفعل تخيلا من غير فكر و ربما كانت فكرية و لا محالة معها تخيل جزئي للفعل و أيضا ربما كانت وحدها مبدأ للشوقية و ربما كانت مبدأ لها بإعانة من الطبيعة كما في التنفس أو من المزاج كانتقال المريض النائم من جانب إلى جانب أو من الخلق و العادة كاللعب باللحية. فإذا تطابقت المبادي الثلاثة في الغاية كالإنسان يتخيل صورة مكان فيشتاق إليه فيتحرك نحوه و يسمى جزافا كان لفعله بما له من المبادي غايته. و إذا عقب المبدأ العلمي الشوقية بإعانة من الطبيعة كالتنفس أو من المزاج كانتقال المريض من جانب أمله الاستقرار عليه إلى جانب و يسمى قصدا ضروريا أو بإعانة من الخلق كاللعب باللحية و يسمى الفعل حينئذ عادة كان لكل من مبادي الفعل غايته. و لا ضير في غفلة الفاعل و عدم التفاته إلى ما عنده من الصورة الخيالية للغاية في بعض هذا الصور أو جميعها فإن تخيل الغاية غير العلم بتخيل الغاية و العلم غير العلم بالعلم. و الغاية في جميع هذه الصور المسماة عبثا ليست غاية فكرية و لا ضير فيه لأن المبدأ العلمي فيها صورة تخيلية غير فكرية فلا مبدأ فكري فيها حتى تكون لها غاية فكرية و إن شئت فقل إن فيها مبدأ فكريا ظنيا ملحوظا على سبيل الإجمال يلمح إليه الشوق المنبعث من تخيل صورة الفعل فالطفل مثلا يتصور الاستقرار على مكان غير مكانه فينبعث منه شوق ما يلمح إلى أنه راجح ينبغي أن يفعل فيقضي إجمالا برجحانه فيشتد شوقه فيريد فيفعل من دون أن يكون الفعل مسبوقا بعلم تفصيلي يتم بالحكم بالرجحان نظير المتكلم عن ملكة فيلفظ بالحرف بعد الحرف من غير تصور و تصديق تفصيلا و الفعل علمي اختياري. نهايةالحكمة، صفحة 188 و كذا لا ضير في انتفاء الغاية في بعض الحركات الطبيعية أو الإرادية المنقطعة دون الوصول إلى الغاية و يسمى الفعل حين ذاك باطلا و ذلك أن انتفاء الغاية في فعل أمر و انتفاء الغاية بانقطاع الحركة و بطلانها أمر آخر و المدعى امتناع الأول دون الثاني و هو ظاهر. و ليعلم أن مبادي الفعل الإرادي منا مترتبة على ما تقدم فهناك قوة عاملة يترتب عليها الفعل و هي مترتبة على الإرادة و هي مترتبة على الشوقية من غير إرادة متخللة بينهما و الشوقية مترتبة على الصورة العلمية الفكرية أو التخيلية من غير إرادة متعلقة بها بل نفس العلم يفعل الشوق كذا قالوا و لا ينافيه إسنادهم الشوق إلى بعض من الصفات النفسانية لأن الصفات النفسانية تلازم العلم. قال الشيخ في الشفاء لانبعاث هذا الشوق علة ما لا محالة إما عادة أو ضجر عن هيئة و إرادة انتقال إلى هيئة أخرى و إما حرص من القوى المحركة و المحسة على أن يتجدد لها فعل تحريك أو إحساس و العادة لذيذة و الانتقال عن المملول لذيذ و الحرص على الفعل الجديد لذيذ أعني بحسب القوة الحيوانية و التخيلية و اللذة هي الخير الحسي و الحيواني و التخيلي بالحقيقة و هي المظنونة خيرا بحسب الخير الإنساني فإذا كان المبدأ تخيليا حيوانيا فيكون خيره لا محالة تخيليا حيوانيا فليس إذن هذا الفعل خاليا عن خير بحسبه و إن لم يكن خيرا حقيقيا أي بحسب العقل انتهى. ثم إن الشوق لما كان لا يتعلق إلا بكمال مفقود غير موجود كان مختصا بالفاعل العلمي المتعلق بالمادة نوعا من التعلق فالفاعل المجرد ليس فيه من مبادي الفعل الإرادي إلا العلم و الإرادة بخلاف الفاعل العلمي الذي له نوع تعلق بالمادة فإن له العلم و الشوق و الإرادة و القوة المادية المباشرة للفعل على ما تقدم كذا قالوا. نهايةالحكمة، صفحة 189 الفصل الثالث عشر في نفي الاتفاق و هو انتفاء الرابطة بين الفاعل و الغاية ربما يتوهم أن من الغايات المترتبة على الأفعال ما هو غير مقصود لفاعلها فليس كل فاعل له في فعله غاية و مثلوا له بمن يحفر بئرا ليصل إلى الماء فيعثر على كنز فالعثور على الكنز غاية مترتبة على الفعل غير مرتبطة بالحافر و لا مقصودة له و بمن يدخل بيتا ليستظل فيه فينهدم عليه فيموت و ليس الموت غاية مقصودة للداخل و يسمى النوع الأول من الاتفاق بختا سعيدا و النوع الثاني بختا شقيا. و الحق أن لا اتفاق في الوجود و البرهان عليه أن الأمور الممكنة في وقوعها على أربعة أقسام دائمي الوقوع و الأكثري الوقوع و المتساوي الوقوع و اللاوقوع و الأقلي الوقوع أما الدائمي الوقوع و الأكثري الوقوع فلكل منها علة عند العقل بالضرورة و الفرق بينهما أن الأكثري الوقوع يعارضه في بعض الأحيان معارض يمنعه من الوقوع بخلاف الدائمي الوقوع حيث لا معارض له و إذ كان تخلف الأكثري في بعض الأحيان عن الوقوع مستندا إلى معارض مفروض فهو دائمي الوقوع بشرط عدم المعارض بالضرورة مثاله الوليد الإنساني يولد في الأغلب ذا أصابع خمس و يتخلف في بعض الأحيان فيولد و له إصبع زائدة لوجود معارض يعارض القوة المصورة فيما تقتضيه من الفعل فالقوة المصورة بشرط عدم المعارض تأتي بخمس أصابع دائما. و نظير الكلام يجري في الأقلي الوقوع فإنه مع اشتراط المعارض الخاص الذي يعارض السبب الأكثري دائمي الوقوع بالضرورة كما في مثال الإصبع الزائدة فالقوة المصورة كلما صادفت في المحل مادة زائدة تصلح لصورة نهايةالحكمة، صفحة 190 إصبع على شرائطها الخاصة فإنها تصور إصبعا دائما. و نظير الكلام الجاري في الأكثري الوقوع و الأقلي الوقوع يجري في المتساوي الوقوع و اللاوقوع كقيام زيد و قعوده. فالأسباب الحقيقية دائمة التأثير من غير تخلف في فعلها و لا في غايتها و القول بالاتفاق من الجهل بالأسباب الحقيقية و نسبة الغاية إلى غير ذي الغاية فعثور الحافر للبئر على الكنز إذا نسب إلى سببها الذاتي و هو حفر البئر بشرط محاذاته للكنز الدفين تحته غاية ذاتية دائمية و ليس من الاتفاق في شي‏ء و إذا نسب إلى مطلق حفر البئر من غير شرط آخر كان اتفاقا و غاية عرضية منسوبة إلى غير سببه الذاتي الدائمي و كذا موت من انهدم عليه البيت و قد دخله للاستظلال إذا نسب إلى سببه الذاتي و هو الدخول في بيت مشرف على الانهدام و المكث فيه حتى ينهدم غاية ذاتية دائمية و إذا نسب إلى مطلق دخول البيت للاستظلال كان اتفاقا و غاية عرضية منسوبة إلى غير سببه الذاتي و الكلام في سائر الأمثلة الجزئية للاتفاق على قياس هذين المثالين و قد تمسك القائلون بالاتفاق بأمثال هذه الأمثلة الجزئية التي عرفت حالها و قد نسب إلى ذيمقراطيس أن كينونة العالم بالاتفاق و ذلك أن الأجسام مؤلفة من أجرام صغار صلبة منبثة في خلاء غير متناه و هي متشاكلة الطبائع مختلفة الأشكال دائمة الحركة فاتفق أن تصادفت منها جملة اجتمعت على هيئة خاصة فكان هذا العالم و لكنه زعم أن كينونة الحيوان و النبات ليس باتفاق. و نسب إلى أنباذقلس أن تكون الأجرام الأسطقسية بالاتفاق فما اتفق منها أن اجتمعت على نحو صالح للبقاء و النسل بقي و ما اتفق إن لم يكن كذلك لم يبق و تلاشى و قد احتج على ذلك بعده حجج الحجة الأولى أن الطبيعة لا روية لها فكيف تفعل فعلها لأجل غاية و أجيب عنها بأن الروية لا تجعل الفعل ذا غاية و إنما تميز الفعل من غيره و نهايةالحكمة، صفحة 191 تعينه ثم الغاية تترتب على الفعل لذاتها لا بجعل جاعل فاختلاف الدواعي و الصوارف هو المحوج لإعمال الروية المعينة و لو لا ذلك لم يحتج إليها كما أن الأفعال الصادرة عن الملكات كذلك فالمتكلم بكلام يأتي بالحرف بعد الحرف على هيئتها المختلفة من غير روية يتروى بها و لو تروى لتبلد و انقطع عن الكلام و كذا أرباب الصناعات في صناعاتهم لو تروى في ضمن العمل واحد منهم لتبلد و انقطع. الحجة الثانية أن في نظام الطبيعة أنواعا من الفساد و الموت و أقساما من الشر و المساءة في نظام لا يتغير عن أسباب لا تتخلف و هي غير مقصودة للطبيعة بل لضرورة المادة فلنحكم أن أنواع الخير و المنافع المترتبة على فعل الطبيعة أيضا على هذا النمط من غير قصد من الطبيعة و لا داع يدعوها إلى ذلك و أجيب عنها بأن ما كان من هذه الشرور من قبيل عدم بلوغ الفواعل الطبيعية غاياتها لانقطاع حركاتها فليس من شرط كون الطبيعة متوجهة إلى غاية أن تبلغها و قد تقدم الكلام في الباطل. و ما كان منها من قبيل الغايات التي هي شرور و هي على نظام دائمي فهي أمور خيرها غالب على شرها فهي غايات بالقصد الثاني و الغايات بالقصد الأول هي الخيرات الغالبة اللازمة لهذه الشرور و تفصيل الكلام في هذا المعنى في بحث القضاء. فمثل الطبيعة في أفعالها التي تنتهي إلى هذه الشرور مثل النجار يريد أن يصنع بابا من خشبة فيأخذ بالنحت و النشر فيركب و يصنع و لازمه الضروري إضاعة مقدار من الخشبة بالنشر و النحت و هي مرادة له بالقصد الثاني بتبع إرادته لصنع الباب. الحجة الثالثة أن الطبيعة الواحدة تفعل أفعالا مختلفة مثل الحرارة فإنها تحل الشمع و تعقد الملح و تسود وجه القصار و تبيض وجه الثوب. و أجيب عنها بأن الطبيعة الواحدة لا تفعل إلا فعلا واحدا له غاية واحدة نهايةالحكمة، صفحة 192 و أما ترتب آثار مختلفة على فعلها فمن التوابع الضرورية لمقارنة عوامل و موانع متنوعة و متباينة. فقد تحصل من جميع ما تقدم أن الغايات المترتبة على أفعال الفواعل غايات ذاتية دائمية لعللها و أسبابها الحقيقية و أن الآثار النادرة التي تسمى اتفاقيات غايات بالعرض منسوبة إلى غير أسبابها الحقيقية و هي بعينها دائمية بنسبتها إلى أسبابها الحقيقية فلا مناص عن إثبات الرابطة الوجودية بينها و بين السبب الفاعلي الحقيقي. و لو جاز لنا أن نشك في ارتباط هذه الغايات بفواعلها مع ما ذكر من دوام الترتب لجاز لنا أن نشك في ارتباط الفعل بالفاعل و لهذا أنكر كثير من القائلين بالاتفاق العلة الفاعلية كالغائية و حصروا العلة في العلة المادية و قد تقدم الكلام في العلة الفاعلية. الفصل الرابع عشر في العلة المادية و الصورية قد عرفت أن الأنواع التي لها كمال بالقوة لا تخلو في جوهر ذاتها من جوهر يقبل فعلية كمالاتها الأولى و الثانية من الصور و الأعراض فإن كانت حيثيتة حيثية القوة من جهة و حيثية الفعلية من جهة كالجسم الذي هو بالفعل من جهة جسميته و بالقوة من جهة الصور و الأعراض اللاحقة لجسميته سمي مادة ثانية و إن كانت حيثيته حيثية القوة محضا و هو الذي ينتهي إليه المادة الثانية بالتحليل و هو الذي بالقوة من كل جهة إلا جهة كونه بالقوة من كل جهة سمي هيولى و مادة أولى. و للمادة عليه بالنسبة إلى النوع المادي المركب منها و من الصورة لتوقف نهايةالحكمة، صفحة 193 وجوده عليها توقفا ضروريا فهي بما أنها جزء للمركب علة له و بالنسبة إلى الجزء الآخر الذي يقبله أعني الصورة مادة لها و معلولة لها لما تقدم أن الصورة شريكة العلة للمادة. و قد حصر جمع من الطبيعيين العلية في المادة فقط منكرين للعلل الثلاث الآخر و يدفعه أولا أن المادة حيثية ذاتها القوة و القبول و لازمها الفقدان و من الضرورة أنه لا يكفي لإعطاء الفعلية و إيجادها الملازم للوجدان فلا يبقى للفعلية إلا أن توجد من غير علة و هو محال. و ثانيا أنه قد تقدم أن الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد و إذ كانت المادة شأنها الإمكان و القبول فهي لا تصلح لأن يستند إليها هذا الوجوب المنتزع من وجود المعلول و حقيقته الضرورة و اللزوم و عدم الانفكاك فوراء المادة أمر لا محالة يستند إليه وجوب المعلول و وجوده و هو العلة الفاعلية المفيضة لوجود المعلول. و ثالثا أن المادة ذات طبيعة واحدة لا تؤثر إن أثرت إلا أثرا واحدا متشابها و قد سلموا ذلك و لازمه رجوع ما للأشياء من الاختلاف إلى ما للمادة من صفة الوحدة ذاتا و صفة و هو كون كل شي‏ء عين كل شي‏ء و ضرورة العقل تبطله. و أما العلة الصورية فهي الصورة بمعنى ما به الشي‏ء هو ما هو بالفعل بالنسبة إلى الشي‏ء المركب منها و من المادة لضرورة أن للمركب توقفا عليها و أما الصورة بالنسبة إلى المادة فليست علة صورية لها لعدم كون المادة مركبة منها و من غيرها مفتقرة إليها في ذاتها بل هي محتاجة إليها في تحصلها الخارج من ذاتها و لذا كانت الصورة شريكة العلة بالنسبة إليها و محصله لها كما تقدم بيانه. و اعلم أن الصورة المحصلة للمادة ربما كانت جزءا من المادة بالنسبة إلى صورة لاحقة و لذا ينتسب ما كان لها من الأفعال و الآثار نظرا إلى كونها صورة محصلة للمادة إلى الصورة التي صارت جزءا من المادة بالنسبة إليها نهايةالحكمة، صفحة 194 كالنبات مثلا فإن الصورة النباتية صورة محصلة للمادة الثانية التي هي الجسم لها آثار فعلية هي آثار الجسمية و النباتية ثم إذا لحقت به صورة الحيوان كانت الصورة النباتية جزءا من مادتها و ملكت الصورة الحيوانية ما كان له من الأفعال و الآثار الخاصة و هكذا كلما لحقت بالمركب صورة جديدة عادت الصور السابقة عليها أجزاء من المادة الثانية و ملكت الصورة الجديدة ما كان للصور السابقة من الأفعال و الآثار و قد تقدم أن الصورة الأخيرة تمام حقيقة النوع. و اعلم أيضا أن التركيب بين المادة و الصورة ليس بانضمامي كما ينسب إلى الجمهور بل تركيب اتحادي كما يقضي به اجتماع المبهم و المحصل و القوة و الفعل و لو لا ذلك لم يكن التركيب حقيقيا و لا حصل نوع جديد له آثار خاصة. الفصل الخامس عشر في العلة الجسمانية العلل الجسمانية متناهية أثرا عدة و مدة و شدة لأن الأنواع الجسمانية متحركة بجواهرها و أعراضها فما لها من الطبائع و القوى الفعالة منحلة منقسمة إلى أبعاض كل منها محفوف بالعدمين السابق و اللاحق محدود ذاتا و أثرا و أيضا العلل الجسمانية لا تفعل إلا مع وضع خاص بينها و بين المادة المنفعلة قالوا لأنها لما احتاجت إلى المادة في وجودها احتاجت إليها في إيجادها الذي هو فرع وجودها و حاجتها إلى المادة في إيجادها هو أن يحصل لها بسبب المادة وضع خاص مع معلولها و لذا كان للقرب و البعد و الأوضاع الخاصة دخل في كيفية تأثير العلل الجسمانية. نهايةالحكمة، صفحة 195 المرحلة التاسعة في القوة و الفعل و فيها أربعة عشر فصلا نهايةالحكمة، صفحة 196 مقدمة وجود الشي‏ء في الأعيان بحيث يترتب عليه آثاره المطلوبة منه يسمى فعلا و يقال إن وجوده بالفعل و إمكانه الذي قبل تحققه يسمى قوة و يقال إن وجوده بالقوة مثال ذلك النطفة فإنها ما دامت نطفة هي إنسان مثلا بالقوة فإذا تبدلت إنسانا صارت إنسانا بالفعل له آثار الإنسانية المطلوبة من الإنسان. و الأشبه أن تكون القوة في أصل الوضع بمعنى مبدإ الأفعال الشاقة الشديدة أعني كون الشي‏ء بحيث يصدر عنه أفعال شديدة ثم توسع في معناها فأطلقت على مبدإ الانفعالات الصعبة أعني كون الشي‏ء بحيث يصعب انفعاله بتوهم أن الانفعال أثر موجود في مبدئه كما أن الفعل و التأثير أثر موجود في الفاعل ثم توسعوا فأطلقوا القوة على مبدإ الانفعال و لو لم يكن صعبا لما زعموا أن صعوبة الانفعال و سهولته سنخ واحد تشكيكي فقالوا إن في قوة الشي‏ء الفلاني أن يصير كذا و أن الأمر الفلاني فيه بالقوة هذا ما عند العامة. و لما رأى الحكماء أن للحوادث الزمانية من الصور و الأعراض إمكانا قبل وجودها منطبقا على حيثية القبول التي تسمية العامة قوة سموا الوجود الذي للشي‏ء في الإمكان قوة كما سموا مبدأ الفعل قوة فأطلقوا القوة على نهايةالحكمة، صفحة 197 العلل الفاعلية و قالوا القوى الطبيعية و القوى النفسانية و سموا الوجود الذي يقابله و هو الوجود المترتب عليه الآثار المطلوبة منه وجودا بالفعل فقسموا الموجود المطلق إلى ما وجوده بالفعل و ما وجوده بالقوة و القسمان هما المبحوث عنهما في هذه المرحلة و فيها أربعة عشر فصلا الفصل الأول كل حادث زماني فإنه مسبوق بقوة الوجود و ذلك لأنه قبل تحقق وجوده يجب أن يكون ممكن الوجود جائزا أن يتصف بالوجود و أن لا يتصف إذ لو لم يكن ممكنا قبل حدوثه لكان إما ممتنعا فاستحال تحققه و قد فرض حادثا زمانيا هذا خلف و إما واجبا فكان موجودا و استحال عدمه لكنه ربما تخلف و لم يوجد. و هذا الإمكان أمر موجود في الخارج و ليس اعتبارا عقليا لاحقا بماهية الشي‏ء الممكن لأنه يتصف بالشدة و الضعف و القرب و البعد فالنطفة التي فيها إمكان أن يصير إنسانا مثلا أقرب إلى الإنسان الممكن من الغذاء الذي يمكن أن يتبدل نطفة ثم يصير إنسانا و الإمكان في النطفة أيضا أشد منه في الغذاء مثلا. ثم إن هذا الإمكان الموجود في الخارج ليس جوهرا قائما بذاته و هو ظاهر بل هو عرض قائم بموضوع يحمله فلنسمه قوة و لنسم الموضوع الذي يحمله مادة فإذن لكل حادث زماني مادة سابقة عليه تحمل قوة وجوده و يجب أن تكون المادة غير ممتنعة عن الاتحاد بالفعلية التي تحمل إمكانها و إلا لم تحمل إمكانها فهي في ذاتها قوة الفعلية التي تحمل إمكانها إذ لو كانت ذات فعلية في نفسها لامتنعت عن قبول فعلية أخرى بل هي جوهر فعلية وجوده أنه قوة الأشياء نهايةالحكمة، صفحة 198 لكنها لكونها جوهرا بالقوة قائمة بفعلية أخرى إذا حدث الممكن و هو الفعلية التي حملت المادة إمكانها بطلت الفعلية السابقة و قامت الفعلية اللاحقة مقامها كمادة الماء مثلا تحمل قوة الهواء و هي قائمة بعد بالصورة المائية حتى إذا تبدل هواء بطلت الصورة المائية و قامت الصورة الهوائية مقامها و تقومت المادة بها. و مادة الفعلية الجديدة الحادثة و الفعلية السابقة الزائلة واحدة و إلا كانت المادة حادثة بحدوث الفعلية الحادثة فاستلزمت إمكانا آخر و مادة أخرى و ننقل الكلام إليهما فكانت لحادث واحد إمكانات و مواد غير متناهية و هو محال و نظير الإشكال لازم لو فرض للمادة حدوث زماني. و قد تبين بما تقدم أولا أن النسبة بين المادة و القوة التي تحملها نسبة الجسم الطبيعي و الجسم التعليمي فقوة الشي‏ء الخاص تعين قوة المادة المبهمة. و ثانيا أن حدوث الحوادث الزمانية لا ينفك عن تغير في الصور إن كانت جواهر و في الأحوال إن كانت أعراضا. و ثالثا أن القوة تقوم دائما بفعلية و المادة تقوم دائما بصورة تحفظها فإذا حدثت صورة بعد صورة قامت الصورة الحديثة مقام القديمة و قومت المادة. الفصل الثاني في استيناف القول في معنى وجود الشي‏ء بالقوة و وجوده بالفعل و انقسام الوجود إليهما إن ما بين أيدينا من الأنواع الجوهرية يقبل أن يتغير فيصير غير ما كان أولا نهايةالحكمة، صفحة 199 كالجوهر غير النامي يمكن أن يتبدل إلى الجوهر النامي و الجوهر النامي يمكن أن يتبدل فيصير حيوانا و ذلك مع تعين القابل و المقبول و لازم ذلك أن يكون بينهما نسبة موجودة ثابتة. على أنا نجد هذه النسبة مختلفة بالقرب و البعد و الشدة و الضعف فالنطفة أقرب إلى الحيوان من الغذاء و إن كانا مشتركين في إمكان أن يصيرا حيوانا و القرب و البعد و الشدة و الضعف أوصاف وجودية لا يتصف بها إلا موجود فالنسبة المذكورة موجودة لا محالة. و كل نسبة موجودة فإنها تستدعي وجود طرفيها في ظرف وجودها لضرورة قيامها بهما و عدم خروج وجودها من وجودهما و كون أحد طرفي النسبة للآخر و قد تقدم بيان ذلك كله في مرحلة انقسام الوجود إلى ما في نفسه و ما في غيره. و إذ كان المقبول بوجوده الخارجي الذي هو منشأ لترتب آثاره عليه غير موجود عند القابل فهو موجود عنده بوجود ضعيف لا يترتب عليه جميع آثاره و إذ كان كل من وجوديه الضعيف و الشديد هو هو بعينه فهما واحد فللمقبول وجود واحد ذو مرتبتين مرتبة ضعيفة لا يترتب عليه جميع آثاره و مرتبة شديدة بخلافها و لنسم المرتبة الضعيفة وجودا بالقوة و المرتبة القوية وجودا بالفعل. ثم إن المقبول بوجوده بالقوة معه بوجوده بالفعل موجود متصل واحد و إلا بطلت النسبة و قد فرضت ثابتة موجدة هذا خلف و كذا المقبول بوجوده بالقوة مع القابل موجودان بوجود واحد و إلا لم يكن أحد الطرفين موجودا للآخر فبطلت النسبة هذا خلف فوجود القابل و وجد المقبول بالقوة و وجوده بالفعل جميعا وجود واحد ذو مراتب مختلفة يرجع فيه ما به الاختلاف إلى ما به الاتفاق و ذاك من التشكيك. هذا فيما إذا فرضنا قابلا واحدا مع مقبول واحد و أما لو فرضنا سلسلة من نهايةالحكمة، صفحة 200 القوابل و المقبولات ذاهبة من الطرفين متناهية أو غير متناهية في كل حلقة من حلقاتها إمكان الفعلية التالية لها و فعلية الإمكان السابق عليها على ما عليه سلسلة الحوادث في الخارج كان لجميع الحدود وجود واحد مستمر باستمرار السلسلة ذو مراتب مختلفة و كان إذا قسم هذا الوجود الواحد على قسمين كان في القسم السابق قوة القسم اللاحق و في القسم اللاحق فعلية القسم السابق ثم إذا قسم القسم السابق مثلا على قسمين كان في سابقهما قوة اللاحق و في لاحقهما فعلية السابق و كلما أمعن في التقسيم و جزئ ذلك الوجود الواحد المستمر كان الأمر على هذه الوتيرة فالقوة و الفعل فيه ممزوجان مختلطان. فكل حد من حدود هذا الوجود الواحد المستمر كمال بالنسبة إلى الحد السابق و نقص و قوة بالنسبة إلى الحد اللاحق حتى ينتهي إلى كمال لا نقص معه أي فعلية لا قوة معها كما ابتدئ من قوة لا فعلية معها فينطبق عليه حد الحركة و هو أنها كمال أول لما بالقوة من حيث إنه بالقوة. فهذا الوجود الواحد المستمر وجود تدريجي سيال يجري على المادة الحاملة للقوة و المختلفات هي حدود الحركة و صور المادة. هذا كله في الجواهر النوعية و الكلام في الأعراض نظير ما تقدم في الجواهر و سيجي‏ء تفصيل الكلام فيها. فقد تبين مما تقدم أن قوة الشي‏ء هي ثبوت ما له لا يترتب عليه بحسبه جميع آثار وجوده الفعلي و أن الوجود ينقسم إلى ما بالفعل و ما بالقوة و أنه ينقسم إلى ثابت و سيال. و تبين أن ما لوجوده قوة فوجوده سيال تدريجي و هناك حركة و أن ما ليس وجوده سيالا تدريجيا أي كان ثابتا فليس لوجوده قوة أي لا مادة له و أن ماله حركة فله مادة و أن ما لا مادة له فلا حركة له و أن للأعراض بما أن وجوداتها لموضوعاتها حركة بتبع حركة موضوعاتها على ما نهايةالحكمة، صفحة 201 سيأتي من التفصيل. الفصل الثالث في زيادة توضيح لحد الحركة و ما تتوقف عليه قد تقدم أن الحركة نحو وجود يخرج به الشي‏ء من القوة إلى الفعل تدريجا أي بحيث لا تجتمع الأجزاء المفروضة لوجوده و بعبارة أخرى يكون كل حد من حدود وجوده فعلية للجزء السابق المفروض و قوة للجزء اللاحق المفروض فالحركة خروج الشي‏ء من القوة إلى الفعل تدريجا. و حدها المعلم الأول بأنها كمال أول لما بالقوة من حيث إنه بالقوة و توضيحه أن الجسم المتمكن في مكان مثلا إذا قصد التمكن في مكان آخر ترك المكان الأول بالشروع في السلوك إلى المكان الثاني حتى يتمكن فيه فللجسم و هو في المكان الأول كمالان هو بالنسبة إليهما بالقوة و هما السلوك الذي هو كمال أول و التمكن في المكان الثاني الذي هو كمال ثان. فالحركة و هي السلوك كمال أول للجسم الذي هو بالقوة بالنسبة إلى الكمالين لكن لا مطلقا بل من حيث إنه بالقوة بالنسبة إلى الكمال الثاني لأن السلوك متعلق الوجود به. و قد تبين بذلك أن الحركة متعلقة الوجود بأمور ستة الأول المبدأ و هو الذي منه الحركة و الثاني المنتهى و هو الذي إليه الحركة فالحركة تنتهي من جانب إلى قوة لا فعل معها تحقيقا أو اعتبارا و من جانب إلى فعل لا قوة نهايةالحكمة، صفحة 202 معها تحقيقا أو اعتبارا على ما سيتبين إن شاء الله و الثالث المسافة التي فيها الحركة و هي المقولة و الرابع الموضوع الذي له الحركة و هو المتحرك و الخامس الفاعل الذي به الحركة و هو المحرك و السادس المقدار الذي تتقدر به الحركة و هو الزمان. الفصل الرابع في انقسام التغير قد عرفت أن خروج الشي‏ء من القوة إلى الفعل لا يخلو من تغير إما في ذاته أو في أحوال ذاته و إن شئت فقل إما في ذاتيه كما في تحول نوع جوهري إلى نوع آخر جوهري أو في عرضيه كتغير الشي‏ء في أحواله العرضية. ثم التغير إما تدريجي و إما دفعي بخلافه و التغير التدريجي و لازمه إمكان الانقسام إلى أجزاء لا قرار لها و لا اجتماع في الوجود هي الحركة و التغير الدفعي بما أنه يحتاج إلى موضوع يقبل التغير و قوة سابقه على حدوث التغير لا يتحقق إلا بحركة لما عرفت أن الخروج من القوة إلى الفعل كيفما فرض لا يتم إلا بحركة غير أنه لما كان تغيرا دفعيا كان من المعاني المنطبقة على أجزاء الحركة الآنية كالوصول و الترك و الاتصال و الانفصال فالتغير كيفما فرض لا يتم إلا بحركة. ثم الحركة تعتبر تارة بمعنى كون الشي‏ء المتحرك بين المبدإ و المنتهى بحيث كل حد من حدود المسافة فرض فهو ليس قبله و بعده فيه و هي حالة بسيطة ثابتة غير منقسمة و تسمى الحركة التوسطية. و تعتبر تارة بمعنى كون الشي‏ء بين المبدإ و المنتهى بحيث له نسبة إلى حدود نهايةالحكمة، صفحة 203 المسافة المفروضة التي كل واحد منها فعلية للقوة السابقة و قوة للفعلية اللاحقة من حد يتركه و من حد يستقبله و لازم ذلك الانقسام إلى الأجزاء و الانصرام و التفضي تدريجا و عدم اجتماع الأجزاء في الوجود و تسمى الحركة القطعية. و الاعتباران جميعا موجودان في الخارج لانطباقهما عليه بمعنى أن للحركة نسبة إلى المبدإ و المنتهى لا يقتضي ذلك انقساما و لا سيلانا و نسبة إلى المبدإ و المنتهى و حدود المسافة تقتضي سيلان الوجود و الانقسام. و أما ما يأخذه الخيال من صورة الحركة بأخذ الحد بعد الحد منها و جمعها صورة متصلة مجتمعة الأجزاء فهو أمر ذهني غير موجود في الخارج لعدم جواز اجتماع أجزاء الحركة لو فرضت لها أجزاء و إلا كانت ثابتة لا سيالة هذا خلف. الفصل الخامس في مبدإ الحركة و منتهاها قد تقدم أن للحركة انقساما بذاتها فليعلم أن انقسامها انقسام بالقوة لا بالفعل كما في الكم المتصل القار من الخط و السطح و الجسم التعليمي إذ لو كانت منقسمة بالفعل فانفصلت الأجزاء بعضها من بعض انتهت القسمة إلى أجزاء دفعية الوقوع و بطلت الحركة. و أيضا لا يقف ما فيها من الانقسام على حد لا يتجاوزه و لو وقف على حد لا تتعداه القسمة كانت مؤلفة من أجزاء لا تتجزى و قد تقدم بطلانها. و من هنا يظهر أن لا مبدأ و لا منتهى للحركة بمعنى الجزء الأول الذي لا ينقسم من جهة الحركة و الجزء الآخر الذي لا ينقسم كذلك لما تبين نهايةالحكمة، صفحة 204 أن الجزء بهذا المعنى دفعي الوقوع فلا ينطبق عليه حد الحركة التي هي سيلان الوجود و تدرجه. و أما ما تقدم أن الحركة تنتهي من الجانبين إلى مبدإ و منتهى فهو تحديد لها بالخارج من نفسها فتنتهي حركة الجوهر من جانب البدء إلى قوة لا فعل معها إلا فعلية أنها قوة لا فعل معها و هو المادة الأولى و من جانب الختم إلى فعل لا قوة معها و هو التجرد و سنزيد هذا توضيحا إن شاء الله. و تنتهي الحركات العرضية من جانب البدء إلى مادة الموضوع و هي التي تقبل الحركة و من جانب الختم في الحركة الطبيعية إلى ما تقتضيه الطبيعة من السكون و في الحركة القسرية إلى هيئة ينفذ عندها أثر القسر و في الحركة الإرادية إلى ما يراه المتحرك كمالا لنفسه يجب أن يستقر فيه. الفصل السادس في المسافة و هي المقولة التي تقع فيها الحركة كحركة الجسم في كمه بالنمو و في كيفه بالاستحالة من الضرورة أن الذاتي لا يتغير و المقولات التي هي أجناس عالية لما دونها من الماهيات ذاتيات لها و الحركة تغير المتحرك في المعنى الذي يتحرك فيه فلو كانت الحركة الواقعة في الكيف مثلا تغيرا من المتحرك في ماهية الكيف كان ذلك تغيرا في الذاتي و هو محال. فلا حركة في مقولة بمعنى التغير في وجودها الذي في نفسها الذي يطرد العدم عنها لأن وجود الماهية في نفسها هي نفسها. فإن كانت في مقولة من المقولات حركة و تغير فهو في وجودها الناعت من حيث إنه ناعت فإن الشي‏ء له ماهية باعتبار وجوده في نفسه و إما نهايةالحكمة، صفحة 205 باعتبار وجوده الناعت لغيره كما في الأعراض أو لنفسه كما في الجوهر فلا ماهية له فلا محذور في وقوع الحركة في مقولة. فالجسم الذي يتحرك في كمه أو كيفه مثلا لا تغير في ماهيته و لا تغير في ماهية الكم أو الكيف اللذين يتحرك فيهما و إنما التغير في المتكمم أو المتكيف اللذين يجريان عليه. و هذا معنى قولهم التشكيك في العرضيات دون الأعراض. ثم إن الوجود الناعت و إن كان لا ماهية له لكنه لاتحاده مع الوجود في نفسه ينسب إليه ما للوجود في نفسه من الماهية و لازم ذلك أن يكون معنى الحركة في مقولة أن يرد على المتحرك في كل آن من آنات حركته نوع من أنواع تلك المقولة من دون أن يلبث نوع من أنواعها عليه أكثر من آن واحد و إلا كان تغيرا في الماهية و هو محال. الفصل السابع في المقولات التي تقع فيها الحركة المشهور بين قدماء الحكماء أن المقولات التي تقع فيها الحركة أربع الكيف و الكم و الأين و الوضع. أما الكيف فوقوع الحركة فيه في الجملة و خاصة في الكيفيات المختصة بالكميات نظير الاستقامة و الاستواء و الاعوجاج ظاهر فإن الجسم المتحرك في كمه يتحرك في الكيفيات القائمة بكمه البتة. و أما الكم فالحركة فيه تغير الجسم في كمه تغيرا متصلا منتظما متدرجا كالنمو الذي هو زيادة الجسم في حجمه زيادة متصلة بنسبة منتظمة تدريجا و قد اعترض عليه أن النمو إنما يتحقق بانضمام أجزاء من خارج إلى نهايةالحكمة، صفحة 206 أجزاء الجسم فالحجم الكبير اللاحق كم عارض لمجموع الأجزاء الأصلية و المنضمة و الحجم الصغير السابق هو الكم العارض لنفس الأجزاء الأصلية و الكمان متباينان غير متصلين لتباين موضوعيهما فالنمو زوال لكم و حدوث لكم آخر لا حركة. و أجيب عنه بأن انضمام الضمائم لا شك فيه لكن الطبيعة تبدل الأجزاء المنضمة إلى صورة الأجزاء الأصلية و تزيد به كمية الأجزاء الأصلية زيادة متصلة منتضمة متدرجة و هي الحركة كما هو ظاهر. و أما الأين فوقوع الحركة فيه ظاهر كما في انتقالات الأجسام من مكان إلى مكان لكن كون الأين مقولة مستقلة في نفسها لا يخلو من شك. و أما الوضع فوقوع الحركة فيه أيضا ظاهر كحركة الكرة على محورها فإن وضعها يتبدل بتبدل نسب النقاط المفروضة على سطحها إلى الخارج عنها تبدلا متصلا تدريجيا. قالوا و لا تقع في سائر المقولات و هي الفعل و الانفعال و المتى و الإضافة و الجدة و الجوهر حركة. أما الفعل و الانفعال فقد أخذ في مفهوميهما التدريج فلا فرد آني الوجود لهما و وقوع الحركة فيهما يستدعي الانقسام إلى أجزاء آنية الوجود و ليس لهما ذلك على أنه يستلزم الحركة في الحركة. و كذا الكلام في المتى فإنه لما كان هيئة حاصلة من نسبة الشي‏ء إلى الزمان و هي تدريجية بتدرج الزمان فلا فرد آني الوجود له حتى تقع فيه الحركة المنقسمة إلى الآنيات. و أما الإضافة فإنها انتزاعية تابعة لطرفيها لا تستقل بشي‏ء كالحركة. و كذا الجدة فإن التغير فيها تابع لتغير موضوعها كتغير النعل أو القدم في التنعل مثلا عما كانتا عليه. و أما الجوهر فوقوع الحركة فيه يستلزم تحقق الحركة من غير موضوع ثابت نهايةالحكمة، صفحة 207 باق ما دامت الحركة و لازم ذلك تحقق حركة من غير متحرك و يمكن المناقشة فيما أوردوه من الوجوه. أما فيما ذكروه في الفعل و الانفعال و المتى فبجواز وقوع الحركة في الحركة على ما سنبينه إن شاء الله. و أما الإضافة و الجدة فإنهما مقولتان نسبيتان كالوضع و كونهما تابعين لأطرافهما في الحركة لا ينافي وقوعها فيهما حقيقة و الاتصاف بالتبع غير الاتصاف بالعرض. و أما ما ذكروه في الجوهر فانتفاء الموضوع في الحركة الجوهرية ممنوع بل الموضوع هو المادة على ما تقدم بيانه و سيجي‏ء توضيحه إن شاء الله. الفصل الثامن في تنقيح القول بوقوع الحركة في مقولة الجوهر و الإشارة إلى ما يتفرع عليه من أصول المسائل القول بانحصار الحركة في المقولات الأربع العرضية و إن كان هو المعروف المنقول عن القدماء لكن المحكي من كلماتهم لا يخلو عن الإشارة إلى وقوع الحركة في مقولة الجوهر غير أنهم لم ينصوا عليه. و أول من ذهب إليه و أشبع الكلام في إثباته صدر المتألهين ره و هو الحق كما أقمنا عليه البرهان في الفصل الثاني و قد احتج ره على ما اختاره بوجوه مختلفة من أوضحها أن الحركات العرضية بوجودها سيالة متغيرة و هي معلولة للطبائع و الصور النوعية التي لموضوعاتها و علة المتغير يجب أن تكون متغيرة و إلا لزم تخلف المعلول بتغيره عن علته و هو محال فالطبائع و نهايةالحكمة، صفحة 208 الصور الجوهرية التي هي الأسباب القريبة للأعراض اللاحقة التي فيها الحركة متغيرة في وجودها متجددة في جوهرها و إن كانت ثابتة بماهيتها قارة في ذاتها لأن الذاتي لا يتغير. و أما ما وجهوا به ما يعتري هذه الأعراض من التغير و التجدد مع ثبات العلة التي هي الطبيعة أو غيرها بأن تغيرها و تجددها لسوانح تنضم إليها من خارج كحصول مراتب البعد و القرب من الغاية في الحركات الطبيعية و مصادفة موانع و معدات قوية و ضعيفة في الحركات القسرية و تجدد إرادات جزئية سانحة عند كل حد من حدود المسافة في الحركات الإرادية. ففيه أنا ننقل الكلام إلى تجدد هذه الأمور الموجبة لتغير الحركة من أين حصل فلا بد أن ينتهي إلى ما هو متجدد بالذات. فإن قيل إنا نوجه صدور الحركة المتجددة عن العلة الثابتة بعين ما وجهتم به ذلك من غير حاجة إلى جعل الطبيعة متجددة بالذات فالحركة متجددة بالذات و لا ضير في صدور المتجدد عن الثابت إذا كان التجدد ذاتيا له فإيجاد ذاته عين إيجاد تجدده كما اعترفتم به. قيل التجدد الذي في الحركة العرضية ليس تجدد نفس الحركة فإن المقولة العرضية ليس وجودها في نفسها لنفسها حتى يكون منعوتا بنفسها فتكون متجددة كما كانت تجددا و إنما وجودها لغيرها الذي هو الموضوع الجوهرة فحركة الجسم مثلا في لونه تغيره و تجدده في لونه الذي هو له لا تجدد لونه و هذا بخلاف الجوهر فإن وجوده في نفسه هو لنفسه فهو تجدد و متجدد بذاته فإيجاد هذا الجوهر إيجاد بعينه للمتجدد و إيجاد المتجدد إيجاد لهذا الجوهر لا إيجاد جوهر ليصير متجددا فافهم. حجة أخرى الأعراض من مراتب وجود الجواهر لما تقدم أن وجودها في نفسها عين وجودها لموضوعاتها فتغيرها و تجددها لا يتم إلا مع تغير موضوعاتها الجوهرية و تجددها فالحركات العرضية دليل حركة الجوهر. نهايةالحكمة، صفحة 209 و يتبين بما تقدم عدة أمور الأول أن الصورة الجوهرية المتبدلة المتواردة على المادة واحدة بعد واحدة في الحقيقة صورة جوهرية واحدة سيالة تجري على المادة و موضوعها المادة المحفوظة بصورة ما كما تقدم في مرحلة الجواهر و الأعراض ننتزع من كل حد من حدودها مفهوما مغايرا لما ينتزع من حد آخر نسميها ماهية نوعية تغاير سائر الماهيات في آثارها. و الحركة على الإطلاق و إن كانت لا تخلو من شائبة التشكيك لما أنها خروج من القوة إلى الفعل و سلوك من النقص إلى الكمال لكن في الجوهر مع ذلك حركة اشتدادية أخرى هي حركة المادة الأولى إلى الطبيعة ثم النبات ثم الحيوان ثم الإنسان و لكل من هذه الحركات آثار خاصة تترتب عليها حتى تنتهي الحركة إلى فعلية لا قوة معها. الثاني أن للأعراض اللاحقة بالجواهر أيا ما كانت حركة بتبع الجواهر المعروضة لها إذ لا معنى لثبات الصفات مع تغير الموضوعات و تجددها على أن الأعراض اللازمة للوجود كلوازم الماهية مجعولة بجعل موضوعاتها جعلا بسيطا من غير أن يتخلل جعل بينها و بين موضوعاتها هذا في الأعراض اللازمة التي نحسبها ثابتة غير متغيرة. و أما الأعراض المفارقة التي تعرض موضوعاتها بالحركة كما في الحركات الواقعة في المقولات الأربع الأين و الكم و الكيف و الوضع فالوجه أن تعد حركتها من الحركة في الحركة و أن تسمى حركات ثانية و يسمى القسم الأول حركات أولى. و الإشكال في إمكان تحقق الحركة في الحركة بأن من الواجب في الحركة أن تنقسم بالقوة إلى أجزاء آنية الوجود و المفروض في الحركة في الحركة أن تتألف من أجزاء تدريجية منقسمة فيمتنع أن تتألف منها حركة. على أن لازم الحركة أن يكون ورود المتحرك في كل حد من حدودها نهايةالحكمة، صفحة 210 إمعانا فيه لا تركا له فلا تتم حركأ. يدفعه أن الذي نسلمه أن تنقسم الحركة إلى أجزاء ينقطع به اتصالها و امتدادها و أن ينتهي ذلك إلى أجزاء آنية و أما الانتهاء إليها بلا واسطة فلا فمن الجائز أن تنقسم الحركة إلى أجزاء آنية غير تدريجية من سنخها ثم تنقسم الأجزاء إلى أجزاء آنية أخيرة فانقسام الحركة و انتهاء انقسامها إلى أجزاء آنية كقيام العرض بالجوهر فربما كان قيامه بلا واسطة و ربما كان مع الواسطة و منتهيا إلى الجوهر بواسطة أو أكثر كقيام الخط بالسطح و السطح بالجسم التعليمي و الجسم التعليمي بالجسم الطبيعي. و أما حديث الإمعان في الحدود فإنما يستدعي حدوث البطء في الحركة و من الجائز أن يكون سبب البطء هو تركب الحركة و سنشير إلى ذلك فيما سيأتي إن شاء الله. الثالث أن المادة الأولى بما أنها قوة محضة لا فعلية لها أصلا إلا فعلية أنها قوة محضة فهي في أي فعلية تعتريها تابعة للصورة التي تقيمها فهي متميزة بتميز الصورة التي تتحد بها متشخصة بتشخصها تابعة لها في وحدتها و كثرتها نعم لها وحدة مبهمة شبيهة بوحدة الماهية الجنسية. فإذ كانت هي موضوع الحركة العامة الجوهرية فعالم المادة برمتها حقيقة واحدة سيالة متوجهة من مرحلة القوة المحضة إلى فعلية لا قوة معها. الفصل التاسع في موضوع الحركة قد تبين أن الموضوع لهذه الحركات هو المادة هذا إجمالا أما تفصيله فهو أنك قد عرفت أن في مورد الحركة مادة و صورة و قوة و فعلا و قد عرفت في نهايةالحكمة، صفحة 211 مباحث الماهية أن الجنس و الفصل هما المادة و الصورة لا بشرط و أن الماهيات النوعية قد تترتب متنازلة إلى السافل من نوع عال و متوسط و أخير و قد تندرج تحت جنس واحد قريب أنواع كثيرة اندراجا عرضيا لا طوليا. و لازم ذلك أن يكون في القسم الأول من الأنواع الجوهرية مادة أولى متحصلة بصورة أولى ثم هما معا مادة ثانية لصورة ثانية ثم هما معا مادة و تسمى أيضا ثانية لصورة لاحقة و في القسم الثاني مادة لها صور متعددة متعاقبة عليها كلما حلت بها واحدة منها امتنعت من قبول صورة أخرى. فإذا رجعت هذه التنوعات الجوهرية الطولية و العرضية إلى الحركة ففي القسم الثاني كانت المادة التي هي موضوع الحركة في بدئها هي الموضوع بعينه ما تعاقبت الصور إلى آخر الحركة سواء كانت هي المادة الأولى أو المادة الثانية و كذلك الحكم في الحركات العرضية بفتح الراء. و في القسم الأول و هو الحركة الطولية المادة الأولى موضوع للصورة الأولى ثم هما معا موضوع الصورة الثانية لا بطريق الخلع و اللبس كما في القسم الأول بل بطريق اللبس بعد اللبس و لازم ذلك أن تكون الحركة اشتدادية لا متشابهة و كون مادة الصورة الأولى معزولة عن موضوعية الصورة الثانية بل الموضوع لها هو المادة الأولى و الصورة الأولى معا و المادة الأولى من المقارنات. و الصورة الثانية في هذه المرتبة هي فعلية النوع و لها الآثار المترتبة إذ لا حكم إلا للفعلية و لا فعلية إلا واحدة و هي فعلية الصورة الثانية. و هذا معنى قولهم أن الفصل الأخير جامع لجميع كمالات الفصول السابقة و منشأ لانتزاعها و أنه لو تجرد عن المادة و تقرر وحده لم تبطل بذلك حقيقة النوع و الأمر على هذا القياس في كل صورة لاحقة بعد صورة. و من هنا يظهر نهايةالحكمة، صفحة 212 أولا أن الحركة في القسم الثاني بسيطة و أما في القسم الأول فإنها مركبة لتغير الموضوع في كل حد من الحدود غير أن تغيره ليس ببطلان الموضوع السابق و حدوث موضوع لاحق بل بطريق الاستكمال ففي كل حد من الحدود تصير فعلية الحد و قوة الحد اللاحق معا قوة لفعلية الحق اللاحق. و ثانيا أن لا معنى للحركة النزولية بسلوك الموضوع من الشدة إلى الضعف و من الكمال إلى النقص لاستلزامها كون فعلية ما قوة لقوته كأن يتحرك الإنسان من الإنسانية إلى الحيوانية و من الحيوانية إلى النباتية و هكذا فما يتراءى منه الحركة التضعفية حركة بالعرض يتبع حركة أخرى اشتدادية تزاحم الحركة النزولية المفروضة كالذبول. و ثالثا أن الحركة أيا ما كانت محدودة بالبداية و النهاية فكل حد من حدودها ينتهي من الجانبين إلى قوة لا فعلية معها و إلى فعل لا قوة معه و حكم المجموع أيضا حكم الأبعاض و هذا لا ينافي ما تقدم أن الحركة لا أول لها و لا آخر فإن المراد به أن تبتدئ بجزء لا ينقسم بالفعل و أن تختم بذلك فالجزء بهذا المعنى لا يخرج من القوة إلى الفعل أبدا و لا الماهية النوعية المنتزعة من هذا الحد تخرج من القوة إلى الفعل أبدا. الفصل العاشر في فاعل الحركة و هو المحرك ليعلم أن الحركة كيفما فرضت فالمحرك فيها غير المتحرك فإن كانت الحركة جوهرية و الحركة في ذات الشي‏ء و هو المتحرك بالحقيقة كما تقدم كان فرض كون المتحرك هو المحرك فرض كون الشي‏ء فاعلا موجدا لنفسه و استحالته ضرورية فالفاعل الموجد للحركة هو الفاعل الموجد للمتحرك و هو نهايةالحكمة، صفحة 213 جوهر مفارق للمادة يوجد الصورة الجوهرية و يقيم بها المادة و الصورة شريكة الفاعل على ما تقدم. و إن كانت الحركة عرضية و كان العرض لازما للوجود فالفاعل الموجد للحركة فاعل الموضوع المتحرك بعين جعل الموضوع من غير تخلل جعل آخر بين الموضوع و بين الحركة إذ لو تخلل الجعل و كان المتحرك و هو مادة فاعلا في نفسه للحركة كان فاعلا من غير توسط المادة و قد تقدم في مباحث العلة و المعلول أن العلل المادية لا تفعل إلا بتوسط المادة و تخلل الوضع بينها و بين معلولاتها فهي إنما تفعل في الخارج من نفسها ففاعل لازم الوجود فاعل ملزومه و هو جوهر مفارق للمادة جعل الصورة و لازم وجودها جعلا واحدا و أقام بها المادة. و إن كانت الحركة عرضية و العرض مفارقا كان الفاعل القريب للحركة هو الطبيعة بناء على انتساب الأفعال الحادثة عند كل نوع جوهري إلى طبيعة ذلك النوع. و تفصيل القول أن الموضوع إما أن يفعل أفعاله على وتيرة واحدة أو لا على وتيرة واحدة و الأول هو الطبيعة المعرفة بأنها مبدأ حركة ما هي فيه و سكونه و الثاني هو النفس المسخرة لعدة طبائع و قوى تستعملها في تحصيل ما تريده من الفعل و كل منهما إما أن يكون فعلها ملائما لنفسها بحيث لو خليت و نفسها لفعلته و هو الحركة الطبيعية أو لا يكون كذلك كما يقتضيه قيام مانع مزاحم و هو الحركة القسرية. و على جميع هذه التقادير فاعل الحركة هي الطبيعة أما في الحركة الطبيعية فلأن الطبيعة إنما تنشئ الحركة عند زوال صور ملائمة أو عروض هيئة منافرة تفقد بذلك كمالا تقتضيه فتطلب الكمال فتسلك إليه بالحركة ففاعلها الصورة و قابلها المادة و أما في الحركة القسرية فلأن القاسر ربما يزول و الحركة القسرية على حالها و قد بطلت فاعلية الطبيعة بالفعل فليس نهايةالحكمة، صفحة 214 الفاعل إلا الطبيعة المقسورة. و أما في الحركة النفسانية فلأن كون النفس مسخرة للطبائع و القوى المختلفة لتستكمل بأفعالها نعم الدليل على أن الفاعل القريب في الحركات النفسانية هي الطبائع و القوى المغروزة في الأعضاء. الفصل الحادي عشر في الزمان إنا نجد فيما عندنا حوادث متحققة بعد حوادث أخرى هي قبلها لما أن للتي بعد نحو توقف على التي قبل توقفا لا يجامع معه القبل و البعد على خلاف سائر أنحاء التقدم و التأخر كتقدم العلة أو جزئها على المعلول و هذه مقدمة ضرورية لا نرتاب فيها. ثم إن ما فرضناه قبل ينقسم بعينه إلى قبل و بعد بهذا المعنى أي بحيث لا يجتمعان و كذا كل ما حصل من التقسيم و له صفة قبل ينقسم إلى قبل و بعد من غير وقوف للقسمة. فهاهنا كم متصل غير قار إذ لو لم يكن كم لم يكن انقسام و لو لم يكن اتصال لم يتحقق البعد فيما هو قبل و بالعكس بل انفصلا و بالجملة لم يكن بين الجزءين من هذا الكم حد مشترك و لو لم يكن غير قار لاجتمع ما هو قبل و ما هو بعد بالفعل. و إذا كان الكم عرضا فله موضوع هو معروضة لكنا كلما رفعنا الحركة من المورد ارتفع هذا المقدار و إذا وضعناها ثبت و هذا هو الذي نسميه زمانا فالزمان موجود و ماهيته أنه مقدار متصل غير قار عارض للحركة. و قد تبين بما مر أمور نهايةالحكمة، صفحة 215 الأول أنه لما كان كلما وضعنا حركة أو بدلنا حركة من حركة ثبت هذا الكم المسمى بالزمان ثبت أن لكل حركة أي حركة كانت زمانا خاصا بها متشخصا بتشخصها مقدرا لها و إن كنا نأخذ زمان بعض الحركات مقياسا نقدر به حركات أخرى كما نأخذ زمان الحركة اليومية مقياسا نقدر به الحركات الأخرى التي تتضمنها الحوادث الكونية الكلية و الجزئية بتطبيقها على ما نأخذ لهذا الزمان من الأجزاء كالقرون و السنين و الشهور و الأسابيع و الأيام و الساعات و الدقائق و الثواني و غير ذلك. الثاني أن نسبة الزمان إلى الحركة نسبة الجسم التعليمي إلى الجسم الطبيعي و هي نسبة المعين إلى المبهم. الثالث أنه كما تنقسم الحركة إلى أقسام لها حدود مشتركة و بينها فواصل غير موجودة إلا بالقوة و هي الآنيات كذلك الزمان ينقسم إلى أقسام لها حدود مشتركة و بينها فواصل غير موجودة إلا بالقوة و هي الآنات فالآن طرف الزمان كالنقطة التي هي طرف الخط و هو أمر عدمي حظه من الوجود انتسابه إلى ما هو طرف له. و من هنا يظهر أن تتالي الآنات ممتنع فإن الآن ليس إلا فاصلة عدمية بين قطعتين من الزمان و ما هذا حاله لا يتحقق منه اثنان إلا و بينهما قطعة من الزمان. الرابع أن الأشياء في انطباقها على الزمان مختلفة فالحركة القطعية منطبقة على الزمان بلا واسطة و اتصاف أجزاء هذه الحركة بالتقدم و التأخر و نحوهما بتبع اتصاف أجزاء الزمان بذلك و كل آني الوجود من الحوادث كالوصول و الترك و الاتصال و الانفصال منطبق على الآن و الحركة التوسطية منطبقة عليه بواسطة القطعية و تبين أيضا أن تصوير التوسطي من الزمان و هو المسمى بالآن السيال الذي يرسم الامتداد الزماني تصوير وهمي مجازي كيف و الزمان كم منقسم بالذات و قياسه إلى الوحدة نهايةالحكمة، صفحة 216 السارية التي ترسم بتكررها العدد و النقطة السارية التي ترسم الخط في غير محله لأن الوحدة ليست بالعدد و إنما ترسمه بتكررها لا بذاتها و النقطة نهاية عدمية و تألف الخط منها وهمي. الخامس أن الزمان ليس له طرف موجود بالفعل بمعنى جزء هو بدايته أو نهايته لا ينقسم في امتداد الزمان و إلا تألف المقدار من أجزاء لا قدر لها و هو الجزء الذي لا يتجزى و هو محال و إنما ينفد الزمان بنفاد الحركة المعروضة من الجانبين. السادس أن الزمان لا يتقدم عليه شي‏ء إلا بتقدم غير زماني كتقدم علة الوجود و علة الحركة و موضوعها عليه. السابع أن القبلية و البعدية الزمانيتين لا تتحققان بين شي‏ء و شي‏ء إلا و بينهما زمان مشترك ينطبقان عليه. و يظهر بذلك أنه إذا تحقق قبل زماني بالنبسة إلى حركة أو متحرك استدعى ذلك تحقق زمان مشترك بينهما و لازم ذلك تحقق حركة مشتركة و لازمة تحقق مادة مشتركة بينهما. تنبيه اعتبار الزمان مع الحركات و الزمان مقدار متغير يفيد تقدرها و ما يترتب عليه من التقدم و التأخر و قد تعتبر الموجودات الثابتة مع المتغيرات فيفيد معية الثابت مع المتغير و يسمى الدهر و قد يعتبر الموجود الثابت مع الأمور الثابتة و يفيد معية الثابت مع الأمور الثابتة و يفيد معية الثابت الكلي مع ما دونه من الثوابت و يسمى السرمد و ليس في الدهر و السرمد تقدم و لا تأخر لعدم التغير و الانقسام فيهما. قال في الأسفار و أما الموجودات التي ليست بحركة و لا في حركة فهي نهايةالحكمة، صفحة 217 لا تكون في الزمان بل اعتبر ثباته مع المتغيرات فتلك المعية تسمى بالدهر و كذا معية المتغيرات مع المتغيرات لا من حيث تغيرها بل من حيث ثباتها إذ ما من شي‏ء إلا و له نحو من الثبات و إن كان ثباته ثبات التغير فتلك المعية أيضا دهرية و إن اعتبرت الأمور الثابتة مع الأمور الثابتة فتلك المعية هي السرمد و ليس بإزاء هذه المعية و لا التي قبلها تقدم و تأخر و لا استحالة في ذلك فإن شيئا منهما ليس مضايقا للمعية حتى تستلزمها انتهى ج 3 ص 182. الفصل الثاني عشر في معنى السرعة و البطء السرعة و البطء نعرفهما بمقايسة بعض الحركات إلى بعض فإذا فرضنا حركتين سريعة و بطيئة في مسافة فإن فرضنا اتحاد المسافة اختلفتا في الزمان و كان زمان السريعة أقل و زمان البطيئة أكثر و إن فرضنا اتحاد الزمان كانت المسافة المقطوعة للسريعة أكثر و مسافة البطيئة أقل. و هما من المعاني الإضافية التي تتحقق بالإضافة فإن البطيئة تعود سريعة إذا قيست إلى ما هو أبطأ منه و السريعة تصير بطيئة إذا قيست إلى ما هو أسرع منها فإذا فرضنا سلسلة من الحركات المتوالية المتزايدة في السرعة كان كل واحد من الأوساط سوى الطرفين متصفا بالسرعة و البطء معا سريعا بالقياس إلى أحد الجانبين بطيئا بالقياس إلى الآخر فهما وصفان إضافيان غير متقابلين كالطول و القصر و الكبر و الصغر. و أما ما قيل إن البطء في الحركة بتخلل السكون فيدفعه ما تبين فيما تقدم أن الحركة متصلة لا تقبل الانقسام إلا بالقوة و ربما قيل إنهما نهايةالحكمة، صفحة 218 متضادان. قال في الأسفار إن التقابل بين السرعة و البطء ليس بالتضايف لأن المضافين متلازمان في الوجودين و هما غير متلازمين في واحد من الوجودين و ليس تقابلهما أيضا بالثبوت و العدم لأنهما إن تساويا في الزمان كانت السريعة قاطعة من المسافة ما لم يقطعها البطيئة و إن تساويا في المسافة كان زمان البطيئة أكثر فلأحدهما نقصان المسافة و للآخر نقصان الزمان فليس جعل أحدهما عدميا أولى من جعل الآخر عدميا فلم يبق من التقابل بينهما إلا التضاد لا غير انتهى ج 3 ص 198. و فيه أنهم شرطوا في التضاد أن يكون بين طرفيه غاية الخلاف و ليس ذلك بمحقق بين السرعة و البطء إذ ما من سريع إلا و يمكن أن يفرض ما هو أسرع منه و ما من بطي‏ء إلا و يمكن أن يفرض ما هو أبطأ منه. هذا في السرعة و البطء الإضافيين و أما السرعة بمعنى الجريان و السيلان فهي خاصة لمطلق الحركة لا يقابلها بطء. الفصل الثالث عشر في السكون الحركة و السكون لا يجتمعان في جسم من جهة واحدة في زمان واحد فبينهما تقابل و الحركة وجودية لما تقدم أنها نحو الوجود السيال لكن السكون ليس بأمر وجودي و لو كان وجوديا لكان هو الوجود الثابت و هو الذي بالفعل من كل جهة و ليس الوجودات الثابتة و هي المجردة بسكون و لا ذوات سكون فالحركة وجودية و السكون عدمي فليس تقابلهما تقابل التضايف و التضاد. نهايةالحكمة، صفحة 219 و ليسا بمتناقضين و إلا صدق السكون على كل ما ليس بحركة كالعقول المفارقة التي هي بالفعل من كل جهة و أفعالها فالسكون عدم الحركة مما من شأنه الحركة فالتقابل بينها تقابل العدم و الملكة. لكن ليعلم أن ليس للسكون مصداق في شي‏ء من الجواهر المادية لما تقدم أنها سيالة الوجود و لا في شي‏ء من أعراضها التابعة لموضوعاتها الجوهرية في الحركة لقيامها بها. نعم هناك سكون نسبي للموضوعات المادية ربما تلبست بالقياس إلى الحركات الثانية التي في المقولات الأربع العرضية الكم و الكيف و الأين و الوضع. الفصل الرابع عشر في انقسامات الحركة تنقسم الحركة بانقسام الأمور الستة التي تتعلق بها ذاتها. فانقسامها بانقسام المبدإ و المنتهى كالحركة من أين كذا إلى أين كذا و الحركة من القعود إلى القيام و الحركة من لون كذا إلى لون كذا و حركة الجسم من قدر كذا إلى قدر كذا و انقسامها بانقسام المقولة كالحركة في الكيف و في الكم و في الأين و في الوضع و انقسامها بانقسام الموضوع كحركة النبات و حركة الحيوان و حركة الإنسان و انقسامها بانقسام الزمان كالحركة الليلية و الحركة النهارية و الحركة الصيفية و الحركة الشتوية و انقسامها بانقسام الفاعل كالحركة الطبيعية و الحركة القسرية و الحركة النفسانية قالوا إن الفاعل القريب في جميع هذه الصور هو الطبيعة و التحريك النفساني على نحو التسخير للقوى الطبيعية كما تقدمت الإشارة إليه نهايةالحكمة، صفحة 220 و قالوا إن المتوسط بين الطبيعة و بين الحركة هو مبدأ الميل الذي توجده الطبيعة في المتحرك و تفصيل القول في الطبيعيات. خاتمة كما تطلق القوة على مبدإ القبول كذلك تطلق على مبدإ الفعل و خاصة إذ كانت قوية شديدة كما تطلق القوى الطبيعية على مبادي الآثار الطبيعية و تطلق القوى النفسانية على مبادي الآثار النفسانية من إبصار و سمع و تخيل و غير ذلك. و هذه القوة الفاعلة إذا قارنت العلم و المشية سميت قدرة الحيوان و هي علة فاعلة يتوقف تمام عليتها بحيث يجب معها الفعل إلى أمور خارجة كحضور المادة القابلة و استقرار وضع مناسب للفعل و صلاحية أدوات الفعل و غير ذلك فإذا اجتمعت تمت العلية و وجب الفعل. فبذلك يظهر فساد تحديد بعضهم مطلق القدرة بأنها ما يصح معه الفعل و الترك فإن نسبة الفعل و الترك إلى الفاعل إنما تكون بالصحة و الإمكان إذا كان جزء من العلة التامة فإذا أخذ وحده و بما هو علة ناقصة و نسب إليه الفعل لم يجب به و أما الفاعل التام الفاعلية الذي هو وحده علة تامة كالواجب تعالى فلا معنى لكون نسبة الفعل و الترك إليه بالإمكان أعني كون النسبتين متساويتين. و أما الاعتراض عليه بأن لازم كون فعله واجبا كونه تعالى موجبا بالفتح مجبرا على الفعل و هو ينافي القدرة. فمندفع بأن هذا الوجوب ملحق بالفعل من قبله تعالى و هو أثره و لا معنى لكون أثر الشي‏ء التابع له في وجوده مؤثرا في ذات الشي‏ء الفاعل و ليس هناك فاعل آخر يؤثر فيه تعالى بجعله مضطرا إلى الفعل. نهايةالحكمة، صفحة 221 و كذلك فساد قول بعضهم إن صحة الفعل تتوقف على كونه مسبوقا بالعدم الزماني فالفعل غير المسبوق بعدم زماني ممتنع. وجه الفساد أنه مبني على القول بأن علة الحاجة إلى العلة هي الحدوث دون الإمكان و قد تقدم إبطاله في مباحث العلة و المعلول على أنه منقوض بنفس الزمان فكون إيجاد الزمان مسبوقا بعدمه الزماني إثبات للزمان قبل نفسه و استحالته ضرورية. و كذلك فساد قول من قال بأن القدرة إنما تحدث مع الفعل و لا قدرة على فعل قبله. وجه الفساد أنهم يرون أن القدرة هي صحة الفعل و الترك فلو ترك الفعل زمانا ثم فعل صدق عليه قبل الفعل أنه يصح منه الفعل و الترك و هي القدرة على أنه يناقض ما تسلموه أن الفعل متوقف على القدرة فإن معية القدرة و الفعل تنافي توقف أحدهما على الآخر. نهايةالحكمة، صفحة 223 المرحلة العاشرة في السبق و اللحوق و القدم و الحدوث و فيها ثمانية فصول نهايةالحكمة، صفحة 224 الفصل الأول في السبق و اللحوق و هما التقدم و التأخر يشبه أن يكون أول ما عرف من معنى التقدم و التأخر ما كان منهما بحسب الحس كان يفرض مبدأ يشترك في النسبة إليه أمران ما كان لأحدهما من النسبة إليه فللآخر و ليس كل كان للأول فهو للثاني فيسمى ما للأول من الوصف تقدما و ما للثاني تأخرا كمحراب المسجد يفرض مبدأ فيشترك في النسبة إليه الإمام و المأموم فما للإمام من نسبة القرب إلى المحراب فهو للإمام و لا عكس فالإمام متقدم و المأموم متأخر و معلوم أن وصفي التقدم و التأخر يختلفان باختلاف المبدإ المفروض كما أن الإمام متقدم و المأموم متأخر في المثال المذكور على تقدير فرض المحراب مبدأ و لو فرض المبدأ هو الباب كان الأمر بالعكس و كان المأموم متقدما و الإمام متأخرا. و لا يتفاوت الأمر في ذلك أيضا بين أن يكون الترتيب وضعيا اعتباريا كما في المثال السابق أو طبعيا كما إذا فرضنا مثلا الجسم ثم النبات ثم الحيوان ثم الإنسان فإن فرضنا المبدأ هو الجسم كان النبات متقدما و الحيوان متأخرا و إن فرضنا المبدأ هو الإنسان كان الحيوان متقدما و النبات متأخرا و يسمى هذا التقدم و التأخر تقدما و تأخرا بحسب الرتبة ثم عمموا ذلك فاعتبروه في مورد الشرف و الفضل و الخسة و ما يشبه ذلك نهايةالحكمة، صفحة 225 مما يكون فيه زيادة من المعنويات كتقدم العالم على الجاهل و الشجاع على الجبان فباعتبار النوع بآثار كماله مبدأ مثلا يختلف في النسبة إليه العالم و الجاهل و الشجاع و الجبان و يسميان تقدما و تأخرا بالشرف. و انتقلوا أيضا إلى التقدم و التأخر الزمانيين بما أن الجزءين من الزمان كاليوم و الأمس يشتركان في حمل قوة الأجزاء اللاحقة لكن ما لأحدهما و هو اليوم من القوة المحمولة محمولة للآخر و هو الأمس و لا عكس لأن الأمس يحمل قوة اليوم بخلاف اليوم فإنه يحمل فعلية نفسه و الفعلية لا تجامع القوة و لذا كان الجزآن من الزمان لا يجتمعان في فعلية الوجود فبين أجزاء الزمان تقدم و تأخر لا يجامع المتقدم منها المتأخر بخلاف سائر أقسام التقدم و التأخر و كذا بين الحوادث التي هي حركات منطبقة على الزمان تقدم و تأخر زماني بتوسط الزمان الذي هو تعينها كما أن للجسم الطبيعي الامتدادات الثلاثة بتوسط الجسم التعليمي الذي هو تعينه. و قد تنبهوا بذلك إلى أن في الوجود أقساما أخر من التقدم و التأخر الحقيقيين فاستقرءوها فأنهوها أعم من الاعتبارية و الحقيقية إلى تسعة أقسام الأول و الثاني و الثالث ما بالرتبة من التقدم و التأخر و ما بالشرف و ما بالزمان و قد تقدمت. الرابع التقدم و التأخر بالطبع و هما تقدم العلة الناقصة على المعلول حيث يرتفع بارتفاعها المعلول و لا يجب بوجودها و تأخر معلولها عنها. الخامس التقدم و التأخر بالعلية و هما تقدم العلة التامة التي يجب بوجودها المعلول على معلولها و تأخر معلولها عنها. السادس التقدم و التأخر بالجوهر و هما تقدم أجزاء الماهية من الجنس و الفصل عليها و تأخرها عنها بناء على أصالة الماهية و تسمى هذه الثلاثة الأخيرة أعني ما بالطبع و ما بالعلية و ما بالتجوهر تقدما و تأخرا بالذات. السابع التقدم و التأخر بالدهر و هما تقدم العلة التامة على معلولها و تأخر نهايةالحكمة، صفحة 226 معلولها عنها لكن لا من حيث إيجابها وجود المعلول و إفاضته كما في التقدم و التأخر بالعلية بل من حيث انفكاك وجودها و انفصاله عن وجوده و تقرر عدم المعلول في مرتبة وجودها كتقدم نشأة التجرد العقلي على نشأة المادة زاد هذا القسم السيد المحقق الداماد ره. الثامن التقدم و التأخر بالحقيقة و المجاز و هو أن يشترك أمران في الاتصاف بوصف غير أن أحدهما بالذات و الآخر بالعرض فالمتصف به بالذات متقدم بهذا التقدم على المتصف به بالعرض و هو متأخر كتقدم الوجود على الماهية الموجودة به بناء على أن الوجود هو الأصل في الموجودية و التحقق و الماهية موجودة به بالعرض و هذا القسم زاده صدر المتألهين قده. التاسع التقدم و التأخر بالحق و هو تقدم وجود العلة التامة على وجود معلولها عنه و هذا غير التقدم و التأخر بالعلية زاده صدر المتألهين قده قال في الأسفار و بالجملة وجود كل علة موجبة يتقدم على وجود معلولها الذاتي هذا النحو من التقدم إذ الحكماء عرفوا العلة الفاعلة بما يؤثر في شي‏ء مغاير للفاعل فتقدم ذات الفاعل على ذات المعلول تقدم بالعلية و أما تقدم الوجود على الوجود فهو تقدم آخر غير ما بالعلية إذ ليس بينهما تأثير و تأثر و لا فاعلية و لا مفعولية بل حكمهما حكم شي‏ء واحد له شئون و أطوار و له تطور من طور إلى طور انتهى ج 3 ص 257. الفصل الثاني في ملاك السبق و اللحوق في كل واحد من الأقسام و المراد به كما أشير إليه في الفصل السابق هو الأمر المشترك فيه بين المتقدم و المتأخر الذي يوجد منه للمتقدم ما لا يوجد للمتأخر و لا يوجد منه نهايةالحكمة، صفحة 227 شي‏ء للمتأخر إلا و هو موجود للمتقدم. فملاك التقدم و التأخر بالرتبة هو النسبة إلى المبدإ المحدود كاشتراك الإمام و المأموم في النسبة إلى المبدإ المفروض من المحراب أو الباب مع تقدم الإمام لو كان المبدأ المفروض هو المحراب و تقدم المأموم لو كان هو الباب في الرتبة الحسية و كتقدم كل جنس على نوعه في ترتب الأجناس و الأنواع إن كان المبدأ المفروض هو الجنس العالي و تقدم كل نوع على جنسه إن كان الأمر بالعكس و ملاك التقدم و التأخر بالشرف اشتراك أمرين في معنى من شأنه أن يتصف بالفضل و المزية أو بالرذيلة كاشتراك الشجاع و الجبان في الإنسانية التي من شأنها أن تتصف بفضيلة الشجاعة فللشجاع ما للجبان و لا عكس و مثله تقدم الأرذل على غيره في الرذالة و ملاك التقدم و التأخر بالزمان هو اشتراك جزءين مفروضين منه في وجود متقض متصرم مختلط فيه القوة و الفعل بحيث يتوقف فيه فعلية أحدهما على قوته مع الآخر فالجزء الذي معه قوة الجزء الآخر هو المتقدم و الجزء الذي بخلافه هو المتأخر كاليوم و الغد فإنهما مشتركان في وجود كمي غير قار يتوقف فعلية الغد على تحقق قوته مع اليوم بحيث إذا وجد الغد بالفعل فقد بطلت قوته و انصرم اليوم فاليوم متقدم و الغد متأخر بالزمان. و بملاك التقدم و التأخر الزمانيين يتحقق التقدم و التأخر بين الحوادث الزمانية بتوسط الزمان لما أنها حركات ذوات أزمان. و ملاك التقدم و التأخر بالطبع هو الوجود و يختص المتقدم بأن لوجود المتأخر توقفا عليه بحيث لو لم يتحقق المتقدم لم يتحقق المتأخر من غير عكس و هذا كما في التقدم في العلة الناقصة التي يرتفع بارتفاعها المعلول و لا يلزم من وجودها وجوده. و عن شيخ الإشراق أن التقدم و التأخر بالزمان من التقدم و التأخر بالطبع لأن مرجعه بالحقيقة إلى توقف وجود الجزء المتأخر على وجود المتقدم نهايةالحكمة، صفحة 228 بحيث يرتفع بارتفاعه. و رد بأنهما نوعان متغايران فمن الجائز فيما بالطبع اجتماع المتقدم و المتأخر في الوجود بخلاف ما بالزمان حيث يمتنع اجتماع المتقدم و المتأخر منه بل التقدم و التأخر بين أجزاء الزمان بالذات. و الحق أن ابتناء التقدم و التأخر بالزمان على التوقف الوجودي بين الجزءين لا سبيل إلى نفيه غير أن الوجود لما كان غير قار يصاحب كل جزء منه قوة الجزء التالي امتنع اجتماع الجزءين لامتناع اجتماع قوة الشي‏ء مع فعليته و المسلم من كون التقدم و التأخر ذاتيا في الزمان كونهما لازمين لوجوده المقتضي غير القار باختلاط القوة و الفعل فيه. فمن أراد إرجاع ما بالزمان إلى ما بالطبع عليه أن يفسر ما بالطبع بما فيه التوقف الوجودي ثم يقسمه إلى ما يجوز فيه الاجتماع بين المتقدم و المتأخر كما في تقدم العلة الناقصة على معلولها و ما لا يجوز فيه الاجتماع كما في تقدم بعض أجزاء الزمان على بعض. و الملاك في التقدم و التأخر بالعلية اشتراك العلة التامة و معلولها في وجوب الوجود مع كون وجوب العلة و هي المتقدمة بالذات و وجوب المعلول و هو المتأخر بالغير. و ملاك التقدم و التأخر بالتجوهر اشتراكهما في تقرر الماهية و للمتأخر توقف تقرري على المتقدم كتوقف الماهية التامة على أجزائها. و ملاك التقدم و التأخر بالدهر اشتراك مرتبة من مراتب الوجود الكلية مع ما فوقها أو ما دونها في الوقوع في متن الأعيان مع توقفها العيني على ما فوقها أو توقف ما دونها عليها بحيث لا يجامع أحدهما الآخر لكون عدم التوقف مأخوذا في مرتبة المتوقف عليه كتقدم عالم المفارقات العقلية على عالم المثال و تقدم عالم المثال على عالم المادة. و ملاك التقدم و التأخر بالحقيقة اشتراكهما في الثبوت الأعم من الحقيقي نهايةالحكمة، صفحة 229 و المجازي و للمتقدم الحقيقة و للمتأخر المجاز كتقدم الوجود على الماهية بأصالته. و ملاك التقدم و التأخر بالحق اشتراكهما في الوجود الأعم من المستقل و الرابط و تقدم وجود العلة بالاستقلال و تأخر وجود المعلول بكونه رابطا. الفصل الثالث في المعية و هي اشتراك أمرين في معنى من غير اختلاف بالكمال و النقص اللذين هما التقدم و التأخر لكن ليس كل أمرين ارتفع عنهما نوع من التقدم و التأخر معين في ذلك النوع فالجواهر المفارقة ليس بينهما تقدم و تأخر بالزمان و لا معية في الزمان فالمعان زمانا يجب أن يكونا زمانين من شأنهما التقدم و التأخر الزمانيان فإذا اشتركا في معنى زماني من غير تقدم و تأخر فيه فهما المعان فيه. و بذلك يظهر أن تقابل المعية مع التقدم و التأخر تقابل العدم و الملكة فالمعية اشتراك أمرين في معنى من غير اختلاف بالتقدم و التأخر و الحال أن من شأنهما التقدم و التأخر في ذلك المعنى و التقدم و التأخر من الملكات و المعية عدمية. فالمعية في الرتبة كمعية المأمومين الواقفين خلف الإمام بالنسبة إلى المبدإ المفروض في المسجد في الرتبة الحسية و كمعية نوعين أو جنسين تحت جنس في الأنواع و الأجناس المترتبة بالنسبة إلى النوع أو الجنس و المعية في الشرف كشجاعين متساويين في الملكة. و المعية في الزمان كحركتين واقعتين في زمان واحد بعينه و لا يتحقق نهايةالحكمة، صفحة 230 معية بين أجزاء الزمان نفسه حيث لا يخلو جزءان منه من التقدم و التأخر و المعية بالطبع كالجزءين المتساويين بالنسبة إلى الكل و المعية بالعلية كمعلولي علة واحدة تامة و لا تتحقق معية بين علتين تامتين حيث لا تجتمعان على معلول واحد و الحال في المعية بالحقيقة و المجاز و في المعية بالحق كالحال في المعية بالعلية. و المعية بالدهر كما في جزءين من أجزاء مرتبة من مراتب العين لو فرض فيها كثرة. الفصل الرابع في معنى القدم و الحدوث و أقسامهما إذا كان الماضي من زمان وجود شي‏ء أكثر مما مضى من وجود شي‏ء آخر كزيد مثلا يمضي من عمره خمسون و قد مضى من عمر عمرو أربعون سمي الأكثر زمانا عند العامة قديما و الأقل زمانا حادثا و المتحصل منه أن القديم هو الذي كان له وجود في زمان لم يكن الحادث موجودا فيه بعد أي إن الحادث مسبوق الوجود بالعدم في زمان كان القديم فيه موجودا بخلاف القديم. و هذان المعنيان المتحصلان إذا عمما و أخذا حقيقيين كانا من الأعراض الذاتية للموجود من حيث هو موجود فانقسم الموجود المطلق إليهما و صار البحث عنهما بحثا فلسفيا. فالموجود ينقسم إلى قديم و حادث و القديم ما ليس بمسبوق الوجود بالعدم و الحادث ما كان مسبوق الوجود بالعدم. و الذي يصح أن يؤخذ في تعريف الحدوث و القدم من معاني السبق و نهايةالحكمة، صفحة 231 أنواعه المذكورة أربعة هي السبق الزماني و السبق العلي و السبق الدهري و السبق بالحق فأقسام القدم و الحدوث أربعة القدم و الحدوث الزمانيان و القدم و الحدوث العليان و هو المعروف بالذاتيين و القدم و الحدوث بالحق و القدم و الحدوث الدهريان و نبحث عن كل منها تفصيلا. الفصل الخامس في القدم و الحدوث الزمانيين الحدوث الزماني كون الشي‏ء مسبوق الوجود بعدم زماني و هو حصول الشي‏ء بعد أن لم يكن بعدية لا تجامع القبلية و لا يكون العدم زمانيا إلا إذا كان ما يقابله من الوجود زمانيا و هو أن يكون وجود الشي‏ء تدريجيا منطبقا على قطعة من الزمان مسبوقة بقطعة ينطبق عليها عدمه و يقابل الحدوث بهذا المعنى القدم الزماني الذي هو عدم كون الشي‏ء مسبوق الوجود بعدم زماني و لازمه أن يكون الشي‏ء موجودا في كل قطعة مفروضة قبل قطعة من الزمان منطبقا عليها. و هذان المعنيان إنما يصدقان في الأمور الزمانية التي هي مظروفة للزمان منطبقة عليه و هي الحركات و المتحركات و أما نفس الزمان فلا يتصف بالحدوث و القدم الزمانيين إذ ليس للزمان زمان آخر حتى ينطبق وجوده عليه فيكون مسبوقا بعدم فيه أو غير مسبوق. نعم لما كان الزمان متصفا بالذات بالقبلية و البعدية بالذات غير المجامعتين كأن كل جزء منه مسبوق الوجود بعدمه الذي مصداقه كل جزء سابق عليه فكل جزء من الزمان حادث زماني بهذا المعنى و كذلك الكل إذ لما كان الزمان مقدارا غير قار للحركة التي هي خروج الشي‏ء من القوة إلى نهايةالحكمة، صفحة 232 الفعل تدريجا كأن فعلية وجوده مسبوقة بقوة وجوده و هو الحدوث الزماني. و أما الحدوث بمعنى كون وجود الزمان مسبوقا بعدم خارج من وجوده سابق عليه سبقا لا يجامع فيه القبل البعد ففيه فرض تحقق القبلية الزمانية من غير تحقق الزمان و إلى ذلك يشير ما نقل عن المعلم الأول أن من قال بحدوث الزمان فقد قال بقدمه من حيث لا يشعر. تنبيه قد تقدم في مباحث القوة و الفعل أن لكل حركة شخصية زمانا شخصيا يخصها و يقدرها فمنه الزمان العمومي الذي يعرض الحركة العمومية الجوهرية التي تتحرك بها مادة العالم المادي في صورها و منه الأزمنة المتفرقة التي تعرض الحركات المتفرقة العرضية و تقدرها و أن الزمان الذي يقدر بها العامة حوادث العالم هو زمان الحركة اليومية الذي يراد بتطبيق الحوادث عليه الحصول على نسب بعضها إلى بعض بالتقدم و التأخر و الطول و القصر و نحو ذلك. إذا تذكرت هذا فاعلم أن ما ذكرناه من معنى الحدوث و القدم الزمانيين يجري في كل زمان كيفما كان فلا تغفل. الفصل السادس في الحدوث و القدم الذاتيين الحدوث الذاتي كون وجود الشي‏ء مسبوقا بالعدم المتقرر في مرتبة ذاته و القدم الذاتي خلافه قالوا إن كل ذي ماهية فإنه حادث ذاتا و احتجوا نهايةالحكمة، صفحة 233 عليه بأن كل ممكن فإنه يستحق العدم لذاته و يستحق الوجود من غيره و ما بالذات أقدم مما بالغير فهو مسبوق الوجود بالعدم لذاته. و اعترض عليه بأن الممكن لو اقتضى لذاته العدم كان ممتنعا بل هو لإمكانه لا يصدق عليه في ذاته أنه موجود و لا أنه معدوم فكما يستحق الوجود عن علة خارجة كذلك يستحق العدم عن علة خارجة فليس شي‏ء من الوجود و العدم أقدم بالنسبة إليه من غيره فليس وجوده عن غيره مسبوقا بعدمه لذاته. و أجيب عنه بأن المراد به عدم استحقاق الوجود بذاته سلبا تحصيليا لا بنحو العدول و هذا المعنى له في ذاته قبل الوجود الآتي من قبل الغير. حجة أخرى أن كل ممكن له ماهية مغايرة لوجوده و إلا كان واجبا لا ممكنا و كل ما كانت ماهيته مغايرة لوجوده امتنع أن يكون وجوده من ماهيته و إلا كانت الماهية موجوده قبل حصول وجودها و هو محال فوجوده مستفاد من غيره فكان وجوده مسبوقا بغيره بالذات و كل ما كان كذلك كان محدثا بالذات. و يتفرع على ما تقدم أن القديم بالذات واجب الوجود بالذات و أيضا أن القديم بالذات لا ماهية له. الفصل السابع في الحدوث و القدم بالحق الحدوث بالحق مسبوقية وجود المعلول بوجود علته التامة باعتبار نسبة السبق و اللحوق بين الوجودين لا بين الماهية الموجودة للمعلول و بين العلة كما في الحدوث الذاتي. نهايةالحكمة، صفحة 234 و ذلك أن حقيقة الثبوت و التحقق في متن الواقع إنما هو للوجود دون الماهية و ليس للعلة و خاصة للعلة المطلقة الواجبة التي ينتهي إليه الأمر إلا الاستقلال و الغنى و ليس لوجود المعلول إلا التعلق الذاتي بوجود العلة و الفقر الذاتي إليه و التقوم به و من الضروري أن المستقل الغنى المتقوم بذاته قبل المتعلق الفقير المتقوم بغيره فوجود المعلول حادث بهذا المعنى مسبوق بوجود علته و وجود علته قديم بالنسبة إليه متقدم عليه. الفصل الثامن في الحدوث و القدم الدهريين الحدوث الدهري كون الماهية الموجودة المعلولة مسبوقة بعدمها المتقرر في مرتبة علتها بما أنها ينتزع عدمها بحدها عن علتها و إن كانت علتها واجدة لكمال وجودها بنحو أعلى و أشرف فعليتها قبلها قبلية لا تجامع بعدية المعلول بما أن عدم الشي‏ء لا يجامع وجوده و القدم الدهري كون العلة غير مسبوقة بالمعلول هذا النحو من السبق. و قد اتضح بما بيناه أن تقرر عدم المعلول في مرتبة العلة لا ينافي ما تقرر في محله أن العلة تمام وجود معلولها و كماله لأن المنفي من مرتبة وجود العلة هو المعلول بحده لا وجوده من حيث إنه وجود مأخوذ عنها و لا مناص عن المغايرة بين المعلول بحده و بين العلة و لازمها صدق سلب المعلول بحده على العلة و إلا اتحدا. نعم يبقى الكلام في ما ادعي من كون القبلية و البعدية في هذين الحدوث و القدم غير مجامعتين. نهايةالحكمة، صفحة 235 المرحلة الحادية عشر في العقل و العاقل و المعقول و المأخوذ في العنوان و إن كان هو العقل الذي يطلق اصطلاحا على الإدراك الكلي دون الجزئي لكن البحث يعم الجميع و فيها خمسة عشر فصلا نهايةالحكمة، صفحة 236 الفصل الأول في تعريف العلم و انقسامه الأولي و بعض خواصه وجود العلم ضرورة عندنا بالوجدان و كذلك مفهومه بديهي لنا و إنما نريد بالبحث في هذا الفصل الحصول على أخص خواصه. فنقول قد تقدم في بحث الوجود الذهني أن لنا علما بالأشياء الخارجة عنا في الجملة بمعنى أنها تحضر عندنا بماهياتها بعينها لا بوجوداتها الخارجية التي تترتب عليها آثارها الخارجية فهذا قسم من العلم و يسمى علما حصوليا. و من العلم أيضا علم الواحد منا بذاته التي يشير إليها و يعبر عنها بأنا فإنه لا يلهو عن نفسه و لا يغفل عن مشاهدة ذاته و إن فرضت غفلته عن بدنه و أجزائه و أعضائه. و ليس علمه هذا بذاته بحضور ماهية ذاته عند ذاته حضورا مفهوميا و علما حصوليا لأن المفهوم الحاضر في الذهن كيفما فرض لا يأبى بالنظر إلى نفسه الصدق على كثيرين و إنما يتشخص بالوجود الخارجي و هذا الذي يشاهده من نفسه و يعبر عنه بأنا أمر شخصي بذاته غير قابل للشركة بين كثيرين و قد تحقق أن التشخص بالوجود فعلمنا بذاتنا أنما هو بحضورها لنا بوجودها الخارجي الذي هو عين وجودنا الشخصي المترتب علية الآثار. و أيضا لو كان الحاضر لذواتنا عند علمنا بها هو ماهية ذواتنا دون وجودها و الحال أن لوجودنا ماهية قائمة به كان لوجود واحد ماهيتان موجودتان به و نهايةالحكمة، صفحة 237 هو اجتماع المثلين و هو محال فإذن علمنا بذواتنا بحضورها لنا و عدم غيبتها عنا بوجودها الخارجي لا بماهيتها فقط و هذا قسم آخر من العلم و يسمى العلم الحضوري. و انقسام العلم إلى القسمين قسمة حاصرة فحضور المعلوم للعالم إما بماهيته و هو العلم الحصولي أو بوجوده و هو العلم الحضوري. هذا ما يؤدي إليه النظر البدوي من انقسام العلم إلى الحصولي و الحضوري و الذي يهدي إليه النظر العميق أن الحصولي منه أيضا ينتهي إلى علم حضوري. بيان ذلك أن الصورة العلمية كيفما فرضت مجردة من المادة عارية من القوة و ذلك لوضوح أنها بما أنها معلومة فعلية لا قوة فيها لشي‏ء البتة فلو فرض أي تغير فيها كانت الصورة الجديدة مباينة للصورة المعلومة سابقا و لو كانت الصورة العلمية مادية لم تأب التغير. و أيضا لو كانت مادية لم تفقد خواص المادة اللازمة و هي الانقسام و الزمان و المكان فالعلم بما أنه علم لا يقبل النصف و الثلث مثلا و لو كان منطبعا في مادة جسمانية لانقسم بانقسامها و لا يتقيد بزمان و لو كان ماديا و كل مادي متحرك لتغير بتغير الزمان و لا يشار إليه في مكان و لو كان ماديا حل في مكان. فإن قلت عدم انقسام الصورة العلمية بما أنها علم لا ينافي انطباعها في جسم كجزء من الدماغ مثلا و انقسامها بعرض المحل كما أن الكيفية كاللون العارض لسطح جسم تأبى الانقسام بما أنها كيفية و تنقسم بعرض المحل فلم لا يجوز أن تكون الصورة العلمية مادية منطبعة في محل منقسمة بعرض محلها و خاصة بناء على ما هو المعروف من كون العلم كيفية نفسانية و أيضا انطباق العلم على الزمان و خاصة في العلوم الحسية و الخيالية مما لا ينبغي أن يرتاب فيه كإحساس الأعمال المادية في زمان وجودها. نهايةالحكمة، صفحة 238 و أيضا اختصاص أجزاء من الدماغ بخاصة العلم بحيث يستقيم باستقامتها و يختل باختلالها على ما هو المسلم في الطب لا شك فيه فللصورة العلمية مكان كما أن لها زمانا. قلنا إن إباء الصورة العلمية و امتناعها عن الانقسام بما أنها علم لا شك فيه كما ذكر و أما انقسامها بعرض انقسام المحل كالجزء العصبي مثلا مما لا شك في بطلانه أيضا فإنا نحس و نتخيل صورا هي أعظم كثيرا مما فرض محلا لها من الجزء العصبي كالسماء بأرجائها و الأرض بأقطارها و الجبال الشاهقة و البراري الواسعة و البحور الزاخرة و من الممتنع انطباع الكبير في الصغير. و ما قيل إن إدراك الكبر و الصغر في الصورة العلمية إنما هو بقياس أجزاء الصورة العلمية بعضها إلى بعض لا يفيد شيئا فإن المشهود هو الكبير بكبره دون النسبة الكلية المقدارية التي بين الكبيرة و الصغيرة و أن النسبة بينهما مثلا نسبة الماءة إلى الواحد. فالصورة العلمية المحسوسة أو المتخيلة بما لها من المقدار قائمة بنفسها في عالم النفس من غير انطباع في جزء عصبي أو أمر مادي غيرها و لا انقسام لها بعرض انقسامه و الإشارة الذهنية إلى بعض أجزاء المعلوم و فصله عن الأجزاء الأخر كالإشارة إلى بعض أجزاء زيد المحسوس أو المتخيل ثم إلى بعضها الآخر و ليس من التقسيم في شي‏ء و إنما هو إعراض عن الصورة العلمية الأولية و إيجاد لصورتين أخريين. و إذ لا انطباع للصورة العلمية في جزء عصبي و لا انقسام لها بعرض انقسامه فارتباط الصورة العلمية بالجزء العصبي و ما يعمله من عمل عند الإدراك ارتباط إعدادي بمعنى أن ما يأتيه الجزء العصبي من عمل تستعد به النفس لأن يحضر عندها و يظهر في عالمها. فالصورة العلمية الخاصة بما للمعلوم من الخصوصيات و كذلك المقارنة نهايةالحكمة، صفحة 239 التي تتراءى بين إدراكاتنا و بين الزمان إنما هي بين العمل المادي الإعدادي التي تعمله النفس في آلة الإدراك و بين الزمان لا بين الصورة العلمية بما أنه علم و بين الزمان. و من الدليل على ذلك أنا كثيرا ما ندرك شيئا من المعلومات و نخزنه عندنا ثم نذكره بعينه بعد انقضاء سنين متمادية من غير أي تغيير و لو كان مقيدا بالزمان لتغير بتغيره. فقد تحصل بما تقدم أن الصورة العلمية كيفما كانت مجردة من المادة خالية عن القوة و إذ كانت كذلك فهي أقوى وجودا من المعلوم المادي الذي يقع عليه الحس و ينتهي إليه التخيل و التعقل و لها آثار وجودها المجرد و أما آثار وجودها الخارجي المادي التي نحسبها متعلقة للإدراك فليست آثارا للمعلوم بالحقيقة الذي يحضر عند المدرك حتى تترتب عليه أو لا تترتب و إنما هو الوهم يوهم للمدرك أن الحاضر عنده حال الإدراك هو الصورة المتعلقة بالمادة خارجا فيطلب آثارها الخارجية فلا يجدها معها فيحكم بأن المعلوم هو الماهية بدون ترتب الآثار الخارجية. فالمعلوم عند العلم الحصولي بأمر له نوع تعلق بالمادة هو موجود مجرد هو مبدأ فاعلي لذلك الأمر واجد لما هو كماله يحضر بوجودها الخارجي للمدرك و هو علم حضوري و يتعقبه انتقال المدرك إلى ما لذلك الأمر من الماهية و الآثار المترتبة عليه في الخارج و بتعبير آخر العلم الحصولي اعتبار عقلي يضطر إليه العقل مأخوذ من معلوم حضوري هو موجود مجرد مثالي أو عقلي حاضر بوجوده الخارجي للمدرك و إن كان مدركا من بعيد. و لنرجع إلى ما كنا بصدده من الكلام في تعريف العلم فنقول حصول العلم و وجوده للعالم مما لا ريب فيه و ليس كل حصول كيف كان بل حصول أمر هو بالفعل فعلية محضة لا قوة فيه لشي‏ء أصلا فإنا نجد بالوجدان أن الصورة العلمية من حيث هي لا تقوى على صورة أخرى و لا تقبل التغير نهايةالحكمة، صفحة 240 عما هو عليه من الفعلية فهو حصول المجرد من المادة عار من نواقص القوة و نسمي ذلك حضورا. فحضور شي‏ء لشي‏ء حصوله له بحيث يكون تام الفعلية غير متعلق بالمادة بحيث يكون ناقصا من جهة بعض كمالاته التي في القوة. و مقتضى حضور العلم للعالم أن يكون العالم أيضا تاما ذا فعلية في نفسه غير ناقص من حيث بعض كمالاته الممكنة له و هو كونه مجردا من المادة خاليا عن القوة فالعلم حصول أمر مجرد من المادة لأمر مجرد و إن شئت قلت حضور شي‏ء لشي‏ء. الفصل الثاني في اتحاد العالم بالمعلوم و هو المعنون عنه باتحاد العاقل بالمعقول علم الشي‏ء بالشي‏ء هو حصول المعلوم أي الصورة العلمية للعالم كما تقدم و حصول الشي‏ء وجوده و وجوده نفسه فالعلم هو عين المعلوم بالذات و لازم حصول المعلوم للعالم و حضوره عنده اتحاد العالم به سواء كان معلوما حضوريا أو حصوليا فإن المعلوم الحصولي إن كان أمرا قائما بنفسه كان وجوده لنفسه و هو مع ذلك للعالم فقد اتحد العالم مع المعلوم ضرورة امتناع كون الشي‏ء موجودا لنفسه و لغيره معا و إن كان أمرا وجوده لغيره و هو الموضوع و هو مع ذلك للعالم فقد اتحد العالم بموضوعه و الأمر الموجود لغيره متحد بذلك الغير فهو متحد بما يتحد به ذلك الغير و نظير الكلام يجري في المعلوم الحضوري مع العالم به. نهايةالحكمة، صفحة 241 فإن قلت قد تقدم في مباحث الوجود الذهني أن معنى كون العلم من مقولة المعلوم كون مفهوم المقولة مأخوذا في العلم أي صدق المقولة عليه بالحمل الأولي دون الحمل الشائع الذي هو الملاك في اندارج الماهية تحت المقولة و ترتب الآثار التي منها كون الوجود لنفسه أو لغيره فلا الجوهر الذهني من حيث هو ذهني جوهر بالحمل الشائع موجود لنفسه و لا العرض الذهني من حيث هو ذهني عرض بالحمل الشائع موجود لغيره و بالجملة لا معنى لاتحاد العاقل و هو موجود خارجي مترتب عليه الآثار بالمعقول الذهني الذي هو مفهوم ذهني لا يترتب عليه الآثار. و أما العلم الحضوري فلا يخلو إما أن يكون المعلوم فيه نفس العالم كعلمنا بنفسنا أم لا و على الثاني إما أن يكون المعلوم علة للعالم أو معلولا للعالم أو هما معلولان لأمر ثالث أما علم الشي‏ء بنفسه فالمعلوم فيه عين العالم و لا كثرة هناك حتى يصدق الاتحاد و هو ظاهر و أما علم العلة بمعلولها أو علم المعلول بعلته فلا ريب في وجوب المغايرة بين العلة و المعلول و إلا لزم تقدم الشي‏ء على نفسه بالوجود و تأخره عن نفسه بالوجود و هو ضروري الاستحالة و أما علم أحد معلولي علة ثالثة بالآخر فوجوب المغايرة بينهما في الشخصية يأبى الاتحاد. على أن لازم الاتحاد كون جميع المجردات و كل واحد منها عاقلا للجميع و معقولا للجميع شخصا واحدا قلنا أما ما استشكل به في العلم الحصولي فيدفعه ما تقدم أن كل علم حصولي ينتهي إلى علم حضوري إذ المعلوم الذي يحضر للعالم حينئذ موجود مجرد بوجوده الخارجي الذي هو لنفسه أو لغيره. و أما ما استشكل به في العلم الحضوري فليتذكر أن للموجود المعلول اعتبارين اعتباره في نفسه أي مع الغض عن علته فيكون ذا ماهية ممكنة موجودا نفسه طاردا للعدم عن ماهيته يحمل عليه و به و اعتباره بقياس وجوده إلى وجود علته و قد تقدم في مباحث العلة و المعلول أن وجود المعلول بما أنه مفتقر في حد ذاته وجود رابط بالنسبة إلى علته لا نفسية فيه و ليس له إلا نهايةالحكمة، صفحة 242 التقوم بوجود علته من غير أن يحمل عليه بشي‏ء أو يحمل به على شي‏ء. إذا تمهد هذا ففيما كان العالم هو العلة و المعلوم هو المعلول كانت النسبة بينهما نسبة الرابط و المستقل النفسي و ظاهر أن الموجود الرابط يأبى الموجودية لشي‏ء لأنها فرع الوجود في نفسه و هو موجود في غيره و من شرط كون الشي‏ء معلوما أن يكون موجودا للعالم لكن المعلول رابط متقوم بوجود العلة بمعنى ما ليس بخارج و ليس بغائب عنها فكون وجوده للعلة إنما يتم بمقومه الذي هو وجود العلة فمعلوم العلة هو نفسها بما تقوم وجود المعلول فالعلة تعقل ذاتها و المعلول غير خارج منها لا بمعنى الجزئية و التركب و الحمل بينهما حمل المعلول متقوما بالعلة على العلة و هو نوع من حمل الحقيقة و الرقيقة و نظير الكلام يجري في العلم بالرابط فكل معلوم رابط معلوم بالعلم بالمستقل الذي يتقوم به ذلك الرابط. و فيما كان العالم هو المعلول و المعلوم هو العلة لما كان من الواجب وجود المعلوم للعالم و يستحيل في الوجود الرابط أن يوجد له شي‏ء إنما يتم وجود العلة للمعلول بتقومه بالعلة فالعلة بنفسها موجودة لنفسها و الحال أن المعلول غير خارج منها عالمة بالعلة نفسها و ينسب إلى المعلول بما أنه غير خارج منها و لا ينال من العلم بها إلا ما يسعه من وجوده و الحمل بينهما حمل العلة على المعلول متقوما بالعلة و الحمل أيضا نوع من حمل الحقيقة و الرقيقة فمال علم المعلول بعلته إلى علم العلة و هي مأخوذة مع معلولها بنفسها و هي مأخوذة وحدها و مال علم العلة بمعلولها إلى علم العلة و هي مأخوذة في نفسها بنفسها و هي مأخوذ مع معلولها. و فيما كان العالم و المعلوم معلولين لعلة ثالثة فليس المراد من اتحاد العالم و المعلوم انقلاب الشخصين شخصا واحدا بل انتزاع ماهيتي العالم و المعلوم من العالم. و أما عد علم الشي‏ء بنفسه من اتحاد العالم و المعلوم فهو باعتبار انتزاع نهايةالحكمة، صفحة 243 مفهومي العالم و المعلوم منه و هما مفهومان متغايران فسمي ذلك اتحادا و إن كان في نفسه واحدا. و بما تقدم يظهر فساد الاعتراض بلزوم كون جميع المجردات شخصا واحدا لما ظهر أن شخصية العالم أو المعلوم لا تبطل بسبب الاتحاد المذكور. الفصل الثالث في انقسام العلم الحصولي إلى كلي و جزئي و ما يتصل به ينقسم العلم الحصولي إلى كلي و جزئي و الكلي ما لا يمتنع العقل من فرض صدقه على كثيرين كالإنسان المعقول حيث يجوز العقل صدقه على كثيرين في الخارج و الجزئي ما يمتنع العقل من تجويز صدقه على كثيرين كالعلم بهذا الإنسان الحاصل بنوع من الاتصال بمادته الحاضرة و يسمى علما حسيا و إحساسيا و كالعلم بالإنسان المفرد من غير حضور مادته و يسمى علما خياليا. و عد هذين القسمين من العلم جزئيا ممتنع الصدق على كثيرين إنما هو من جهة اتصال أدوات الحس بمادة المعلوم الخارجي في العلم الحسي و توقف العلم الخيالي على سبق العلم الحسي و إلا فالصورة العلمية سواء كانت حسية أو خيالية أو غيرهما لا تأبى بالنظر إلى نفسها أن تصدق على كثيرين. فروع الأول ظهر مما تقدم أن اتصال أدوات الحس بالمادة الخارجية و ما في نهايةالحكمة، صفحة 244 ذلك من الفعل و الانفعال الماديين لحصول الاستعداد للنفس لإدراك صورة المعلوم جزئية أو كلية. و يظهر منه أن قولهم إن التعقل إنما هو بتقشير المعلوم عن المادة و سائر الأعراض المشخصة المكتنفة بالمعلوم حتى لا يبقى إلا الماهية المعراة من القشور بخلاف الإحساس المشروط بحضور المادة و اكتناف الأعراض المشخصة و بخلاف التخيل المشروط ببقاء الأعراض و الهيئات المشخصة دون حضور المادة قول على سبيل التمثيل للتقريب و حقيقة الأمر أن الصورة المحسوسة بالذات صورة مجردة علمية و اشتراط حضور المادة و اكتناف الأعراض المشخصة لحصول الاستعداد في النفس للإدراك الحسي و كذا اشتراط الاكتناف بالمشخصات للتخيل و كذا اشتراط التقشير في التعقل للدلالة على اشتراط إدراك أكثر من فرد واحد لحصول استعداد النفس لتعقل الماهية الكلية المعبر عنه بانتزاع الكلي من الأفراد. الثاني أن أخذ المفهوم و انتزاعه من مصداقه يتوقف على نوع من الاتصال بالمصداق و الارتباط بالخارج سواء كان بلا واسطة كاتصال أدوات الحس في العلم الحسي بالخارج أو مع الواسطة كاتصال الخيال في العلم الخيالي بواسطة الحس بالخارج و كاتصال العقل في العلم العقلي من طريق إدراك الجزئيات بالحس و الخيال بالخارج. فلو لم تستمد القوة المدركة في إدراك مفهوم من المفاهيم من الخارج و كان الإدراك بإنشاء منها من غير ارتباط بالخارج استوت نسبة الصورة المدركة إلى مصداقها و غيره فكان من الواجب أن تصدق على كل شي‏ء أو لا تصدق على شي‏ء أصلا و الحال أنها تصدق على مصداقها دون غيره هذا خلف. فإن قلت انتهاء أكثر العلوم الحصولية إلى الحس لا ريب فيه لكن ما كل علم حصولي حاصلا بواسطة الحس الظاهر كالحب و البغض و الإرادة و الكراهة و غيرها المدركة بالحواس الباطنة فصورها الذهنية مدركة لا نهايةالحكمة، صفحة 245 بالاتصال بالخارج و أيضا لا تدرك الحواس إلا الماهيات العرضية و لا حس ينال الجوهر بما هو جوهر فصورته الذهنية مأخوذة لا من طريق الحس و اتصاله بالخارج. قلت أما الصور الذهنية المأخوذة بالإحساسات الباطنة كالحب و البغض و غيرهما فالنفس تأخذها مما تدركه من الصفات المذكورة بوجودها الخارجي في النفس فالاتصال بالخارج محفوظ فيها. و أما الجوهر فما ذكر أن لا حس ظاهرا و لا باطنا يعرف الجوهر و يناله حق لا ريب فيه لكن للنفس في بادي أمرها علم حضوري بنفسها تنال به نفس وجودها الخارجي و تشاهده فتأخذ من معلومها الحضوري صورة ذهنية كما تأخذ سائر الصور الذهنية من معلومات حضورية على ما تقدم ثم تحس بالصفات و الأعراض القائمة بالنفس و تشاهد حاجتها بالذات إلى النفس الموضوعة لها و قيام النفس بذاتها من غير حاجة إلى شي‏ء تقوم به ثم تجد صفات عرضية تهجم عليها و تطرؤها من خارج فتنفعل عنها و هي ترى أنه أمثال الأعراض المعلولة للنفس القائمة بها و حكم الأمثال واحد فتحكم بأن لها موضوعا هي قائمة به كما أن النفس موضوعة لصفاتها العرضية فيتحصل بذلك مفهوم الجوهر و هو أنه ماهية إذا وجدت وجدت لا في موضوع الثالث أنه تبين بما تقدم أن الوجود ينقسم من حيث التجرد عن المادة و عدمه إلى ثلاثة عوالم كلية أحدها عالم المادة و القوة. و ثانيها عالم التجرد عن المادة دون آثارها من الشكل و المقدار و الوضع و غيرها ففيه الصور الجسمانية و أعراضها و هيئاتها الكمالية من غير مادة تحمل القوة و يسمى عالم المثال و عالم البرزخ لتوسطه بين عالمي المادة و التجرد العقلي و قد قسموا عالم المثال إلى المثال الأعظم القائم بنفسه و المثال الأصغر القائم بالنفس الذي تتصرف فيه النفس كيف تشاء بحسب الدواعي المختلفة نهايةالحكمة، صفحة 246 فتنشئ أحيانا صورا حقة صالحة و أحيانا صورا جزافية تعبث بها. و ثالثها عالم التجرد عن المادة و آثارها و يسمى عالم العقل. و العوالم الثلاثة مترتبة طولا فأعلاها مرتبة و أقواها و أقدمها وجودا و أقربها من المبدإ الأول تعالى و تقدس عالم العقول المجردة لتمام فعليتها و تنزه وجودها عن شوب المادة و القوة و يليه عالم المثال المتنزه عن المادة دون آثارها و يليه عالم المادة موطن النقص و الشر و الإمكان و لا يتعلق بما فيه العلم إلا من جهة ما يحاذيه من المثال و العقل على ما تقدمت الإشارة إليه. الفصل الرابع ينقسم العلم الحصولي إلى كلي و جزئي بمعنى آخر فالكلي هو العلم الذي لا يتغير بتغير المعلوم الخارجي كصورة البناء التي يتصورها البناء فيبنى عليها فإنها على حالها قبل البناء و مع البناء و بعد البناء و إن انعدم و يسمى علم ما قبل الكثرة و العلم من طريق العلل كلي من هذا القبيل كعلم المنجم بأن القمر منخسف يوم كذا ساعة كذا إلى ساعة كذا يرجع فيه الوضع السماوي بحيث يوجب حيلولة الأرض بين القمر و الشمس فعلمه بذلك على حاله قبل الخسوف و معه و بعده و الوجه فيه أن العلة التامة في عليتها لا تتغير عما هي عليه و لما كان العلم بها مطابقا للمعلوم فصورتها العلمية غير متغيرة و كذلك العلم بمعلولها لا يتغير فهو كلي ثابت و من هنا يظهر أن العلم الحسي لا يكون كليا لكون المحسوسات متغيرة و الجزئي هو العلم الذي يتغير بتغير المعلوم الخارجي كعلمنا من طريق الرؤية بحركة زيد ما دام يتحرك فإذا وقف عن الحركة تغير العلم و يسمى علم ما بعد الكثرة. نهايةالحكمة، صفحة 247 فإن قيل تغير العلم كما اعترفتم به في القسم الثاني دليل كونه ماديا. فإن التغير و هو الانتقال من حال إلى حال لازمه القوة و لازمها المادة و قد قلتم إن العلم بجميع أقسامه مجرد. قلنا العلم بالتغير غير تغير العلم و التغير ثابت في تغيره لا متغير و تعلق العلم بالمتغير أي حضوره عند العالم إنما هو من حيث ثباته لا تغيره و إلا لم يكن حاضرا فلم يكن حضور شي‏ء لشي‏ء هذا خلف. تنبيه يمكن أن يعمم التقسيم بحيث يشمل العلم الحضوري فالعلم الكلي كعلم العلة بمعلولها من ذاتها الواجدة في ذاتها كمال المعلول بنحو أعلى و أشرف فإنه لا يتغير بزوال المعلول لو جاز عليه الزوال و العلم الجزئي كعلم العلة بمعلولها الداثر الذي هو عين المعلول فإنه يزول بزوال المعلول. الفصل الخامس في أنواع العقل ذكروا أن العقل على ثلاثة أنواع أحدها أن يكون عقلا بالقوة أي لا يكون شيئا من المعقولات بالفعل و لا له شي‏ء من المعقولات بالفعل لخلوه عن عامة المعقولات. الثاني أن يعقل مقعولا واحدا أو معقولات كثيرة بالفعل مميزا بعضها من بعض مرتبا لها و هو العقل التفصيلي. الثالث أن يعقل معقولات كثيرة عقلا بالفعل من غير أن يتميز بعضها نهايةالحكمة، صفحة 248 من بعض و إنما هو عقل بسيط إجمالي فيه كل التفاصيل و مثلوا له بما إذا سألك سائل عن عدة من المسائل التي لك بها علم فحضرك الجواب في الوقت و أنت في أول لحظة تأخذ في الجواب تعلم بها جميعا علما يقينيا بالفعل لكن لا تميز لبعضها من بعض و لا تفصيل و إنما يحصل التميز و التفصيل بالجواب كأن ما عندك من بسيط العلم منبع تنبع و تجري منه التفاصيل و يسمى عقلا إجماليا. و الذي ذكروه من التقسيم إنما أوردوه تقسيما للعلم الحصولي و إذ قد عرفت فيما تقدم أن كل علم حصولي ينتهي إلى علم حضورة كان من الواجب أن تتلقى البحث بحيث ينطبق على العلم الحضوري فلا تغفل و كذا فيما يتلو هذا البحث من مباحث العلم الحصولي. الفصل السادس في مراتب العقل ذكروا أن مراتب العقل أربع إحداها العقل الهيولاني و هي مرتبة كون النفس خالية عن جميع المعقولات و تسمى العقل الهيولاني لشباهته الهيولى الأولى في خلوها عن جميع الفعليات. و ثانيتها العقل بالملكة و هي مرتبة تعقلها للبديهيات من تصور أو تصديق فإن العلوم البديهية أقدم العلوم لتوقف العلوم النظرية عليها. و ثالثتها العقل بالفعل و هي مرتبة تعقلها للنظريات باستنتاجها من البديهيات. و رابعتها تعقلها لجميع ما حصلته من المعقولات البديهية أو النظرية المطابقة لحقائق العالم العلوي و السفلي باستحضارها الجميع و توجهها نهايةالحكمة، صفحة 249 إليها من غير شاغل مادي فتكون عالما علميا مضاهيا للعالم العيني و تسمى العقل المستفاد. الفصل السابع في مفيض هذه الصور العلمية مفيض الصور العقلية الكلية جوهر عقلي مفارق للمادة عنده جميع الصور العقلية الكلية و ذلك لما تقدم أن هذه الصور العلمية مجردة من المادة مفاضة للنفس فلها مفيض و مفيضها أما هو النفس تفعلها و تقبلها معا و إما أمر خارج مادي أو مجرد. أما كون النفس هي المفيضة لها الفاعلة لها فمحال لاستلزامه كون الشي‏ء الواحد فاعلا و قابلا معا و قد تقدم بطلانه و أما كون المفيض أمرا ماديا فيبطله أن المادي أضعف وجودا من المجرد فيمتنع أن يكون فاعلا لها و الفاعل أقوى وجودا من الفعل على أن فعل العلل المادية مشروط بالوضع و لا وضع لمجرد. فتعين أن المفيض لهذه الصور العقلية جوهر مجرد عقلي هو أقرب العقول المجردة من الجوهر المستفيض فيه جميع الصور العقلية المعقولة عقلا إجماليا تتحد معه النفس المستعدة للتعقل على قدر استعدادها فتستفيض منه ما تستعد له من الصور العقلية. فإن قلت هب أن الصور العلمية الكلية بإفاضة الجوهر المفارق لما تقدم من البرهان لكن ما هو السبب لنسبة الجميع إلى عقل واحد شخصي هلا أسندوها إلى عقول كثيرة مختلفة الماهيات بنسبة كل واحد من الصور إلى جوهر مفارق غير ما ينسب إليه أو بنسبة كل فريق من الصور إلى عقل غير نهايةالحكمة، صفحة 250 ما ينسب إليه فريق آخر. قلت الوجه في ذلك ما تقدم في الأبحاث السابقة أن كل نوع مجرد منحصر في فرد و لازم ذلك أن سلسلة العقول التي يثبتها البرهان و يثبت استناد وجود الماديات و الآثار المادية إليها كل واحد من حلقاتها نوع منحصر في فرد و أن كثرتها كثرة طولية مترتبة منتظمة من علل فاعلة آخذة من أول ما صدر منها من المبدإ الأول إلى أن ينتهي إلى أقرب العقول من الماديات و الآثار المادية فتعين استناد الماديات و الآثار المادية إلى ما هو أقرب العقول إليها و هو الذي يسميه المشاءون بالعقل الفعال. نعم الإشراقيون منهم أثبتوا وراء العقول الطولية و دونها عقولا عرضية هى أرباب الأنواع المادية لكنهم يرون وجود كل نوع بأفرادها المادية و كمالاتها مستندا إلى رب ذلك النوع و مثاله. و نظير البيان السابق الجاري في الصور العلمية الكلية يجري في الصور العلمية الجزئية و يتبين به أن مفيض الصور العلمية الجزئية جوهر مفارق مثالي فيه جميع الصور الجزئية على نحو العلم الإجمالي تتحد به النفس على قدر ما لها من الاستعداد فيفيض عليها الصور المناسبة. الفصل الثامن ينقسم العلم الحصولي إلى تصور و تصديق فإنه إما صورة ذهنية حاصلة من معلوم واحد من غير إيجاب أو سلب كالعلم بالإنسان و مقدم الشرطية و يسمى تصورا و إما صورة ذهنية من علوم معها إيجاب أو سلب كالقضايا الحملية و الشرطية و يسمى تصديقا. ثم إن القضية بما أنها تشتمل على إيجاب أو سلب مركبة من أجزاء فوق نهايةالحكمة، صفحة 251 الواحد و المشهور أن القضية الحملية الموجبة مؤلفة من الموضوع و المحمول و النسبة الحكمية التي هي نسبة المحمول إلى الموضوع و الحكم باتحاد الموضوع مع المحمول هذا في الهليات المركبة التي محمولاتها غير وجود الموضوع كقولنا الإنسان ضاحك و أما الهليات البسيطة إلى المحمول فيها هو وجود الموضوع كقولنا الإنسان موجود فهي مركبة من أجزاء ثلاثة الموضوع و المحمول و الحكم إذ لا معنى لتخلل النسبة و هي وجود رابط بين الشي‏ء و وجوده الذي هو نفسه. و أن القضية الحملية السالبة مؤلفة من الموضوع و المحمول و النسبة الحكمية السلبية و لا حكم فيها لا أن فيها حكما عدميا لأن الحكم جعل شي‏ء شيئا و سلب الحكم عدم جعله لا جعل عدمه. و الحق أن الحاجة في القضية إلى تصور النسبة الحكمية إنما هي من جهة الحكم بما هو فعل النفس لا بما هو جزء للقضية فالنسبة الحكمية على تقدير تحققها خارجة عن القضية و بتعبير آخر أن القضية هي الموضوع و المحمول و الحكم لكن النفس تتوصل إلى الحكم الذي هو جعل الموضوع هو المحمول أولا بتصور المحمول منتسبا إلى الموضوع ليتأتى منها الحكم و يدل على ذلك خلو الهليات البسيطة عن النسبة الحكمية و هي قضايا كما تقدم فالقضية بما هي قضية لا تحتاج في تحققها إلى النسبة الحكمية هذا. و أما كون الحكم فعلا نفسانيا في ظرف الإدراك الذهني فحقيقته في قولنا زيد قائم مثلا أن النفس تنال من طريق الحس أمرا واحدا هو زيد القائم ثم تنال عمرا قائما و تنال زيدا غير قائم فتستعد بذلك لتجزئة زيد القائم إلى مفهومي زيد و القائم فتجزئ و تخزنهما عندها ثم إذا أرادت حكاية ما وجدته في الخارج أخذت زيدا و القائم المخزونين عندها و هما اثنان ثم جعلتهما واحدا و هذا هو الحكم الذي ذكرنا أنه فعل أي جعل و إيجاد منها تحكي به الخارج. نهايةالحكمة، صفحة 252 فالحكم فعل من النفس و هو مع ذلك من الصور الذهنية الحاكية لما وراءها و لو كان تصورا مأخوذا من الخارج لم تكن القضية مفيدة لصحة السكوت كما في أحد جزئي الشرطية و لو كان تصورا أنشأته النفس من عندها من غير استعانة و استمداد من الخارج لم يحك الخارج و سيوافيك بعض ما يتعلق بالمقام. و قد تبين بما مر أن كل تصديق يتوقف على تصورات أكثر من واحد فلا تصديق إلا عن تصور. الفصل التاسع ينقسم العلم الحصولي إلى بديهي و نظري البديهي و يسمى ضروريا أيضا ما لا يحتاج في حصوله إلى اكتساب و نظر كتصور مفهوم الوجود و الشي‏ء و الوحدة و التصديق بأن الكل أعظم من جزئه و أن الأربعة زوج و النظري ما يحتاج في تصوره إن كان علما تصوريا أو في التصديق به إن كان علما تصديقيا إلى اكتساب و نظر كتصور ماهية الإنسان و الفرس و التصديق بأن الزوايا الثلاث من المثلث مساوية لقائمتين و أن الإنسان ذو نفس مجردة. و قد أنهوا البديهيات إلى ستة أقسام هي المحسوسات و المتواترات و التجربيات و الفطريات و الوجدانيات و الأوليات على ما بينوه في المنطق. و أولى البديهيات بالقبول الأوليات و هي القضايا التي يكفي في التصديق بها مجرد تصور الموضوع و المحمول كقولنا الكل أعظم من جزئه و الشي‏ء ثابت لنفسه أو المقدم و التالي كقولنا العدد إما زوج و إما فرد. و أولى الأوليات بالقبول قضية امتناع اجتماع النقيضين و ارتفاعهما التي نهايةالحكمة، صفحة 253 يفصح عنه قولنا إما أن يصدق الإيجاب و يكذب السلب أو يصدق السلب و يكذب الإيجاب و هي منفصلة حقيقية لا تستغني عنها في إفادة العلم قضية نظرية و لا بديهية حتى الأوليات فإن قولنا الكل أعظم من جزئه مثلا إنما يفيد العلم إذا منع النقيض و كان نقيضه كاذبا. فهي أول قضية يتعلق بها التصديق و إليها تنتهي جميع العلوم النظرية و البديهية في قياس استثنائي يتم به العلم فلو فرض فيها شك سرى ذلك في جميع القضايا و بطل العلم من أصله. و يتفرع على ذلك أولا أن لنا في كل قضية مفروضة قضية حقة إما هي نفسها أو نقيضها و ثانيا أن نقيض الواحد واحد و أن لا واسطة بين النقيضين. و ثالثا أن التناقض بين التصورين مرجعه إلى التناقض بين التصديقين كالتناقض بين الإنسان و اللاإنسان الراجعين إلى وجود الإنسان و عدمه الراجعين إلى قولنا الإنسان موجود و ليس الإنسان بموجود. تنبيه السوفسطي و هو المنكر لوجود العلم مطلقا لا يسلم قضية أولى الأوائل إذ لو سلمها كان ذلك اعترافا منه بأن كل قضيتين متناقضتين فإن إحداهما حقة صادقة و فيه اعتراف بوجود علم ما. ثم إن السوفسطي بما يظهر من الشك في كل عقد إما أن يعترف بأنه يعلم أنه شاك و إما أن لا يعترف فإن اعترف بعلمه بشكه فقد اعترف بعلم ما فيضاف إليه تسليمه لقضية أولى الأوائل و يتبعه العلم بأن كل قضيتين متناقضتين فإن إحداهما حقة صادقة و تعقب ذلك علوم أخرى. و إن لم يعترف بعلمه بشكه بل أظهر أنه شاك في كل شي‏ء و شاك في نهايةالحكمة، صفحة 254 شكه ليس يجزم بشي‏ء لغت محاجته و لم ينجح فيه برهان. و هذا الإنسان إما مصاب بآفة اختل بها إدراكه فليراجع الطبيب و إما معاند للحق يظهر ما يظهر ليدحض به الحق فيتخلص من لوازمه فليضرب و ليعذب و ليمنع مما يحبه و ليجبر على ما يبغضه إذ كل شي‏ء و نقيضه عنده سواء نعم بعض هؤلاء المظهرين للشك ممن راجع العلوم العقلية و هو غير مسلح بالأصول المنطقية و لا متدرب في صناعة البرهان فشاهد اختلاف الباحثين في المسائل بالإثبات و النفي و رأي الحجج التي أقاموها على طرفي النقيض و لم يقدر لقلة بضاعته على تمييز الحق من الباطل فتسلم طريق النقيض في المسألة ببعد المسألة فأساء الظن بالمنطق و زعم أن لا طريق إلى إصابة الواقع يؤمن معه الخطأ في الفكر و لا سبيل إلى العلم بشي‏ء على ما هو عليه. و هذا كما ترى قضاء بتي منه بأمور كثيرة كتباين أفكار الباحثين و حججهم من غير أن يترجح بعضها على بعض و استلزام ذلك قصور الحجة مطلقا عن إصابة الواقع فعسى أن يرجع بالتنبيه عن مزعمته فليعالج بإيضاح القوانين المنطقية و إرائة قضايا بديهية لا تقبل الشك في حال من الأحوال كضرورة ثبوت الشي‏ء لنفسه و امتناع سلبه عن نفسه و ليبالغ في تفهيم معاني أجزاء القضايا و ليؤمر أن يتعلم العلوم الرياضية. و هناك طائفتان من الشكاكين دون من تقدم ذكرهم فطائفة يسلمون الإنسان و إدراكاته و يظهرون الشك في ما وراء ذلك و طائفة أخرى تفطنوا بما في قولهم نحن و إدراكاتنا من الاعتراف بأن للواحد منهم علما بوجود غيره من الأناسي و إدراكاتهم و لا فرق بين هذا العلم و بين غيره من الإدراكات في خاصة الكشف عما في الخارج فبدلوا الكلام من قولهم أنا و إدراكاتي. و يدفعه أن الإنسان ربما يخطئ في إدراكاته كأخطاء الباصرة و اللامسة و غيرها من أغلاط الفكر و لو لا أن هناك حقائق خارجية يطابقها الإدراك نهايةالحكمة، صفحة 255 أو لا يطابقها لم يستقم ذلك. على أن كون إدراك النفس و إدراك إدراكاتها إدراكا علميا و كون ما وراء ذلك من الإدراكات شكوكا مجازفة بينة و من السفسطة قول القائل إن الذي يفيده البحث التجربي أن المحسوسات بما لها من الوجود الخارجي ليست تطابق صورها التي في الحس و إذ كانت العلوم تنتهي إلى الحس فلا شي‏ء من المعلوم يطابق الخارج بحيث يكشف عن حقيقة و يدفعه أنه إذا كان الحس لا يكشف عن حقيقة المحسوس على ما هو عليه في الخارج و سائر العلوم منتهية إلى الحس حكمها حكمه فمن أين ظهر أن الحقائق الخارجية على خلاف ما يناله الحس و المفروض أن كل إدراك حسي أو منته إلى الحس و لا سبيل للحس إلى الخارج فمآل القول إلى السفسطة كما أن مآل القول بأن الصور الذهنية أشباح للأمور الخارجية إلى السفسطة. و من السفسطة أيضا قول القائل إن ما نعده علوما ظنون ليست من العلم المانع من النقيض في شي‏ء و يدفعه أن هذا القول إن ما نعده علوما ظنون بعينه قضية علمية و لو كان ظنيا لم يفد أن العلوم ظنون بل أفاد الظن بأنها ظنون فتأمله و اعتبر. و كذا قول القائل أن علومنا نسبية مختلفة باختلاف شرائط الوجود فهناك بالنسبة إلى كل شرط علم و ليس هناك علم مطلق و لا هناك علم دائم و لا كلي و لا ضروري. و هذه أقوال ناقضة لنفسها فقولهم العلوم نسبية إن كان نفسه قولا نسبيا أثبت أن هناك قولا مطلقا فنقض نفسه و لو كان قولا مطلقا ثبت به قول مطلق فنقض نفسه و كذا قولهم لا علم مطلقا و قولهم لا علم كليا إن كان نفسه كليا نقض نفسه و إن لم يكن كليا ثبت به قول كلي فنقض نفسه و كذا قولهم لا علم دائما و قولهم لا علم ضروريا ينقضان أنفسهما كيفما فرضا. نهايةالحكمة، صفحة 256 نعم في العلوم العملية شوب من النسبية ستأتي الإشارة إليه إن شاء الله تعالى. الفصل العاشر ينقسم العلم الحصولي إلى حقيقي و اعتباري و الحقيقي هو المفهوم الذي يوجد تارة في الخارج فيترتب عليه آثاره و تارة في الذهن فلا يترتب عليه آثاره الخارجية كمفهوم الإنسان و لازم ذلك أن تتساوى نسبته إلى الوجود و العدم و هذا هو الماهية المقولة على الشي‏ء في جواب ما هو. و الاعتباري خلاف الحقيقي و هو إما من المفاهيم التي حيثية مصداقها حيثية أنه في الخارج مترتبا عليه آثاره فلا يدخل الذهن الذي حيثيته حيثية عدم ترتب الآثار الخارجية لاستلزام ذلك انقلابه عما هو عليه كالوجود و صفاته الحقيقية كالوحدة و الوجوب و نحوها أو حيثية أنه ليس في الخارج كالعدم فلا يدخل الذهن و إلا لانقلب إلى ما يقبل الوجود الخارجي فلا وجود ذهنيا لما لا وجود خارجيا له. و أما من المفاهيم التي حيثية مصداقها حيثية أنه في الذهن كمفهوم الكلي و الجنس و الفصل فلا يوجد في الخارج و إلا لانقلب فهذه مفاهيم ذهنية معلومة لكنها مصداقا إما خارجية محضة لا تدخل الذهن كالوجود و ما يلحق به أو بطلان محض كالعدم و إما ذهنية محضة لا سبيل لها إلى الخارج فليست بمنتزعة من الخارج فليست بماهيات موجودة تارة بوجود خارجي و أخرى ذهني لكنها منتزعة من مصاديق بشهادة كونها علوما حصولية لا يترتب عليها الآثار فتنتزع من مصاديق في الذهن أما المعاني التي نهايةالحكمة، صفحة 257 حيثية مصاديقها حيثية أنها في الذهن فإنه كان لأذهاننا أن تأخذ بعض ما تنتزعه من الخارج و هو مفهوم مصداقا تنظر إليه فيضطر العقل إلى أن يعتبر له خواص تناسبه كما أن تنتزع مفهوم الإنسان من عده من أفراد كزيد و عمرو و بكر و غيرهم فتأخذه و تنصبه مصداقا و هو مفهوم تنظر فيما تحفه من الخواص فتجده تمام ماهية المصاديق و هو النوع أو جزء ماهيتها و هو الجنس أو الفصل أو خارجا مساويا أو أعم و هو الخاصة أو العرض العام و تجده تقبل الصدق على كثيرين و هو الكلية و على هذا المنهج. و أما المفاهيم التي حيثية مصاديقها حيثية أنها في الخارج أو ليست فيه فيشبه أن تكون منتزعة من الحكم الذي في القضايا الموجبة و عدمه في السالبة. بيان ذلك أن النفس عند أول ما تنال من طريق الحس بعض الماهيات المحسوسة أخذت ما نالته فاختزنته في الخيال و إذا نالته ثانيا أو في الآن الثاني و أخذته للاختزان وجدته عين ما نالته أولا و منطبقا عليه و هذا هو الحمل الذي هو اتحاد المفهومين وجودا ثم إذا أعادت النفس المفهوم مكررا بالإعادة بعد الإعادة ثم جعلها واحدا كان ذلك حكما منها و فعلا لها و هو مع ذلك محاك للخارج و فعله هذا نسبة وجودية و وجود رابط قائم بالطرفين اعتبارا. ثم للنفس أن تتصور الحكم الذي هو فعلها و تنظر إليه نظرا استقلاليا مضافا إلى موصوفه بعد ما كان رابطا فتتصور وجود المفهوم ثم تجرده فتتصور الوجود مفردا من غير إضافة فبهذا يتحصل انتزاع مفهوم الوجود من الحكم و يقع على مصداقه الخارجي و إن كانت حيثيته حيثية أنه في الخارج فهي مصاديق له و ليست بأفراد مأخوذة فيها مفهومه أخذ الماهية في أفرادها ثم تنتزع من مصاديقه صفاته الخاصة به كالوجوب و الوحدة و الكثرة و القوة و الفعل و غيرها. نهايةالحكمة، صفحة 258 ثم إذا نالت النفس شيئا من الماهيات المحسوسة فاختزنته ثم نالت ماهية أخرى مباينة لها لم تجد الثانية عين الأولى منطبقة عليها كما كانت تجد ذلك في الصورة السابقة فإذا أحضرتهما بعد الاختزان لم تفعل فيهما ما كانت تفعله في الصوره السابقة في الماهية المكررة من الحكم لكنها اعتبرت ذلك فعلا لها و هو سلب الحمل المقابل للحمل ثم نظرت إليه مستقلا مضافا فتصورته سلب المحمول عن الموضوع ثم مطلقا فتصورته سلبا و عدما ثم اعتبرت له خواص اضطرارا كعدم الميز بين الأعدام و تميزها بالإضافة إلى الموجودات. و قد تبين مما تقدم أولا أن ما كان من المفاهيم محمولا على الواجب و الممكن معا كالعلم و الحياة فهو اعتباري و إلا كان الواجب ذا ماهية تعالى عن ذلك. و ثانيا أن ما كان منها محمولا على أزيد من مقولة واحدة كالحركة فهو اعتباري و إلا كان مجنسا بأزيد من جنس واحد و هو محال. و ثالثا أن المفاهيم الاعتبارية لا حد لها و لا تؤخذ في حد ماهية جنسا لها و كذلك سائر الصفات الخاصة بالماهيات كالكلية إلا بنوع من التوسع. تنبيه و للاعتباري فيما اصطلحوا عليه معان أخر غير ما تقدم خارجة من بحثنا أحدها ما يقابل الأصالة بمعنى منشئية الآثار بالذات المبحوث عنه في مبحث أصالة الوجود و الماهية. الثاني الاعتباري بمعنى ما ليس له وجود منحاز عن غيره قبال الحقيقي الذي له وجود منحاز كاعتبارية مقولة الإضافة الموجودة بوجود طرفيها على خلاف الجوهر الموجود في نفسه. الثالث المعنى التصوري أو التصديقي الذي لا تحقق له فيما وراء ظرف نهايةالحكمة، صفحة 259 العمل و مال الاعتبار بهذا المعنى إلى استعارة المفاهيم النفس الأمرية الحقيقية بحدودها لأنواع الأعمال التي هي حركات مختلفة و متعلقاتها للحصول على غايات حيوية مطلوبة كاعتبار الرئاسة لرئيس القوم ليكون من الجماعة بمنزلة الرأس من البدن في تدبير أموره و هداية أعضائه إلى واجب العمل و اعتبار المالكية لزيد مثلا بالنسبة إلى ما حازه من المال ليكون له الاختصاص بالتصرف فيه كيف شاء كما هو شأن المالك الحقيقي في ملكه كالنفس الإنسانية المالكة لقواها و اعتبار الزوجية بين الرجل و المرأة ليشترك الزوجان في ما يترتب على المجموع كما هو الشأن في الزوج العددي و على هذا القياس. و من هنا يظهر أن هذه المعاني الاعتبارية لا حد لها و لا برهان عليها. أما أنها لا حد لها فلأنها لا ماهية لها داخلة في شي‏ء من المقولات فلا جنس لها فلا فصل لها فلا حد لها نعم لها حدود مستعارة من الحقائق التي يستعار لها مفاهيمها. و أما أنها لا برهان عليها فلأن من الواجب في البرهان أن تكون مقدماتها ضرورية دائمة كلية و هذه المعاني لا تتحقق إلا في قضايا حقة تطابق نفس الأمر و أنى للمقدمات الاعتبارية ذلك و هي لا تتعدى حد الدعوى. و يظهر أيضا أن القياس الجاري فيها جدل مؤلف من المشهورات و المسلمات و المقبول منها ما له أثر صالح بحسب الغايات و المردود منها اللغو الذي لا أثر له. الفصل الحادي عشر في العلم الحضوري و أنه لا يختص بعلم الشي‏ء بنفسه قد تقدم أن كل جوهر مجرد فهو لتمام ذاته حاضر لنفسه بنفسه و هويته نهايةالحكمة، صفحة 260 الخارجية فهو عالم بنفسه علما حضوريا. و هل يختص العلم الحضوري بعلم الشي‏ء بنفسه أو يعمه و علم العلة بمعلولها و علم المعلول بعلته ذهب المشاءون إلى الأول و الإشراقيون إلى الثاني و هو الحق و ذلك لأن وجود المعلول وجود رابط بالنسبة إلى وجود علته قائم به غير مستقل عنه بوجه فهو أعني المعلول حاضر بتمام وجوده لعلته غير محجوب عنها فهو بنفس وجوده معلوم لها علما حضوريا إن كانا مجردين. و كذلك العلة حاضرة بوجودها لمعلولها الرابط لها القائم بها المستقل باستقلالها فهي معلومة لمعلولها علما حضوريا إذا كانا مجردين و هو المطلوب. و قد تقدم أن كل علم حصولي ينتهي إلى علم حضورة و من العلم الحصولي ما ليس بين العالم و المعلوم عليه و لا معلولية بل هما معلولا علة ثالثة. الفصل الثاني عشر كل مجرد فإنه عقل و عاقل و معقول أما أنه عقل فلأنه لتمام ذاته و كونه فعلية محضة لا قوة معها يمكن أن يوجد و يحضر لشي‏ء بالإمكان و كل ما كان للمجرد بالإمكان فهو له بالفعل فهو معقول بالفعل و إذ كان العقل متحدا مع المعقول فهو عقل و إذ كانت ذاته موجودة لذاته فهو عاقل لذاته فكل مجرد عقل و عاقل و معقول و إن شئت فقل إن العقل و العاقل و المعقول مفاهيم ثلاثة منتزعة من وجود واحد. و البرهان المذكور آنفا كما يجري في كون كل مجرد عقلا و عاقلا و معقولا لنفسه يجري في كونه عقلا و معقولا لغيره. نهايةالحكمة، صفحة 261 فإن قيل لازم ذلك أن تكون النفس الإنسانية لتجردها عاقلة لنفسها و لكل مجرد مفروض و هو خلاف الضرورة. قلنا هو كذلك لو كانت النفس المجردة مجردة تجردا تاما ذاتا و فعلا لكنها مجردة ذاتا و مادية فعلا فهي لتجردها ذاتا تعقل ذاتها بالفعل و أما تعقلها لغيرها فيتوقف على خروجها من القوة إلى الفعل تدريجا بحسب الاستعدادات المختلفة التي تكتسبها فلو تجردت تجردا تاما و لم يشغلها تدبير البدن حصلت له جميع التعقلات حصولا بالفعل بالعقل الإجمالي و صارت عقلا مستفادا. و ليتنبه أن هذا البيان إنما يجري في الذوات المجردة التي وجودها في نفسها لنفسها و أما الأعراض التي وجودها في نفسها لغيرها فالعاقل لها الذي يحصل له المعقول موضوعها لا أنفسها و كذلك الحكم في النسب و الروابط التي وجوداتها في غيرها. الفصل الثالث عشر في أن العلم بذي السبب لا يحصل إلا من طريق العلم بسببه و ما يتصل بذلك السبب و نعني به العلة الموجبة للمعلول بخصوصية عليته سواء كانت علة بماهيتها كالأربعة التي هي علة للزوجية أو كانت علة بوجودها الخارجي و هي الأمر الذي يستند إليه وجود المعلول ممتنعا استناده إلى غيره و إلا لكان لمعلول واحد علتان مستقلتان و لما كان العلم مطابقا للمعلوم بعينه كانت النسبة بين العلم بالمعلول و العلم بالعلة هي النسبة بين نفس المعلول و نفس العلة و لازم ذلك توقف العلم بالمعلول و ترتبه على العلم بعلته و لو ترتب على شي‏ء نهايةالحكمة، صفحة 262 آخر غير علته كان لشي‏ء واحد أكثر من علة واحدة و هو محال. و ظاهر من هذا البيان أن هذا حكم العلم بذات المسبب مع العلم بذات السبب دون العلم بوصفي العلية و المعلولية المتضايفين فإن ذلك مضافا إلى أنه لا جدوى فيه لجريانه في كل متضايفين مفروضين من غير اختصاص بالعلم إنما يفيد المعية دون توقف العلم بالمعلول على العلم بالعلة لأن المتضايفين معان قوة و فعلا و ذهنا و خارجا. فإن قلت نحن كثيرا ما ندرك أمورا من طريق الحس نقضي بتحققها الخارجي و نصدق بوجودها مع الجهل بعلتها فهناك علم حاصل بالمعلول مع الجهل بالعلة نعم يكشف ذلك إجمالا أن علتها موجودة. قلنا الذي يناله الحس هو صور الأعراض الخارجية من غير تصديق بثبوتها أو ثبوت آثارها و إنما التصديق للعقل فالعقل يرى أن الذي يناله الإنسان بالحس و له آثار خارجة منه لا صنع له فيه و كل ما كان كذلك كان موجودا في خارج النفس الإنسانية و هذا سلوك علمي من أحد المتلازمين إلى آخر و الذي تقدم هو توقف العلم بذي السبب على سببه و أما ما لا سبب له فإنما يعلم ثبوته من طريق الملازمات العامة كما حقق في صناعة البرهان. فكون الشي‏ء مستقلا عن شي‏ء آخر و لا صنع له فيه و كونه مغايرا لذلك و خارجا عنه صفتان عامتان متلازمتان لا سبب لهما بل الملازمة ذاتية كسائر موضوعات الحكمة الإلهية و وجود المحسوس في الخارج من النفس من مصاديق هاتين المتلازمتين ينتقل العقل من أحدهما إلى الآخر و هذا كما أن الملازمة بين الشي‏ء و بين ثبوته لنفسه ذاتية و ثبوت هذا الشي‏ء لنفسه من مصاديقه و العلم به لا يتوقف على سبب. فقد ظهر مما تقدم أن البحث عن المطلوب إنما يفيد العلم به بالسلوك إليه عن طريق سببه إن كان ذا سبب أو من طريق الملازمات العامة إن كان نهايةالحكمة، صفحة 263 مما لا سبب له و أما السلوك إلى العلة من طريق المعلول فلا يفيد علما البتة. الفصل الرابع عشر في أن العلوم ليست بذاتية للنفس قيل إن ما تناله النفس من العلوم ذاتية لها موجودة فيها بالفعل في بدء كينونتها و لما أورد عليهم أن ذلك ينافي الجهل المشهود من الإنسان ببعض العلوم و الحاجة في فعليتها إلى الاكتساب أجابوا بأنها ذاتية فطرية لها لكن اشتغال النفس بتدبير البدن أغفلها علومها و شغلها عن التوجه إليها. و فيه أن نحو وجود النفس بما أنها نفس أنها صورة مدبرة للبدن فتدبير البدن ذاتي لها حيثما فرضت نفسا فلا يئول الجمع بين ذاتية العلوم لها و بين شاغلية تدبير البدن لها عن علومها إلا إلى المناقضة. نعم يتجه هذا القول بناء على ما نسب إلى أفلاطون أن النفوس قديمة زمانا و العلوم ذاتية لها و قد سنح لها التعلق التدبيري بالأبدان فأنساها التدبير علومها المرتكزة في ذواتها. لكنه فاسد بما تحقق في علم النفس من حدث النفوس بحدوث الأبدان على ما هو المشهور أو بحركة جواهر الأبدان بعد حدوثها و ربما وجه القول بقدمها بأن المراد به قدم نشأتها العقلية المتقدمة على نشأتها النفسانية لكن لا يثبت بذلك أيضا أن حصول العلم بالذكر لا بالانتقال الفكري من الأسباب إلى المسببات أو من بعض اللوازم العامة إلى بعض آخر كما تقدم. نهايةالحكمة، صفحة 264 الفصل الخامس عشر في انقسامات أخر للعلم قال في الأسفار ما ملخصه أن العلم عندنا نفس الوجود غير المادي و الوجود ليس في نفسه طبيعة كلية جنسية أو نوعية حتى ينقسم بالفصول إلى الأنواع أو بالمشخصات إلى الأشخاص أو بالقيود العرضية إلى الأصناف بل كل علم هوية شخصية بسيطة غير مندرجة تحت معنى كلي ذاتي. فتقسيم العلم باعتبار عين تقسيم المعلوم لاتحاده مع المعلوم اتحاد الوجود مع الماهية فعلى هذا نقول إن من العلم ما هو واجب الوجود بذاته و هو علم الأول تعالى بذاته الذي هو عين ذاته بلا ماهية و منه ما هو ممكن الوجود بذاته و هو علم جميع ما عداه و ينقسم إلى ما هو جوهر كعلوم الجواهر العقلية بذواتها و إلى ما هو عرض و هو في المشهور جميع العلوم الحصولية المكتسبة لقيامها بالذهن عندهم و عندنا العلم العرضي هو صفات المعلومات التي تحضر صورها عند النفس و قد بينا أن العلم عقليا كان أو خياليا ليس بحلول المعلومات في العقل أو النفس بل على نحو المثول بين يدي العالم و اتحاد النفس بها. قسمة أخرى قالوا من العلم ما هو فعلي و منه ما هو انفعالي و منه ما ليس بفعلي و لا انفعالي أما العلم الفعلي فكعلم الباري تعالى بما عدا ذاته و علم سائر العلل بمعلولاتها و أما العلم الانفعالي فكعلم ما عدا الباري تعالى بما ليس بمعلول له مما لا يحصل إلا بانفعال ما و تغير ما للعالم و بالجملة بارتسام صور تحدث في ذات النفس أو آلاتها و العلم الذي ليس بفعلي و لا انفعالي فكعلم الذوات العاقلة بأنفسها و بالأمور التي لا تغيب نهايةالحكمة، صفحة 265 عنها و قد يكون علم واحد فعليا من وجه و انفعاليا من وجه كالعلوم الحادثة التي لها آثار خارجية كتأثير الأوهام في المواد الخارجية. و قال أيضا إن العلم يقع على مصاديقه بالتشكيك كالوجود فيختلف بالشدة و الضعف و الأولية و خلافهما و الأقدمية و غيرها فإن العلم بذات الأول تعالى و هو علمه تعالى بذاته الذي هو عين ذاته أولى في كونه علما من العلم بغيره و هو أقدم العلوم لكونه سبب سائر العلوم و هو أشدها جلاء و أقوى ظهورا في ذاته. و أما خفاؤه علينا فلما علمت من أنه لغاية ظهوره و ضعف بصائرنا عن إدراكه فجهة خفائه هي بعينها جهة وضوحه و جلائه. و هكذا كل علم بحقيقة علة بالقياس إلى العلم بحقيقة معلولها و كذا العلم بحقيقة كل جوهر هو أشد من العلم بحقيقة كل عرض و هو أولى و أقدم من العلم بحقيقة العرض القائم بذلك الجوهر لكونه علة لها لا بحقيقة سائر الأعراض غير القائمة به. و أما إطلاق العلم على الفعل و الانفعال و الإضافة كالتعليم و التعلم و العالمية فعلى سبيل الاشتراك أو التجوز انتهى ج 3 ص 382. نهايةالحكمة، صفحة 267 المرحلة الثانية عشر في ما يتعلق بالواجب الوجود عز اسمه من المباحث و هي في الحقيقة مسائل متعلقة بمرحلة الوجوب و الإمكان أفردوا للكلام فيها مرحلة مستقلة اهتماما بها و اعتناء بشرافة موضوعها و فيها أربعة و عشرون فصلا نهايةالحكمة، صفحة 268 الفصل الأول في إثبات الوجود الواجبي البراهين الدالة على وجوده تعالى كثيرة متكاثرة و أوثقها و أمتنها هو البرهان المتضمن للسلوك إليه من ناحية الوجود و قد سموه برهان الصديقين لما أنهم يعرفونه تعالى به لا بغيره و هو كما ستقف عليه برهان إني يسلك فيه من لازم من لوازم الوجود إلى لازم آخر. و قد قرر بغير واحد من التقرير و أوجز ما قيل إن حقيقة الوجود إما واجبة و إما تستلزمها فإذن الواجب بالذات موجود و هو المطلوب. و في معناه ما قرر بالبناء على أصالة الوجود أن حقيقة الوجود التي هي عين الأعيان و حاق الواقع حقيقة مرسلة يمتنع عليها العدم إذ كل مقابل غير قابل لمقابله و الحقيقة المرسلة التي يمتنع عليها العدم واجبة الوجود بالذات فحقيقة الوجود الكذائية واجبة بالذات و هو المطلوب. فإن قلت امتناع العدم على الوجود لا يوجب كونه واجبا بالذات و إلا كان وجود كل ممكن واجبا بالذات لمناقضته عدمه فكان الممكن واجبا و هو ممكن هذا خلف. نهايةالحكمة، صفحة 269 قلت هذا في الوجودات الممكنة و هي محدودة بحدود ماهوية لا تتعداها فينتزع عدمها مما وراء حدودها و هو المراد بقولهم كل ممكن فهو زوج تركيبي و أما حقيقة الوجود المرسلة التي هي الأصيلة لا أصيل غيرها فلا حد يحدها و لا قيد يقيدها فهي بسيطة صرفة تمانع العدم و تناقضه بالذات و هو الوجوب بالذات. و قرر صدر المتألهين قده البرهان على وجه آخر حيث قال و تقريره أن الوجود كما مر حقيقة عينية واحدة بسيطة لا اختلاف بين أفرادها لذاتها إلا بالكمال و النقص و الشدة و الضعف أو بأمور زائدة كما في أفراد ماهية نوعية و غاية كمالها ما لا أتم منه و هو الذي لا يكون متعلقا بغيره و لا يتصور ما هو أتم منه إذ كل ناقص متعلق بغيره مفتقر إلى تمامه و قد تبين فيما سبق أن التمام قبل النقص و الفعل قبل القوة و الوجود قبل العدم و بين أيضا أن تمام الشي‏ء هو الشي‏ء و ما يفضل عليه. فإذن الوجود إما مستغن عن غيره و إما مفتقر بالذات إلى غيره و الأول هو واجب الوجود و هو صرف الوجود الذي لا أتم منه و لا يشوبه عدم و لا نقص و الثاني هو ما سواه من أفعاله و آثاره و لا قوام لما سواه إلا به لما مر أن حقيقة الوجود لا نقص لها و إنما يلحقه النقص لأجل المعلولية و ذلك لأن المعلول لا يمكن أن يكون في فضيلة الوجود مساويا لعلته فلو لم يكن الوجود مجعولا ذا قاهر يوجده و يحصله كما يقتضيه لا يتصور أن يكون له نحو من القصور لأن حقيقة الوجود كما علمت بسيطة لا حد لها و لا تعين إلا محض الفعلية و الحصول و إلا لكان فيه تركيب أو له ماهية غير الوجودية و قد مر أيضا أن الوجود إذا كان معلولا كان مجعولا بنفسه جعلا بسيطا و كان ذاته بذاته مفتقرا إلى جاعل و هو متعلق الجوهر و الذات بجاعله. فإذن قد ثبت و اتضح أن الوجود إما تام الحقيقة واجب الهوية و إما مفتقر الذات إليه متعلق الجوهر به و على أي القسمين يثبت و يتبين أن نهايةالحكمة، صفحة 270 وجود واجب الوجود غني الهوية عما سواه و هذا هو ما أردناه انتهى الأسفار ج 6 ص 16. الفصل الثاني في بعض آخر مما أقيم على وجود الواجب تعالى من البراهين من البراهين عليه أنه لا ريب أن هناك موجودا ما فإن كان هو أو شي‏ء منه واجبا بالذات فهو المطلوب و إن لم يكن واجبا بالذات و هو موجود فهو ممكن بالذات بالضرورة فرجح وجوده على عدمه بأمر خارج من ذاته و هو العلة و إلا كان مرجحا بنفسه فكان واجبا بالذات و قد فرض ممكنا هذا خلف و علته إما ممكنة مثله أو واجبة بالذات و على الثاني يثبت المطلوب و على الأول ينقل الكلام إلى علته و هلم جرا فإما أن يدور أو يتسلسل و هما محالان أو ينتهي إلى علة غير معلولة هي الواجب بالذات و هو المطلوب. و اعترض عليه بأنه ليس بيانا برهانيا مفيدا لليقين فإن البرهان إنما يفيد اليقين إذا كان السلوك فيه من العلة إلى المعلول و هو البرهان اللمي و أما البرهان الإني المسلوك فيه من المعلول إلى العلة فلا يفيد يقينا كما بين في المنطق و لما كان الواجب تعالى علة لكل ما سواه غير معلول لشي‏ء بوجه كان السلوك إلى إثبات وجوده من أي شي‏ء كان سلوكا من المعلول إلى العلة غير مفيد لليقين و قد سلك في هذا البيان من الموجود الممكن الذي هو معلوله إلى إثبات وجوده. و الجواب عنه أن برهان الإن لا ينحصر فيما يسلك فيه من المعلول إلى العلة نهايةالحكمة، صفحة 271 و هو لا يفيد اليقين بل ربما يسلك فيه من بعض اللوازم العامة التي للموجودات المطلقة إلى بعض آخر و هو يفيد اليقين كما بينه الشيخ في كتاب البرهان من منطق الشفاء. و قد سلك في البرهان السابق من حال لازمة لمفهوم موجود ما و هو مساوق للموجود من حيث هو موجود إلى حال لازمة أخرى له و هو أن من مصاديقه وجود علة غير معلولة يجب وجودها لذاتها. فقد تبين بذلك أن البيان المذكور برهان إني مفيد لليقين كسائر البراهين الموضوعة في الفلسفة لبيان خواص الموجود من حيث هو موجود المساوية للموجود العام. تنبيه محصل البيان السابق أن تحقق موجود ما ملازم لترجح وجوده إما لذاته فيكون واجبا بالذات أو لغيره و ينتهي إلى ما ترجح بذاته و إلا دار أو تسلسل و هما مستحيلان و يمكن تبديل ترجح الوجود من وجوب الوجود فيكون سلوكا إنيا من مسلك آخر. تقريره أنه لا ريب أن هناك موجودا ما و كل موجود فإنه واجب لأن الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد فإن كان هو أو شي‏ء منه واجبا لذاته فهو المطلوب و إن كان واجبا لغيره و هو علته الموجودة الواجبة فعليته إما واجبة لذاتها فهو و إما واجبة لغيرها فننقل الكلام إلى علة علته و هلم جرا فإما أن يدور أو يتسلسل أو ينتهي إلى واجب لذاته و الشقان الأولان مستحيلان و الثالث هو المطلوب. برهان آخر أقامه الطبيعيون من طريق الحركة و التغير تقريره أنه قد ثبت فيما تقدم في مباحث القوة و الفعل أن المحرك غير المتحرك فلكل نهايةالحكمة، صفحة 272 متحرك محرك غيره و لو كان المحرك متحركا فله محرك أيضا غيره و لا محالة ينتهي إلى سلسلة المحركات إلى محرك غير متحرك دفعا للدور و التسلسل و هو لبراءته من المادة و القوة و تنزهه عن التغير و التبدل و ثباته في وجوده واجب الوجود بالذات أو ينتهي إليه في سلسلة علله. برهان آخر أقامه الطبيعيون أيضا من طريق النفس الإنسانية تقريره أن النفس الإنسانية مجردة عن المادة ذاتا حادثة بما هي نفس بحدوث البدن لامتناع التمايز بدون الأبدان و استحالة التناسخ كما بين في محله فهي ممكنة مفتقرة إلى علة غير جسم و لا جسمانية أما عدم كونها جسما فلأنها لو كانت جسما كان كل جسم ذا نفس و ليس كذلك و أما عدم كونها جسمانية فلأنها لو كانت جسمانية سواء كانت نفسا أخرى أو صورة جسمية أو عرضا جسمانيا كان تأثيرها بتوسط الوضع و لا وضع للنفس مع كونها مجردة على أن النفس لتجردها أقوى تجوهرا و أشرف وجودا من كل جسم و جسماني و لا معنى لعلية الأضعف الأخس للأقوى الأشرف. فالسبب الموجد للنفس أمر وراء عالم الطبيعة و هو الواجب تعالى بلا واسطة أو بواسطة علل مترتبة تنتهي إليه. برهان آخر للمتكلمين من طريق الحدوث تقريره أن الأجسام لا تخلو عن الحركة و السكون و هما حادثان و ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث فالأجسام كلها حادثة و كل حادث مفتقر إلى محدث فمحدثها أمر غير جسم و لا جسماني و هو الواجب تعالى دفعا للدور و التسلسل. و الحجة غير تامة فإن المقدمة القائلة إن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث لا بينة و لا مبينة و تغير أعراض الجوهر عندهم غير ملازم لتغير الجوهر الذي هو موضوعها نعم لو بني على الحركة الجوهرية تمت المقدمة و نجحت الحجة و هذه الحجة كما ترى كالحجج الثلاث السابقة مبنية على تناهي العلل و انتهائها إلى علة غير معلولة هو الواجب تعالى. نهايةالحكمة، صفحة 273 الفصل الثالث في أن الواجب لذاته لا ماهية له و قد تقدمت المسالة في مرحلة الوجوب و الإمكان و تبين هناك أن كل ما له ماهية فهو ممكن و ينعكس إلى أن ما ليس بممكن فلا ماهية له فالواجب بالذات لا ماهية له و كذا الممتنع بالذات. و أوردنا هناك أيضا الحجة المشهورة التي أقاموها لنفي الماهية عن الواجب تعالى و تقدس و هي أنه لو كانت للواجب تعالى ماهية وراء وجوده كانت في ذاتها لا موجودة و لا معدومة فتحتاج في تلبسها بالوجود إلى سبب و السبب إما ذاتها أو أمر خارج منها و كلا الشقين محال أما كون ذاتها سببا لوجودها فلأن السبب متقدم على مسببه وجودا بالضرورة فيلزم تقدمها بوجودها على وجودها و هو محال و أما كون غيرها سببا لوجودها فلأنه يستلزم معلولية الواجب بالذات لذلك الغير فيكون ممكنا و قد فرض واجبا بالذات هذا خلف فكون الواجب بالذات ذا ماهية وراء وجوده محال و هو المطلوب. و هذه حجة برهانية تامة لا غبار عليها و نقضها بالماهية الموجودة التي للممكنات بتقريب أن فرض كون الماهية المفروضة للواجب علة فاعلية لوجودها لو اقتضى تقدم الماهية على وجودها المعلول لها لزم نظيره في الماهيات الموجودة للممكنات فإن ماهية الممكن قابلة لوجوده و القابل كالفاعل في وجوب تقدمه على ما يستند إليه غير مستقيم لأن وجوب تقدم القابل على مقبوله بالوجود إنما هو في القابل الذي هو علة مادية فهي المتقدمة على معلولها الذي هو المجموع من الصورة و المادة و ماهية الممكن ليست علة مادية بالنسبة إلى وجوده و لا بالنسبة إلى الماهية الموجودة و إنما قابليتها اعتبار نهايةالحكمة، صفحة 274 عقلي منشؤه تحليل العقل الممكن إلى الماهية و وجود و اتخاذه الماهية موضوعه و الوجود محمولا لها و بالجملة ليست الماهية علة قابلية للوجود لكن لو فرضت علة فاعلية لوجودها كانت علة حقيقية واجبة التقدم حقيقة فإن الحاجة إلى علة الوجود حاجة حقيقية تستتبع علة حقيقية بخلاف الحاجة إلى قابل ماهوي يقبل الوجود فإنها اعتبار عقلي و الماهية في الحقيقة عارضة للوجود لا معروضة لها. حجة أخرى و هي أن الوجود إذا كان زائدا على الماهية تقع الماهية لا محالة تحت إحدى المقولات و هي لا محالة مقولة الجوهر دون مقولات الأعراض سواء انحصرت المقولات في عدد معين مشهور أو غير مشهور أو زادت عليه لأن الأعراض أيا ما كانت قائمة بغيرها. فإذا كانت الماهية المفروضة تحت مقولة الجوهر فلا بد أن يتخصص بفصل بعد اشتراكها مع غيرها من الأنواع الجوهرية فتحتاج إلى المخصص و أيضا لا شبهة في حاجة بعض الأنواع الجوهرية إلى المخصص و المرجح و إذا صح الإمكان على بعض ما تحت الجنس من الأنواع صح على الجنس فالجائز على بعض الأنواع التي تحت الجنس جائز على الجنس و الممتنع أو الواجب على الجنس ممتنع أو واجب على كل نوع تحته فلو دخل واجب الوجود تعالى تحت المقولة لزم فيه جهة إمكانية باعتبار الجنس فلم يكن واجبا بل ممكنا هذا خلف و إذا استحال دخول الماهية المفروضة تحت مقولة الجوهر استحال كون الواجب ذا ماهية و هو المطلوب. و قد تبين مما تقدم أن ضرورة الوجود و وجوبه في الواجب تعالى أزلية هي منتزعة من حاق الذات التي هي وجود لا ماهية له. نهايةالحكمة، صفحة 275 الفصل الرابع في أن الواجب تعالى بسيط غير مركب من أجزاء خارجية و لا ذهنية و قد تقدم أن الواجب تعالى لا ماهية له فليس له حد و إذ لا حد له فلا أجزاء حدية له من الجنس و الفصل و إذ لا جنس و لا فصل له فلا أجزاء خارجية له من المادة و الصورة الخارجيتين لأن المادة هي الجنس بشرط لا و الصورة هي الفصل بشرط لا و كذا لا أجزاء ذهنية له من المادة و الصورة العقليتين و هما الجنس و الفصل المأخوذان بشرط لا في البسائط الخارجية كالأعراض و بالجملة لا أجزاء حدية له من الجنس و الفصل و لا خارجية من المادة و الصورة الخارجيتين و لا ذهنية عقلية من المادة و الصورة العقليتين. برهان آخر لو كان له جزء لكان متقدما عليه في الوجود و توقف الواجب عليه في الوجود ضرورة تقدم الجزء على الكل في الوجود و توقف الكل فيه عليه و مسبوقية الواجب و توقفه على غيره و هو واجب الوجود محال برهان آخر لو تركبت ذات الواجب تعالى من أجزاء لم يخل إما أن يكون جميع الأجزاء واجبات بذواتها و إما أن يكون بعضها واجبا بالذات و بعضها ممكنا و إما أن يكون جميعها ممكنات. و الأول محال إذ لو كانت الأجزاء واجبات بذواتها كان بينها إمكان بالقياس كما تقدم و هو ينافي كونها أجزاء حقيقية لمركب حقيقي ذي وحدة حقيقية إذ من الواجب في التركيب أن يحصل بين الأجزاء تعلق نهايةالحكمة، صفحة 276 ذاتي يحصل به أمر جديد وراء المجموع له أثر وراء آثار كل واحد من الأجزاء و الثاني محال للزوم افتقار الواجب بالذات إلى الممكن على أن لازمه دخول الماهية في حقيقة الواجب لما تقدم في مرحلة الوجوب و الإمكان أن كل ممكن فله ماهية و الثالث أيضا محال بمثل ما تقدم. و هذه البراهين غير كافية في نفي الأجزاء المقدارية كما قالوا لأنها أجزاء بالقوة لا بالفعل كما تقدم في بحث الكم من مرحلة الجواهر و الأعراض و قد قيل في نفيها أنه لو كان للواجب جزء مقداري فهو إما ممكن فيلزم أن يخالف الجزء المقداري كله في الحقيقة و هو محال و إما واجب فيلزم أن يكون الواجب بالذات غير موجود بالفعل بل بالقوة و هو محال. ثم إن من التركب ما يتصف به الشي‏ء بهويته الوجودية من السلوب و هو منفي عن الواجب بالذات تعالى و تقدس. بيان ذلك أن كل هوية صح أن يسلب عنها شي‏ء بالنظر إلى حد وجودها فهي متحصلة من إيجاب و سلب كالإنسان مثلا هو إنسان و ليس بفرس في حاق وجوده و كل ما كان كذلك فهو مركب من إيجاب هو ثبوت نفسه له و سلب هو نفي غيره عنه ضرورة مغايرة الحيثيتين فكل هوية يسلب عنها شي‏ء فهي مركبة و معنى دخول النفي في هوية وجودية و الوجود مناقض للعدم نقض وجودي في وجود مقيس إلى وجود آخر و يتحقق بذلك مراتب التشكيك في حقيقة الوجود و خصوصياتها و تنعكس النتيجة بعكس النقيض إلى أن كل ذات بسيطة الحقيقة فإنها لا يسلب عنها كمال وجودي. و الواجب بالذات وجود بحت لا سبيل للعدم إلى ذاته و لا يسلب عنه كمال وجودي لأن كل كمال وجودي ممكن فإنه معلول مفاض من علة و العلل منتهية إلى الواجب بالذات و معطي الشي‏ء لا يكون فاقدا له فله تعالى كل كمال وجودي من غير أن يداخله عدم فالحقيقة الواجبية بسيط بحت فلا يسلب عنها شي‏ء و هو المطلوب. نهايةالحكمة، صفحة 277 فإن قيل إن له تعالى صفات سلبية بالبرهان ككونه ليس بجسم و لا جسماني و لا بجوهر و لا بعرض. قلنا الصفات السلبية راجعة إلى سلب النقائص و الأعدام و سلب السلب وجود و سلب النقص كمال وجود كما قيل. فإن قيل لازم ما تقدم من البيان صحة الحمل بينه تعالى و بين كل موجود و كمال وجودي و لازمه عينية الواجب و الممكن تعالى الله عن ذلك و هو خلاف الضرورة. قلنا كلا و لو حمل الوجودات الممكنة عليه تعالى حملا شائعا صدقت عليه بكلتا جهتي إيجابها و سلبها و حيثيتي كمالها و نقصها اللتين تركبت ذواتها منها فكانت ذات الواجب مركبة و قد فرضت بسيطة الحقيقة هذا خلف بل وجدانه تعالى بحقيقته البسيطة كمال كل موجود وجدانه له بنحو أعلى و أشرف من قبيل وجدان العلة كمال المعلول مع ما بينهما من المباينة الموجبة لامتناع الحمل. و هذا هو المراد بقولهم بسيط الحقيقة كل الأشياء و الحمل حمل الحقيقة و الرقيقة دون الحمل الشائع. و قد تبين بما تقدم أن الواجب لذاته تمام كل شي‏ء. الفصل الخامس في توحيد الواجب لذاته و أنه لا شريك له في وجوب الوجود قد تبين في الفصول السابقة أن ذات الواجب لذاته عين الوجود الذي نهايةالحكمة، صفحة 278 لا ماهية له و لا جزء عدمي فيه فهو صرف الوجود و صرف الشي‏ء واحد بالوحدة الحقة التي لا تتثنى و لا تتكرر إذ لا تتحقق كثرة إلا بتميز آحادها باختصاص كل منها بمعنى لا يوجد في غيره و هو ينافي الصرافة فكل ما فرضت له ثانيا عاد أولا فالواجب لذاته واحد لذاته كما أنه موجود بذاته واجب لذاته و هو المطلوب و لعل هذا هو مراد الشيخ بقوله في التعليقات وجود الواجب عين هويته فكونه موجودا عين كونه هو فلا يوجد وجود الواجب لذاته لغيره انتهى. برهان آخر لو تعدد الواجب بالذات كأن يفرض واجبان بالذات و كان وجوب الوجود مشتركا بينهما و كان تميزهما بأمر وراء المعنى المشترك بينهما فإن كان داخلا في الذات لزم التركب و هو ينافي وجوب الوجود و إن كان خارجا منها كان عرضيا معللا فإن كان معلولا للذات كانت الذات متقدمة على تميزها بالوجود و لا ذات قبل التميز فهو محال و إن كان معلولا لغيره كانت الذات مفتقرة في تميزها إلى غيرها و هو محال فتعدد واجب الوجود على جميع تقاديره محال. و أورد عليه الشبهة المنسوبة إلى ابن كمونة و في الأسفار إن أول من ذكرها شيخ الإشراق في المطارحات ثم ذكرها ابن كمونة و هو من شراح كلامه في بعض مصنفاته و اشتهرت باسمه بأنه لم لا يجوز أن يكون هناك ماهيتان بسيطتان مجهولتا الكنه متباينتان بتمام الذات و يكون قول الوجود عليهما قولا عرضيا. و هذه الشبهة كما تجري على القول بأصالة الماهية المنسوبة إلى الإشراقيين تجري على القول بأصالة الوجود و كون الوجودات حقائق بسيطة متباينة بتمام الذات المنسوب إلى المشائين و الحجة مبنية على أصالة الوجود و كونه حقيقة واحدة مشككة ذات مراتب مختلفة. و أجيب عن الشبهة بأنها مبنية على انتزاع مفهوم واحد من مصاديق نهايةالحكمة، صفحة 279 كثيرة متباينة بما هي كثيرة متباينة و هو محال. برهان آخر لو تعدد الواجب بالذات و كان هناك واجبان بالذات مثلا كان بينهما الإمكان بالقياس من غير أن يكون بينهما علاقة ذاتية لزومية لأنها لا تتحقق بين الشيئين ألا مع كون أحدهما علة و الآخر معلولا أو كونهما معلولين لعلة ثالثة و المعلولية تنافي وجوب الوجود بالذات. فإذن لكل واحد منهما حظ من الوجود و مرتبة من الكمال ليس للآخر فذات كل منهما بذاته واجد لشي‏ء من الوجود و فاقد لشي‏ء منه و قد تقدم أنه تركب مستحيل على الواجب بالذات. برهان آخر ذكره الفارابي في الفصوص وجوب الوجود لا ينقسم بالحمل على كثيرين مختلفين بالعدد و إلا لكان معلولا. و لعل المراد أنه لو تعدد الواجب بالذات لم يكن الكثرة مقتضى ذاته لاستلزامه أن لا يوجد له مصداق إذ كل ما فرض مصداقا له كان كثيرا و الكثير لا يتحقق إلا بآحاد و إذ لا واحد مصداقا له فلا كثير و إذ لا كثير فلا مصداق له و المفروض أنه واجب بالذات. فبقي أن تكون الكثرة مقتضى غيره و هو محال لاستلزامه الافتقار إلى الغير الذي لا يجامع الوجوب الذاتي. الفصل السادس في توحيد الواجب لذاته في ربوبيته و أنه لا رب سواه الفحص البالغ و التدبر الدقيق العلمي يعطي أن أجزاء عالمنا المشهود و هو عالم الطبيعة مرتبطة بعضها ببعض من أجزائها العلوية و السفلية و أفعالها و انفعالاتها و الحوادث المترتبة على ذلك فلا تجد خلالها موجودا لا يرتبط بغيره نهايةالحكمة، صفحة 280 في كينونته و تأثيره و تأثره و قد تقدم في مباحث الحركة الجوهرية ما يتأيد به ذلك. فلكل حادث من كينونة أو فعل أو انفعال استناد إلى مجموع العالم و يستنتج من ذلك أن بين أجزاء العالم نوعا من الوحدة و النظام الوسيع الجاري فيه واحد فهذا أصل. ثم إن المتحصل مما تقدم من المباحث و ما سيأتي أن هذا العالم المادي معلول لعالم نوري مجرد عن المادة متقدس عن القوة و أن بين العلة و المعلول سنخية وجودية بها يحكى المعلول بما له من الكمال الوجودي بحسب مرتبته الكمال الوجودي المتحقق في العلة بنحو أعلى و أشرف و الحكم جار إن كان هناك علل عقلية مجردة بعضها فوق بعض حتى ينتهي إلى الواجب لذاته جل ذكره. و يستنتج من ذلك أن فوق هذا النظام الجاري في العالم المشهود نظاما عقليا نوريا مسانخا له هو مبدأ هذا النظام و ينتهي إلى نظام رباني في علمه تعالى هو مبدأ الكل و هذا أيضا أصل. و من الضروري أيضا أن علة علة الشي‏ء علة لذلك الشي‏ء و أن معلول معلول الشي‏ء معلول لذلك الشي‏ء و إذ كانت العلل تنتهي إلى الواجب تعالى فكل موجود كيفما فرض فهو أثره و ليس في العين إلا وجود جواهر و آثارها و النسب و الروابط التي بينها و لا مستقل في وجوده إلا الواجب بالذات و لا مفيض للوجود إلا هو. فقد تبين بما تقدم أن الواجب تعالى هو المجري لهذا النظام الجاري في نشأتنا المشهودة و المدبر بهذا التدبير العام المظل على أجزاء العالم و كذا النظامات العقلية النورية التي فوق هذا النظام و بحذائه على ما يليق بحال كل منها حسب ما له من مرتبة الوجود فالواجب لذاته رب للعالم مدبر لأمره بالإيجاد بعد الإيجاد و ليس للعلل المتوسطة إلا أنها مسخرة للتوسط من غير نهايةالحكمة، صفحة 281 استقلال و هو المطلوب فمن المحال أن يكون في العالم رب غيره لا واحد و لا كثير. على أنه لو فرض كثرة الأرباب المدبرين لأمر العالم كما يقول به الوثنية أدى ذلك إلى المحال من جهة أخرى و هي فساد النظام بيان ذلك أن الكثرة لا تتحقق إلا بالآحاد و لا آحاد إلا مع تميز البعض من البعض و لا يتم تميز إلا باشتمال كل واحد من آحاد الكثرة على جهة ذاتية يفقدها الواحد الآخر فيغاير بذلك الآخر و يتمايزان كل ذلك بالضرورة و السنخية بين الفاعل و فعله تقضي بظهور المغايرة بين الفعلين حسب ما بين الفاعلين فلو كان هناك أرباب متفرقون سواء اجتمعوا على فعل واحد أو كان لكل جهة من جهات النظام العالمي العام رب مستقل في ربوبيته كرب السماء و الأرض و رب الإنسان و غير ذلك أدى ذلك إلى فساد النظام و التدافع بين أجزائه و وحدة النظام و التلازم المستمر بين أجزائه تدفعه. فإن قيل إحكام النظام و إتقانه العجيب الحاكم بين أجزائه يشهد أن التدبير الجاري تدبير عن علم و الأصول الحكمية القاضية باستناد العالم المشهود إلى علل مجردة عالمة يؤيد ذلك فهب أن الأرباب المفروضين متكثرة الذوات و متغايرتها و يؤدي ذلك بالطبع إلى اختلاف الأفعال و تدافعها لكن من الجائز أن يتواطئوا على التسالم و هم عقلاء و يتوافقوا على التلاؤم رعاية لمصلحة النظام الواحد و تحفظا على بقائه. قلت لا ريب أن العلوم التي يبني عليها العقلاء أعمالهم صور علمية و قوانين كلية مأخوذة من النظام الخارجي الجاري في العالم فللنظام الخارجي نوع تقدم على تلك الصور العلمية و القوانين الكلية و هي تابعة له ثم هذا النظام الخارجي بوجوده الخارجي فعل أولئك الأرباب المفروضين و من المستحيل أن يتأثر الفاعل في فعله عن الصور العلمية المنتزعة عن فعله المتأخرة عن الفعل. نهايةالحكمة، صفحة 282 فإن قيل هب أن الأرباب المفروضين الفاعلين للنظام الخارجي لا يتبعون في فعلهم الصور العلمية المنتزعة عن الفعل و هي علوم ذهنية حصولية تابعة للمعلوم لكن الأرباب المفروضين فواعل علمية لهم علم بفعلهم في مرتبة ذواتهم قبل الفعل فلم لا يجوز تواطؤهم على التسالم و توافقهم على التلاؤم في العلم قبل الفعل. قلت علم الفاعل العلمي بفعله قبل الإيجاد كما سيجي‏ء و قد تقدمت الإشارة إليه علم حضوري ملاكه وجدان العلة كمال المعلول بنحو أعلى و أشرف و السنخية بين العلة و معلولها و فرض تواطؤ الأرباب و توافقهم في مرتبة هذا المعنى من العلم إلغاء منهم لما في وجوداتهم من التكثر و التغاير و قد فرض أن وجوداتهم متكثرة متغايرة هذا خلف. الفصل السابع في أن الواجب بالذات لا مشارك له في شي‏ء من المفاهيم من حيث المصداق المشاركة بين شيئين و أزيد إنما تتم فيما إذا كانا متغايرين متمايزين و كان هناك مفهوم واحد يتصفان به كزيد و عمرو المتحدين في الإنسانية و الإنسان و الفرس المتحدين في الحيوانية فهي وحدة في كثرة و لا تتحقق الكثرة إلا بآحاد متغايرة متمايزة كل منها مشتمل على ما يسلب به عنه غيره من الآحاد فكل من المتشاركين مركب من النفي و الإثبات بحسب الوجود و إذ كان وجود الواجب بالذات حقيقة الوجود الصرف البسيط لا سبيل للتركيب إليه و لا مجال للنفي فيه فلا يشاركه شي‏ء في معنى من المعاني. نهايةالحكمة، صفحة 283 و أيضا المفهوم المشترك فيه إما شي‏ء من الماهيات أو ما يرجع إليها فلا سبيل للماهيات الباطلة الذوات إلى حقيقة الواجب بالذات التي هي حقة محضة فلا مجانس للواجب بالذات إذ لا جنس له و لا مماثل له إذ لا نوع له و لا مشابه له إذ لا كيف له و لا مساوي له إذ لا كم له و لا مطابق له إذ لا وضع له و لا محاذي له إذ لا أين له و لا مناسب له إذ لا إضافة لذاته و الصفات الإضافية الزائدة على الذات كالخلق و الرزق و الإحياء و الإماتة و غيرها منتزعة من مقام الفعل كما سيأتي إن شاء الله تعالى. على أن الصفات الإضافية ترجع جميعا إلى القيومية و إذ لا موجد و لا مؤثر سواه فلا مشارك له في القيومية و أما شي‏ء من المفاهيم المنتزعة من الوجود فالذي للواجب بالذات منها أعلى المراتب غير المتناهي شدة الذي لا يخالطه نقص و لا عدم و الذي لغيره بعض مراتب الحقيقة المشككة غير الخالي من نقص و تركيب فلا مشاركة. و أما حمل بعض المفاهيم على الواجب بالذات و غيره كالوجود المحمول باشتراكه المعنوي عليه و على غيره مع الغض عن خصوصية المصداق و كذا سائر صفات الواجب بمفاهيمها فحسب كالعلم و الحياة و الرحمة مع الغض عن الخصوصيات الإمكانية فليس من الاشتراك المبحوث عنه في شي‏ء. الفصل الثامن في صفات الواجب بالذات على وجه كلي و انقسامها قد تقدم أن الوجود الواجبي لا يسلب عنه كمال وجودي قط فما في الوجود من كمال كالعلم و القدرة فالوجود الواجبي واجد له بنحو أعلى و أشرف و هو محمول عليه على ما يليق بساحة عزته و كبريائه و هذا هو المراد نهايةالحكمة، صفحة 284 بالاتصاف. ثم إن الصفة تنقسم انقساما أوليا إلى ثبوتية تفيد معنى إيجابيا كالعلم و القدرة و سلبية تفيد معنى سلبيا و لا يكون إلا سلب سلب الكمال فيرجع إلى إيجاب الكمال لأن نفي النفي إثبات كقولنا من ليس بجاهل و من ليس بعاجز الراجعين إلى العالم و القادر و أما سلب الكمال فقد اتضح في المباحث السابقة أن لا سبيل لسلب شي‏ء من الكمال إليه تعالى فالصفات السلبية راجعة بالحقيقة إلى الصفات الثبوتية. و الصفات الثبوتية تنقسم إلى حقيقية كالحي و إضافية كالعالمية و القادرية و الحقيقية تنقسم إلى حقيقية محضة كالحي و حقيقية ذات إضافة كالخالق و الرازق. و من وجه آخر تنقسم الصفات إلى صفات الذات و هي التي يكفي في انتزاعها فرض الذات فحسب و صفات الفعل و هي التي يتوقف انتزاعها على فرض الغير و إذ لا موجود غيره تعالى إلا فعله فالصفات الفعلية هي المنتزعة من مقام الفعل. الفصل التاسع في الصفات الذاتية و أنها عين الذات المتعالية اختلف كلمات الباحثين في الصفات الذاتية المنتزعة عن الذات الواجبة المقطوعة النظر عما عداها على أقوال. الأول أنها عين الذات المتعالية و كل واحدة منها عين الأخرى و هو منسوب إلى الحكماء. الثاني أنها معان زائدة على الذات لازمة لها فهي قديمة بقدمها و هو نهايةالحكمة، صفحة 285 منسوب إلى الأشاعرة. الثالث أنها زائدة على الذات حادثة على ما نسب إلى الكرامية. الرابع أن معنى اتصاف الذات بها كون الفعل الصادر منها فعل من تلبس بالصفة فمعنى كون الذات المتعالية عالمة أن الفعل الصادر منها متقن محكم ذو غاية عقلائية كما يفعل العالم و معنى كونها قادرة أن الفعل الصادر منها كفعل القادر فالذات نائبة مناب الصفات. و ربما يظهر من بعضهم الميل إلى قول آخر و هو أن معنى إثبات الصفات نفي ما يقابلها فمعنى إثبات الحياة و العلم و القدرة مثلا نفي الموت و الجهل و العجز. و يظهر من بعضهم أن الصفات الذاتية عين الذات لكنها جميعا بمعنى واحد و الألفاظ مترادفة. و الحق هو القول الأول و ذلك لما تحقق أن الواجب بالذات علة تامة ينتهي إليه كل موجود ممكن بلا واسطة أو بواسطة أو وسائط بمعنى أن الحقيقية الواجبية هي العلة بعينها و تحقق أيضا أن كل كمال وجودي في المعلول فعلته في مقام عليته واجدة له بنحو أعلى و أشرف فللواجب بالذات كل كمال وجودي مفروض على أنه وجود صرف لا يخالطه عدم و تحقق أن وجوده صرف بسيط واحد بالوحدة الحقة فليس في ذاته تعدد جهة و لا تغاير حيثية فكل كمال وجوده مفروض فيه عين ذاته و عين الكمال الآخر المفروض له فالصفات الذاتية التي للواجب بالذات كثيرة مختلفة مفهوما واحدة عينا و مصداقا و هو المطلوب. و قول بعضهم أن علة الإيجاد هي إرادة الواجب بالذات دون ذاته المتعالية كلام لا محصل له فإن الإرادة المذكورة عند هذا القائل إن كانت صفة ذاتية هي عين الذات كان إسناد الإيجاد إليها عين إسناده إلى الذات المتعالية فإسناده إليها و نفيه عن الذات تناقض ظاهر و إن كانت صفة نهايةالحكمة، صفحة 286 فعلية منتزعة من مقام الفعل كان الفعل متقدما عليها فكان إسناد إيجاد الفعل إليها قولا بتقدم المعلول على العلة و هو محال. على أن نسبة العلية إلى إرادة الواجب بالذات و نفيها عن الذات تقضي بالمغايرة بين الواجب و إرادته فهذه الإرادة إما مستغنية عن العلة فلازمه أن تكون واجبة الوجود و لازمه تعدد الواجب و هو محال و إما مفتقرة إلى العلة فإن كانت علتها الواجب كانت الإرادة علة للعالم و الواجب علة لها و علة العلة علة فالواجب علة العالم و إن كانت علتها غير الواجب و لم ينته إليه استلزم واجبا آخر تنتهي إليه و هو محال. و أما القول الثاني المنسوب إلى الأشاعرة و هو أن هذه الصفات و هي على ما عدوها سبع الحياة و العلم و القدرة و السمع و البصر و الإرادة و الكلام زائدة على الذات لازمة لها قديمة بقدمها. ففيه أن هذه الصفات إن كانت في وجودها مستغنية عن العلة قائمة بنفسها كان هناك واجبات ثمان هي الذات و الصفات السبع و براهين وحدانية الواجب تبطله و تحيله و إن كانت في وجودها مفتقرة إلى علة فإن كانت علتها هي الذات كانت الذات علة متقدمة عليها فياضة لها و هي فاقدة لها و هو محال و إن كانت علتها غير الذات كانت واجبة بالغير و ينتهي وجوبها بالغير إلى واجب آخر غير الواجب المتصف بها و براهين وحدانية الواجب بالذات تبطله أيضا و أيضا كان لازم ذلك حاجة الواجب بالذات في اتصافه بصفات الكمال إلى غيره و الحاجة كيفما كانت تنافي وجوب الوجود بالذات. و أيضا لازمه فقدان الواجب في ذاته صفات الكمال و قد تقدم أنه صرف الوجود الذي لا يفقد شيئا من الكمال الوجودي. و أما القول الثالث المنسوب إلى الكرامية و هو كون هذه الصفات زائدة حادثة ففيه أن لازمه إمكانها و احتياجها إلى العلة و علتها إما هي الذات و نهايةالحكمة، صفحة 287 لازمه أن تفيض الذات لنفسها ما هي فاقدة له و قد تحقق استحالته و أما غير الذات و لازمه تحقق جهة إمكانية فيها و انسلاب كمالات وجودية عنها و قد تحقق استحالته. و أما القول الرابع المنسوب إلى المعتزلة و هو نيابة الذات عن الصفات ففيه أن لازمه فقدان الذات للكمال و هي فياضة لكل كمال و هو محال. و بهذا يبطل أيضا ما قيل إن معنى الصفات الذاتية الثبوتية سلب مقابلاتها فمعنى الحياة و العلم و القدرة نفي الموت و نفي الجهل و نفي العجز. و أما ما قيل من كون هذه الصفات عين الذات و هي مترادفة بمعنى واحد فكأنه من اشتباه المفهوم بالمصداق فالذي يثبته البرهان أن مصداقها واحد و أما المفاهيم فمتغايرة لا تتحد أصلا على أن اللغة و العرف يكذبان الترادف. الفصل العاشر في الصفات الفعلية و أنها زائدة على الذات لا ريب أن للواجب بالذات صفات فعلية مضافة إلى غيره كالخالق و الرازق و المعطي و الجواد و الغفور و الرحيم إلى غير ذلك و هي كثيرة جدا يجمعها صفة القيوم. و لما كانت مضافة إلى غيره تعالى كانت متوقفة في تحققها إلى تحقق الغير المضاف إليه و حيث كان كل غير مفروض معلولا للذات المتعالية متأخرا عنها كانت الصفة المتوقفة عليه متأخرة عن الذات زائدة عليها فهي منتزعة من مقام الفعل منسوبة إلى الذات المتعالية. فالموجود الإمكاني مثلا له وجود لا بنفسه بل بغيره فإذا اعتبر بالنظر إلى نهايةالحكمة، صفحة 288 نفسه كان وجودا و إذا اعتبر بالنظر إلى غيره كان إيجادا منه و صدق عليه أنه موجد له ثم إن وجوده باعتبارات مختلفة إبداع و خلق و صنع و نعمة و رحمة فيصدق على موجده أنه مبدع خالق صانع منعم رحيم. ثم إن الشي‏ء الذي هو موجده إذا كان مما لوجوده بقاء ما فإن بين يديه ما يديم به بقاءه و يرفع به جهات نقصه و حاجته إذا اعتبر في نفسه انتزع منه أنه رزق يرتزق به و إذا اعتبر من حيث إنه لا بنفسه بل بغيره الذي هو علته الفياضة له صدق على ذلك الغير أنه رازق له ثم صدق على الرزق أنه عطية و نعمة و موهبة و جود و كرم بعنايات أخر مختلفة و صدق على الرازق أنه معط منعم وهاب جواد كريم إلى غير ذلك و على هذا القياس سائر الصفات الفعلية المتكثرة بتكثر جهات الكمال في الوجود. و هذه الصفات الفعلية صادقة عليه تعالى صدقا حقيقيا لكن لا من حيث خصوصيات حدوثها و تأخرها عن الذات المتعالية حتى يلزم التغير فيه تعالى و تقدس و تركب ذاته من حيثيات متغايرة كثيرة بل من حيث إن لها أصلا في الذات ينبعث عنه كل كمال و خير فهو تعالى بحيث يقوم به كل كمال ممكن في موطنه الخاص به. فهو تعالى بحيث إذا أمكن شي‏ء كان مرادا له و إذا أراد شيئا أوجده و إذا أوجده رباه و إذا رباه أكمله و هكذا فللواجب تعالى وجوبه و قدمه و للأشياء إمكانها و حدوثها. الفصل الحادي عشر في علمه تعالى قد تحقق فيما تقدم أن لكل مجرد علما بذاته لحضور ذاته المجردة عن المادة لذاته و ليس العلم إلا حضور شي‏ء لشي‏ء و الواجب تعالى منزه عن المادة و القوة فذاته معلومة لذاته. و قد تقدم أيضا أن ذاته المتعالية حقيقة الوجود الصرف البسيط الواحد بالوحدة الحقة الذي لا يداخله نقص و لا عدم فلا كمال وجوديا في تفاصيل الخلقة بنظامها الوجودي إلا و هي واجدة له بنحو أعلى و أشرف غير متميز بعضها من بعض لمكان الصرافة و البساطة فما سواه من شي‏ء فهو معلوم له تعالى في مرتبة ذاته المتعالية علما تفصيليا في عين الإجمال و إجماليا في عين التفصيل. و قد تقدم أيضا أن ما سواه من الموجودات معاليل له منتهية إليه بلا واسطة أو بواسطة أو وسائط قائمة الذوات به قيام الرابط بالمستقل حاضرة عنده بوجوداتها غير محجوبة عنه فهي معلومة له في مرتبة وجوداتها علما حضوريا أما المجردة منها فبأنفسها و أما المادية فبصورها المجردة. فتبين بما مر أن للواجب تعالى علما بذاته في مرتبة ذاته و هو عين ذاته و أن له تعالى علما بما سوى ذاته من الموجودات في مرتبة ذاته و هو المسمى بالعلم قبل الإيجاد و أنه علم إجمالي في عين الكشف التفصيلي و أن له تعالى علما تفصيليا بما سوى ذاته من الموجودات في مرتبة ذواتها خارجا من الذات المتعالية و هو العلم بعد الإيجاد و أن علمه حضوره كيفما صور فهذه خمس مسائل. و يتفرع على ذلك أن كل علم متقرر في مراتب الممكنات من العلل المجردة العقلية و المثالية فإنه علم له تعالى. و يتفرع أيضا أنه سميع بصير كما أنه عليم خبير لما أن حقيقة السمع و البصر هي العلم بالمسموعات و العلم بالمبصرات من مطلق العلم و له تعالى كل علم. و للباحثين في علمه تعالى اختلاف كثير حتى أنكره بعضهم من أصله و نهايةالحكمة، صفحة 290 هو محجوج بما قام على ذلك من البرهان. و للمثبتين مذاهب شتى أحدها أن له تعالى علما بذاته دون معلولاتها لأن الذات المتعالية أزلية و كل معلول حادث. و فيه أن العلم بالمعلول في الأزل لا يستوجب كونه موجودا في الأزل بوجوده الخاص به على أن مبني على انحصار العلم الحضوري في علم الشي‏ء بنفسه و أن ما دون ذلك حصولي تابع للمعلوم و هو ممنوع بما تقدم إثباته من أن للعلة المجردة علما حضوريا بمعلولها المجرد و قد قام البرهان على أن له تعالى علما حضوريا بمعلولاته قبل الإيجاد في مرتبة الذات و علما حضوريا بها بعد الإيجاد في مرتبة المعلولات. الثاني ما ينسب إلى أفلاطون أن علمه تعالى التفصيلي هو العقول المجردة و المثل الإلهية التي تجتمع فيها كمالات الأنواع تفصيلا. و فيه أن ذلك من العلم بعد الإيجاد و هو في مرتبة وجوداتها الممكنة و انحصار علمه تعالى التفصيلي بالأشياء فيها يستلزم خلو الذات المتعالية في ذاتها عن الكمال العلمي و هو وجود صرف لا يشذ عنه كمال من الكمالات الوجودية. الثالث ما ينسب إلى فرفوريوس أن علمه تعالى بالاتحاد مع المعلوم. و فيه أن ذلك إنما يكفي لبيان تحقق العلم و أن ذلك باتحاد العاقل مع المعقول لا بالعروض و نحوه و لا يكفي لبيان ثبوت العلم بالأشياء قبل الإيجاد أو بعده. الرابع ما ينسب إلى شيخ الإشراق و تبعه جمع ممن بعده من المحققين أن الأشياء أعم من المجردات و الماديات حاضرة بوجودها العيني له تعالى غير غائبة و لا محجوبة عنه و هو علمه التفصيلي بالأشياء بعد الإيجاد فله تعالى علم إجمالي بها بتبع علمه بذاته. نهايةالحكمة، صفحة 291 و فيه أولا أن قوله بحضور الماديات له تعالى ممنوع فالمادية لا تجامع الحضور على ما بين في مباحث العاقل و المعقول و ثانيا أن قصر العلم التفصيلي بالأشياء في مرتبة وجوداتها يوجب خلو الذات المتعالية الفياضة لكل كمال تفصيلي في الأشياء عن تفصيلها و هي وجود صرف جامع لكل كمال وجودي بنحو أعلى و أشرف. الخامس ما ينسب إلى الملطي أنه تعالى يعلم العقل الأول و هو الصادر الأول بحضوره عنده و يعلم سائر الأشياء مما دون العقل الأول بارتسام صورها في العقل الأول. و فيه أنه يرد عليه ما يرد على القول السابق من لزوم خلو الذات المتعالية عن الكمال و هي واجدة لكل كمال على أنه قد تقدم في مباحث العاقل و المعقول أن العقول المجردة لا علم ارتساميا حصوليا لها. السادس قول بعضهم إن ذاته المتعالية علم تفصيلي بالمعلول الأول و إجمالي بما دونه و ذات المعلول الأول علم تفصيلي بالمعلول الثاني و إجمالي بما دونه و على هذا القياس. و فيه محذور خلو الذات المتعالية عن كمال العلم بما دون المعلول الأول و هي وجود صرف لا يسلب عنه كمال. السابع ما ينسب إلى أكثر المتأخرين أن له تعالى علما تفصيليا بذاته و هو علم إجمالي بالأشياء قبل الإيجاد و أما علمه التفصيلي بالأشياء فهو بعد وجودها لأن العلم تابع للمعلوم و لا معلوم قبل الوجود العيني. و فيه خلو الذات المتعالية عن الكمال العلمي كما في الوجوه السابقة على أن فيه إثبات العلم الارتسامي الحصولي في الوجود المجرد المحض. الثامن ما ينسب إلى المشائين أن له تعالى علما حضوريا بذاته المتعالية و علما تفصيليا حصوليا بالأشياء قبل إيجادها بحضور ماهياتها على النظام الموجود في الخارج لذاته تعالى لا على وجه الدخول بعينية أو جزئية بل على نهايةالحكمة، صفحة 292 نحو قيامها بها بالثبوت الذهني على وجه الكلية بمعنى عدم تغير العلم بتغير المعلوم على ما اصطلح عليه في مباحث العلم فهو علم عنائي يستتبع فيه حصول المعلوم علما حصوله عينا. و فيه أولا ما في سابقه من محذور خلو الذات عن الكمال و ثانيا ما في سابقه أيضا من محذور ثبوت العلم الحصولي فيما هو مجرد ذاتا و فعلا و ثالثا أن لازمه ثبوت وجود ذهني من غير عيني يقاس إليه و لازمه أن يعود وجودا آخر عينيا للماهية قبل وجودها الخاص بها و هو منفصل الوجود عنه تعالى و يرجع بالدقة إلى القول الثاني المنسوب إلى أفلاطون. و اعلم أن أكثر المتكلمين على هذا القول و إن طعنوا فيه من حيث عده العلم قبل الإيجاد كليا زعما منهم أن المراد بالكلي ما اصطلح عليه في مبحث الكلي و الجزئي من المنطق و ذلك أنهم اختاروا أن العلم التفصيلي قبل الإيجاد حصولي و أنه على حاله قبل وجود الأشياء و بعد وجودها من غير تغيير. التاسع قول المعتزلة إن للماهيات ثبوتا عينيا في العدم و هو الذي تعلق به علمه تعالى قبل الإيجاد. و فيه أنه قد تقدم بطلان القول بثبوت المعدومات. العاشر ما نسب إلى الصوفية أن للماهيات ثبوتا علميا بتبع الأسماء و الصفات هو الذي تعلق به علمه تعالى قبل الإيجاد. و فيه أن أصالة الوجود و اعتبارية الماهية تنفي أي ثبوت مفروض للماهيات قبل ثبوتها العيني الخاص بها. الفصل الثاني عشر في العناية و القضاء و القدر ذكروا أن من مراتب علمه تعالى العناية و القضاء و القدر لصدق كل نهايةالحكمة، صفحة 293 منها بمفهومه الخاص على خصوصية من خصوصيات علمه تعالى. أما العناية و هي كون الصورة العلمية علة موجبة للمعلوم الذي هو الفعل فإن علمه التفصيلي بالأشياء و هو عين ذاته علة لوجودها بما له من الخصوصيات المعلومة فله تعالى عناية بخلقه. و أما القضاء فهو بمفهومه المعروف جعل النسبة التي بين موضوع و محموله ضرورية موجبة فقول القاضي مثلا في قضائه فيما إذا تخاصم زيد و عمرو في مال أو حق و رفعا إليه الخصومة و النزاع و ألقيا إليه حجتهما المال لزيد و الحق لعمرو إثبات المالكية لزيد و إثبات الحق لعمرو إثباتا ضروريا يرتفع به التزلزل و التردد الذي أوجده التخاصم و النزاع قبل القضاء و فصل الخصومة و بالجملة قضاء القاضي إيجابه الأمر إيجابا علميا يتبعه إيجابه الخارجي اعتبارا. و إذا أخذ هذا المعنى حقيقيا بالتحليل غير اعتباري انطبق عن الوجوب الذي يتلبس به الموجودات الممكنة من حيث نسبتها إلى عللها التامة فإن الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد و هذا الوجوب الغيري من حيث نسبته إلى العلة التامة إيجاب و لا شي‏ء في سلسلة الوجود الإمكاني إلا و هو واجب موجب بالغير و العلل تنتهي إلى الواجب بالذات فهو العلة الموجبة لها و لمعلولاتها. و إذ كانت الموجودات الممكنة بما لها من النظام الأحسن في مرتبة وجوداتها العينية علما فعليا للواجب تعالى فما فيها من الإيجاب قضاء منه تعالى و فوقه العلم الذاتي منه المنكشف له به كل شي‏ء على ما هو عليه في الأعيان على التفصيل بنحو أعلى و أشرف. فالقضاء قضاءان قضاء ذاتي خارج من العالم و قضاء فعلي داخلي فيه و من هنا يظهر ضعف ما نسب إلى المشهور أن القضاء هو ما عند المفارقات العقلية من العلم بالموجودات الممكنة بما لها من النظام. و كذا ما ذهب إليه صدر المتألهين ره أن القضاء هو العلم الذاتي المتعلق نهايةالحكمة، صفحة 294 بتفاصيل الخلقة قال في الأسفار و أما القضاء فهو عندهم عبارة عن وجود الصور العقلية لجميع الموجودات فائضة عنه تعالى على سبيل الإبداع دفعة بلا زمان لكونها عندهم من جملة العالم و من أفعال الله المباينة ذواتها لذاته و عندنا صور علمية لازمة لذاته بلا جعل و لا تأثير و تأثر و ليست من أجزاء العالم إذ ليست لها حيثية عدمية و لا إمكانات واقعية فالقضاء الرباني و هو صورة علم الله قديم بالذات باق ببقاء الله انتهى ج 6 ص 292. و ينبغي أن يحمل قوله صور علمية لازمة لذاته على العلم الذاتي الذي لا ينفك عن الذات و إلا فلو كانت لازمة خارجة كانت من العالم و لم تكن قديمة بالذات كما صرح بذلك على أنها لو كانت حضورية انطبقت على قول أفلاطون في العلم و هو ره لا يرتضيه و لو كانت حصولية انطبقت على قول المشائين و هو ره لا يرتضيه أيضا. و وجه الضعف في القولين أن صدق القضاء بمفهومه على إحدى المرتبتين من العلم أعني العلم الذاتي و العلم الفعلي لا ينفي صدقه على الأخرى فالحق أن القضاء قضاءان ذاتي و فعلي كما تقدم بيانه. و أما القدر فهو ما يلحق الشي‏ء من كمية أو حد في صفاته و آثاره و التقدير تعيين ما يلحقه من الصفات و الآثار تعيينا علميا يتبعه العمل على حسب ما تسعه الأسباب و الأدوات الموجودة كما أن الخياط يقدر ما يخيطه من اللباس على الثوب الذي بين يديه ثم يخيط على ما قدر و البناء يقدر ما يريده من البناء على القاعة من الأرض على حسب ما تسعه و تعين عليه الأسباب و الأدوات الموجودة عنده ثم يبني البناء على طبق ما قدر لأسباب متجددة توجب عليه ذلك فالتقدير بالنسبة إلى الشي‏ء المقدر كالقالب الذي يقلب به الشي‏ء يحد به الشي‏ء بحد أو حدود لا يتعداها. و إذا أخذ هذا المعنى بالتحليل حقيقيا انطبق على الحدود التي تلحق نهايةالحكمة، صفحة 295 الموجودات المادية من ناحية عللها الناقصة بما لها من الصور العلمية في النشأة التي فوقها فإن لكل واحدة من العلل الناقصة بما فيها من الحيثيات المختلفة أثرا في المعلول يخصص إطلاقه في صفته و أثره فإذا تم التخصيص بتمام العلة التامة حصل له التعين و التشخص بالوجود الذي تقتضيه العلة التامة فللإنسان مثلا خاصة الرؤية لكن لا بكل وجوده بل من طريق بدنه و لا ببدنه كله بل بعضو منه مستقر في وجهه فلا يرى إلا ما يواجهه و لا كل ما يواجهه بل الجسم و لا كل جسم بل الكثيف من لأجسام ذا اللون و لا نفس الجسم بل سطحه و لا كل سطوحه بل السطح المحاذي و لا في كل وضع و لا في كل حال و لا في كل مكان و لا في كل زمان فلئن أحصيت الشرائط الحافة حول رؤية واحدة شخصية ألفيت جما غفيرا لا يحيط به الإحصاء و ما هي إلا حدود ألحقها بها العلل الناقصة التي تحد الرؤية المذكورة بما تضع فيها من أثر و منها ما يمنعه الموانع من التأثير. و هذه الحدود جهات وجودية تلازمها سلوب كما تبين آنفا و لها صور علمية في نشأة المثال التي فوق نشأة المادة تتقدر بها صفات الأشياء و آثارها فلا سبيل لشي‏ء منها إلا إلى صفة أو أثر هداه إليه التقدير. فإن قلت لازم هذا البيان كون الإنسان مجبرا غير مختار في أفعاله قلت كلا فإن الاختيار أحد الشرائط التي يحد بها فعل الإنسان و قد فصلنا القول في دفع هذه الشبهة في مباحث الوجود و في مباحث العلة و المعلول. فإن قلت هلا عممتم القول في القدر و هو ضرب الحدود للشي‏ء من حيث صفاته و آثاره في علم سابق يتبعه العين حتى يعمم الماهيات الإمكانية فإن الماهيات أيضا حدود لموضوعاتها تتميز من غيرها و تلازمها سلوب لا تتعداها و قد تقدم أن كل ذي ماهية فهو ممكن و أن الممكن مركب الذات من الإيجاب و السلب فيعم القدر كل ممكن سواء كان عقلا نهايةالحكمة، صفحة 296 مجردا أو مثالا معلقا أو طبيعة مادية و يكون العلم السابق الذي يتقدر به الشي‏ء علما ذاتيا. و بالجملة يكون القدر بحسب العين هو التعين المنتزع من الوجود العيني و التقدير هو التعيين العلمي الذي يتبعه العين كما أن المقضي هو الوجوب المنتزع من الوجود العيني و القضاء هو الإيجاب العلمي الذي يستتبعه سواء كان من حيث الماهية و الذات أو من حيث الصفات و الآثار. قلت كون الماهية حدا ذاتيا للممكن لا ريب فيه لكنهم راعوا في بحث القدر ظاهر مفهومه و هو الحد الذي يلحق الشي‏ء فيما هو موضوع له من الصفات و الآثار دون أصل الذات فلا يعم ما وراء الطبائع التي لها تعلق ما بالمادة. و غرضهم من عقد هذا البحث بيان أن الممكن ليس مرخى العنان فيما يلحق به من الصفات و الآثار مستقلا عن الواجب تعالى فيما يتصف به أو يفعل بل الأمر في ذلك إليه تعالى فلا يقع إلا ما قدره و هذا قريب المعنى من قولهم علة علة الشي‏ء علة لذلك الشي‏ء. كما أن غرضهم من بحث القضاء بيان أن الممكن لا يقع إلا بوجوب غيري ينتهي إليه في علم سابق و هو قريب المعنى من قولهم الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد. الفصل الثالث عشر في قدرته تعالى إن من المعاني التي نعدها من الكمالات الوجودية القدرة و لا تكون إلا في الفعل دون الانفعال فلا نعد انفعال الشي‏ء عن غيره شديدا كان أو نهايةالحكمة، صفحة 297 ضعيفا قدرة و لا في كل فعل بل في الفعل الذي لفاعله علم به فلا نسمي مبدئية الفواعل الطبيعية العادمة للشعور قدرة لها و لا في كل فعل لفاعله علم به بل في الفعل العلمي الذي يبعث العلم به فاعله على الفعل فليست مبدئية الإنسان مثلا لأفعاله الطبيعية البدنية قدرة و إن كان له علم بها بل الفعل الذي يعلم الفاعل أنه خير له من حيث إنه هذا الفاعل بأن يتصوره و يصدق أنه خير له من حيث إنه هذا الفاعل. و لازم العلم بكون الفعل خيرا للفاعل أن يكون كمالا له يقتضيه بنفسه فإن خير كل نوع هو الكمال المترتب عليه و الطبيعة النوعية هي المبدأ المتقضي له و إذا فرض أنه عالم بكونه خيرا له و كمالا يقتضيه انبعث الفاعل إليه بذاته لا بإيجاب مقتض غيره و تحميله عليه فلا قدرة مع الإجبار و القادر مختار بمعنى أن الفعل إنما يتعين له بتعيين منه لا بتعيين من غيره. ثم إذا تم العلم بكون الفعل خيرا أعقب ذلك شوقا من الفاعل إلى الفعل فالخير محبوب مطلقا مشتاق إليه إذا فقد و هذا الشوق كيفية نفسانية غير العلم السابق قطعا و أعقب ذلك الإرادة و هي كيفية نفسانية غير العلم السابق و غير الشوق قطعا و بتحققها يتحقق الفعل الذي هو تحريك العضلات بواسطة القوة العاملة المنبثة فيها. هذا ما يكشف البحث عن القدرة التي عندنا من القيود التي فيها و هي المبدئية للفعل و العلم بأنه خير للفاعل علما يلازم كونه مختارا في فعله و الشوق إلى الفعل و الإرادة له و قد تحقق أن كل كمال وجودي في الوجود فإنه موجود للواجب تعالى في حد ذاته فهو تعالى عين القدرة الواجبية لكن لا سبيل لتطرق الشوق عليه لكونه كيفية نفسانية تلازم الفقد و الفقد يلازم النقص و هو تعالى منزه عن كل نقص و عدم. و كذلك الإرادة التي هي كيفية نفسانية غير العلم و الشوق فإنها ماهية ممكنة و الواجب تعالى منزه عن الماهية و الإمكان. نهايةالحكمة، صفحة 298 على أن الإرادة بهذا المعنى هي مع المراد إذا كان من الأمور الكائنة الفاسدة لا توجد قبله و لا تبقى بعده فاتصاف الواجب تعالى بها مستلزم لتغير الموصوف و هو محال. فتحصل أن القدرة المجردة عن النواقص و الأعدام هي كون الشي‏ء مبدأ فاعليا للفعل عن علم بكونه خيرا و اختيارا في ترجيحه و الواجب تعالى مبدأ فاعلي لكل موجود بذاته له علم بالنظام الأصلح في الأشياء بذاته و هو مختار في فعله بذاته إذ لا مؤثر غيره يؤثر فيه فهو تعالى قادر بذاته و ما أوردناه من البيان يجري في العقول المجردة أيضا. فإن قلت ما سلكتموه من الطريق لإثبات القدرة للواجب تعالى خلو عن إثبات الإرادة بما هي إرادة له و الذي ذكروه في تعريف القدرة بأنها كون الشي‏ء بحيث إن شاء فعل و إن لم يشأ لم يفعل يتضمن إثبات الإرادة صفة ذاتية للواجب مقومة للقدرة غير أنهم فسروا الإرادة الواجبية بأنها علم بالنظام الأصلح. قلت ما ذكروه في معنى القدرة يرجع إلى ما أوردناه في معناها المتضمن للقيود الثلاثة المبدئية و العلم و الاختيار فما ذكروه في معنى قدرته تعالى حق و إنما الشأن كل الشأن في أخذهم علمه تعالى مصداقا للإرادة و لا سبيل إلى إثبات ذلك فهو أشبه بالتسمية. فإن قلت من الجائز أن يكون لوجود واحد ما بحسب نشأته المختلفة ماهيات مختلفة و مراتب متفاوتة كالعلم الذي إذا تعلق بالخارج منا هو كيف نفساني و إذا تعلق بنفوسنا جوهر نفساني و علم العقل بذاته جوهر عقلي و علم الواجب بذاته واجب بالذات و علم الممكن بذاته ممكن بالذات فكون الإرادة التي فينا كيفا نفسانيا لا يدفع كون إرادة الواجب لفعله هو علمه الذاتي. ثم إن من المسلم أن الفاعل المختار لا يفعل ما يفعل إلا بإرادة و مشية نهايةالحكمة، صفحة 299 و الواجب تعالى فاعل مختار فله إرادة لفعله لكن الإرادة التي فينا و هي الكيف النفساني غير متحققة هناك و ليس هناك إلا العلم و ما يلزمه من الاختيار فعلمه تعالى هو إرادته فهو تعالى مريد بما أنه عالم بعلمه الذي هو عين ذاته. قلت الذي نتسلمه أن الفاعل المختار من الحيوان لا يفعل ما يفعل إلا عن علم بمصلحة الفعل و إرادة بمعنى الكيف النفساني و أن الواجب تعالى لا يفعل ما يفعل إلا عن علم بمصلحة الفعل و أما أن هذا العلم الذي هناك وجوده وجود الإرادة و المشية و إن لم يكن ماهيته هي الكيف النفساني فغير مسلم نعم لنا أن ننتزع الإرادة من مقام الفعل كسائر الصفات الفعلية كما تقدمت الإشارة إليه في البحث عن صفات الفعل و سيجي‏ء. و بالجملة لا دليل على صدق مفهوم الإرادة على علم الواجب تعالى بالنظام الأصلح فإن المراد بمفهومها إما هو الذي عندنا فهو كيفية نفسانية مغايرة للعلم و إما مفهوم آخر يقبل الصدق على العلم بأن الفعل خير فلا نعرف للإرادة مفهوما كذلك و لذا قدمنا أن القول بأن علم الواجب تعالى بالنظام الأحسن إرادة منه أشبه بالتسمية. و لا ينبغي أن يقاس الإرادة بالعلم الذي يقال إنه كيفية نفسانية ثم يجرد عن الماهية و يجعل حيثية وجودية عامة موجودة للواجب تعالى وصفا ذاتيا هو عين الذات و ذلك لأنا و لو سلمنا أن بعض مصاديق العلم و هو العلم الحصولي كيف نفساني فبعض آخر من مصاديقه و هو العلم الحضوري جوهر أو غير ذلك و قد تحقق أن المفهوم الصادق على أكثر من مقولة واحدة وصف وجودي غير مندرج تحت مقولة منتزع عن الوجود بما هو وجود فللعلم معنى جامع يهدي إليه التحليل و هو حضور شي‏ء لشي‏ء. فإن قلت لو كانت الإرادة لا يعرف لها معنى إلا الكيفية النفسانية التي في الحيوان فما بالها تنتزع من مقام الفعل و لا كيفية نفسانية هناك فهو نهايةالحكمة، صفحة 300 الشاهد على أن لها معنى أوسع من الكيفية النفسانية و أنها صفة وجودية كالعلم. قلت اللفظ كما يطلق و يراد به معناه الحقيقي كذلك يطلق و يراد به لوازم المعنى الحقيقي و آثاره المتفرعة عليه توسعا و الصفات المنتزعة من مقام الفعل لما كانت قائمة بالفعل حادثة بحدوث الفعل متأخرة بالذات عن الذات القديمة بالذات استحال أن يتصف به الذات الواجبة بالذات سواء كان الاتصاف بنحو العينية أو بنحو العروض كما تبين في ما تقدم إلا أن يراد بها لوازم المعنى الحقيقي و آثاره المتفرعة عليه توسعا فالرحمة مثلا فيما عندنا تأثر و انفعال نفساني من مشاهد مسكين محتاج إلى كمال كالعافية و الصحة و البقاء و يترتب عليه أن يرفع الراحم حاجته و فاقته فهي صفة محمودة كمالية و يستحيل عليه تعالى التأثر و الانفعال فلا يتصف بحقيقة معناها لكن تنتزع من ارتفاع الحاجة و التلبس بالغنى مثلا أنها رحمة لأنه من لوازمها و إذ كان رحمة لها نسبة إليه تعالى اشتق منه صفة الرحيم صفة فعل له تعالى و الأمر على هذا القياس. و الإرادة المنسوبة إليه تعالى منتزعة من مقام الفعل إما من نفس الفعل الذي يوجد في الخارج فهو إرادة ثم إيجاب ثم وجوب ثم إيجاد ثم وجود و إما من حضور العلة التامة للفعل كما يقال عند مشاهدة جمع الفاعل أسباب الفعل ليفعل أنه يريد كذا فعلا. الفصل الرابع عشر في أن الواجب تعالى مبدأ لكل ممكن موجود و هو المبحث المعنون عنه بشمول إرادته للأفعال الذي حققته الأصول الماضية هو أن الأصيل من كل شي‏ء وجوده و نهايةالحكمة، صفحة 301 أن الموجود ينقسم إلى واجب بالذات و غيره و أن ما سوى الواجب بالذات سواء كان جوهرا أو عرضا و بعبارة أخرى سواء كان ذاتا أو صفة أو فعلا له ماهية ممكنة بالذات متساوية النسبة إلى الوجود و العدم و أن ما شأنه ذلك يحتاج في تلبسه بأحد الطرفين من الوجود و العدم إلى مرجح يعين ذلك و يوجبه و هو العلة الموجبة فما من موجود مكن إلا و هو محتاج في وجوده حدوثا و بقاء إلى علة توجب وجوده و توجده واجبة بالذات أو منتهية إلى الواجب بالذات و علة علة الشي‏ء علة لذلك الشي‏ء. فما من شي‏ء ممكن موجود سوى الواجب بالذات حتى الأفعال الاختيارية إلا و هو فعل الواجب بالذات معلول له بلا واسطة أو بواسطة أو وسائط. و من طريق آخر قد تبين في مباحث العلة و المعلول أن وجود المعلول بالنسبة إلى العلة وجود رابط غير مستقل متقوم بوجود العلة فالوجودات الإمكانية كائنة ما كانت روابط بالنسبة إلى وجود الواجب بالذات غير مستقلة منه محاطة له بمعنى ما ليس بخارج فما في الوجود إلا ذات واحدة مستقلة به تتقوم هذه الروابط و تستقل فالذوات و ما لها من الصفات و الأفعال أفعال له. فهو تعالى فاعل قريب لكل فعل و لفاعله و أما الاستقلال المتراءى من كل علة إمكانية بالنسبة إلى معلولها فهو الاستقلال الواجبي الذي لا استقلال دونه بالحقيقة. و لا منافاة بين كونه تعالى فاعلا قريبا كما يفيده هذا البرهان و بين كونه فاعلا بعيدا كما يفيده البرهان السابق المبني على ترتب العلل و كون علة علة الشي‏ء علة لذلك الشي‏ء فإن لزوم البعد مقتضى اعتبار النفسية لوجود ماهيات العلل و المعلولات على ما يفيده النظر البدوي و القرب هو الذي يفيده النظر الدقيق. نهايةالحكمة، صفحة 302 و من الواضح أن لا تدافع بين استناد الفعل إلى الفاعل الواجب بالذات و الفاعل الذي هو موضوعه كالإنسان مثلا فإن الفاعلية طولية لا عرضية. و ذهب جمع من المتكلمين و هم المعتزلة و من تبعهم إلى أن الأفعال الاختيارية مخلوقة للإنسان ليس للواجب تعالى فيها شأن بل الذي له أن يقدر الإنسان على الفعل بأن يخلق له الأسباب التي يقدر بها على الفعل كالقوى و الجوارح التي يتوصل بها إلى الفعل باختياره الذي يصحح له الفعل و الترك فله أن يترك الفعل و لو أراده الواجب و أن يأتي بالفعل و لو كرهه الواجب و لا صنع للواجب في فعله. على أن الفعل لو كان مخلوقا للواجب تعالى كان هو الفاعل له دون الإنسان فلم يكن معنى لتكليفه بالأمر و النهي و لا للوعد و الوعيد و لا لاستحقاق الثواب و العقاب على الطاعة و المعصية و لا فعل و لا ترك للإنسان على أن كونه تعالى فاعلا للأفعال الاختيارية و فيها أنواع القبائح و الشرور كالكفر و الجحود و أقسام المعاصي و الذنوب ينافي تنزه ساحة العظمة و الكبرياء عما لا يليق بها. و يدفعه أن الأفعال الاختيارية أمور ممكنة و ضرورة العقل قاضية أن الماهية الممكنة متساوية النسبة إلى الوجود و العدم لا تخرج من حاق الوسط إلى أحد الطرفين إلا بمرجح يوجب لها ذلك و هو العلة الموجبة و الفاعل من العلل و لا معنى لتساوي نسبة الفاعل التام الفاعلية التي معه بقية أجزاء العلة التامة إلى الفعل و الترك بل هو موجب للفعل و هذا الوجوب الغيري منته إلى الواجب بالذات فهو العلة الأولى للفعل و العلة الأولى علة للمعلول الأخير لأن علة علة الشي‏ء علة لذلك الشي‏ء فهذه أصول ثابتة مبينة في الأبحاث السابقة و المستفاد منها أن للفعل نسبة إلى الواجب تعالى بالإيجاد و إلى الإنسان مثلا بأنه فاعل مسخر هو في عين عليته معلول و فاعلية الواجب تعالى في طول نهايةالحكمة، صفحة 303 فاعلية الإنسان لا في عرضه حتى تتدافعا و لا تجتمعا. و أما تعلق الإرادة الواجبية بالفعل مع كون الإنسان مختارا فيه فإنما تعلقت الإرادة الواجبية بأن يفعل الإنسان باختياره فعلا كذا و كذا لا بالفعل من غير تقيد بالاختيار فلا يلغو الاختيار و لا يبطل أثر الإرادة الإنسانية. على أن خروج الأفعال الاختيارية عن سعة القدرة الواجبية حتى يريد فلا يكون و يكره فيكون تقييد في القدرة المطلقة التي هي عين ذات الواجب و البرهان يدفعه. على أن البرهان قائم على أن الإيجاد و جعل الوجود خاصة للواجب تعالى لا شريك له فيه و نعم ما قال صدر المتألهين قدس سره في مثل المقام و لا شبهة في أن مذهب من جعل أفراد الناس كلهم خالقين لأفعالهم مستقلين في إيجادها أشنع من مذهب من جعل الأصنام و الكواكب شفعاء عند الله انتهى ج 6 ص 370. و أما قولهم أن كون الفعل الاختياري مخلوقا للواجب تعالى لا يجامع توجيه التكليف إلى الإنسان بالأمر و النهي و لا الوعد و الوعيد على الفعل و الترك و لا استحقاق الثواب و العقاب و ليس له فعل و لا هو فاعل. فيدفعه أنه إنما يتم لو كان انتساب الفعل إلى الواجب تعالى لا يجامع انتسابه إلى الإنسان و قد عرفت أن الفاعلية طولية و للفعل انتساب إلى الواجب بالفعل بمعنى الإيجاد و إلى الإنسان المختار بمعنى قيام العرض بموضوعه. و أما قولهم إن كون أفعال الإنسان الاختيارية مخلوقة للواجب تعالى و فيها أنواع الشرور و المعاصي و القبائح ينافي طهارة ساحته تعالى عن كل نقص و شين. فيدفعه أن الشرور الموجودة في العالم على ما سيتضح ليست إلا أمورا فيها خير كثير و شر قليل و دخول شرها القليل في الوجود بتبع خيرها الكثير فالشر نهايةالحكمة، صفحة 304 مقصود بالقصد الثاني و لم يتعلق القصد الأول إلا بالخير. على أنه سيتضح أيضا أن الوجود من حيث إنه وجود خير لا غير و إنما الشرور ملحقة ببعض الوجودات فالذي يفيضه الواجب من الفعل وجوده الخير بذاته الطاهرة في نفسه و ما يلازمه من النقص و العدم لوازم تميزه في وجوده و التميزات الوجودية لولاها لفسد نظام الوجود فكان في ترك الشر القليل بطلان الخير الكثير الذي في أجزاء النظام. و ذهب جمع آخر من المتكلمين و هم الأشاعرة و من تبعهم إلى أن كل ما هو موجود غير الواجب بالذات من ذات أو صفة أو فعل فهو بإرادة الواجب بالذات من غير واسطة فالكل أفعاله و هو الفاعل لا غير. و لازم ذلك أولا ارتفاع العلية و المعلولية من بين الأشياء و كون استتباع الأسباب للمسببات لمجرد العادة أي إن عادة الله جرت على الإتيان بالمسببات عقيب الأسباب من غير تأثير من الأسباب في المسببات و لا توقف من المسببات على الأسباب. و ثانيا كون الأفعال التي تعد أفعالا اختيارية أفعالا جبرية لا تأثير لإرادة فواعلها و لا لاختيارهم فيها. و يدفعه أن انتساب الفعل إلى الواجب تعالى بالإيجاد لا ينافي انتسابه إلى غيره من الوسائط و الانتساب طولي لا عرضي كما تقدم توضيحه و حقيقة وساطة الوسائط ترجع إلى تقيد وجود المسبب بقيود مخصصة لوجوده فإن ارتباط الموجودات بعضها ببعض عرضا و طولا يجعل الجميع واحدا يتقيد بعض أجزائه ببعض في وجوده فإفاضة واحد منها إنما يتم بإفاضة الكل فليست الإفاضة إلا واحدة ينال كل منها ما في وسعه أن يناله. و أما إنكار العلية و المعلولية بين الأشياء فيكفي في دفعه ما تقدم في مرحلة العلة و المعلول من البرهان على ذلك على أنه لو لم يكن بين الأشياء شي‏ء من رابطة التأثير و التأثر و كان ما نجده منها بين الأشياء باطلا لا حقيقة نهايةالحكمة، صفحة 305 له لم يكن لنا سبيل إلى إثبات فاعل لها وراءها و هو الواجب الفاعل للكل. و أما القول بالجبر و إنكار الاختيار في الأفعال بتقريب أن فاعلية الواجب بالذات و تعلق إرادته بالفعل المسمى اختياريا يجعل الفعل واجب التحقق ضروري الوقوع و لا معنى لكون الفعل الضروري الوجود اختياريا للإنسان له أن يفعل و يترك و لا لكون إرادته مؤثرة في الفعل. يدفعه أن فاعليته تعالى طولية لا تنافي فاعلية غيره أيضا إذا كانت طولية و إرادته إنما تعلقت بالفعل بوصف أنه اختياري فأراد أن يفعل الإنسان باختياره و إرادته فعلا كذا و كذا فالفعل الاختياري واجب التحقق بوصف أنه اختياري. و استدل بعضهم على الجبر في الأفعال بأنه فعل المعصية معلوم للواجب تعالى فهو واجب التحقق ضروري الوقوع إذ لو لم يقع كان علمه جهلا و هو محال فالفعل ضروري و لا يجامع ضرورة الوقوع اختيارية الفعل. و يعارضه أن فعل المعصية معلوم للواجب تعالى بخصوصية وقوعه و هو أنه صادر عن الإنسان باختياره فهو بخصوصية كونه اختياريا واجب التحقق ضروري الوقوع إذ لو لم يقع كان علمه تعالى جهلا و هو محال فالفعل بما أنه اختياري ضروري التحقق. تنبيه استدلالهم على الجبر في الأفعال بتعلق علم الواجب تعالى بها و تعين وقوعها بذلك استناد منهم في الحقيقة إلى القضاء العلمي الذي يحتم ما يتعلق به من الأمور و أما الإرادة التي هي صفة ثبوتية زائدة على الذات عندهم فإنهم لا يرونها مبدأ للفعل موجبا له زعما منهم أن وجوب الفعل يجعل نهايةالحكمة، صفحة 306 الفاعل موجبا بفتح الجيم و الواجب تعالى فاعل مختار بل شأن الإرادة أن يرجح الفعل بالأولوية من غير وجوب فللإرادة أن يخصص أي طرف من طرفي الفعل تعلقت به. و هذه آراء سخيفة تبين بطلانها بما تقدم بيانه من الأصول الماضية فالوجوب الذي يلحق المعلول وجوب غيري منتزع من وجوده الذي أفاضته علته و هو أثرها فلو عاد هذا الوجوب و أثر في العلة بجعلها موجبة في فاعليته لزم كون المتأخر وجودا من حيث هو متأخر متقدما على المتقدم وجودا من حيث هو متقدم و هو محال. على أن الفاعل المختار لو عاد موجبا بالفتح بسبب وجوب الفعل لم يكن في ذلك فرق بين أن يستند وجوب المعلول إلى علم سابق و قضاء متقدم أو إلى إيجاب الفاعل للفعل الذي هو مفاد قولنا الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد. و أيضا قد ظهر مما تقدم أن الترجيح بالأولوية مرجعه إلى عدم حاجة الممكن في تعين أحد طرفي الوجود و العدم إلى المرجح لبقاء الطرف المرجوح على حد الجواز مع وجود الأولوية في الطرف الراجح و عدم انقطاع السؤال بلم بعد. و أيضا الترجيح بالإرادة مع فرض استواء نسبتها إلى طرفي الفعل و الترك مرجعه إلى عدم الحاجة إلى المرجح. الفصل الخامس عشر في حياته تعالى الحياة فيما عندنا من أقسام الحيوان كون الشي‏ء بحيث يدرك و يفعل و الإدراك العام في الحيوان كله هو الإدراك الحسي الزائد عن الذات و الفعل نهايةالحكمة، صفحة 307 فعل محدود عن علم به و إدراك فالعلم و القدرة من لوازم الحياة و ليسا بها لأنا نجوز مفارقة العلم الحياة و كذا مفارقة القدرة الحياة في بعض الأحيان فالحياة التي في الحيوان مبدأ وجودي يترتب عليه العلم و القدرة. و إذ كان الشي‏ء الذي له علم و قدرة زائدان على ذاته حيا و حياته كمالا وجوديا له فمن كان علمه و قدرته عين ذاته و له كل كمال و كل الكمال فهو أحق بأن يسمى حيا و هو الواجب بالذات تعالى فهو تعالى حي بذاته و حياته كونه بحيث يعلم و يقدر و علمه بكل شي‏ء من ذاته و قدرته مبدئيته لكل شي‏ء سواه بذاته. الفصل السادس عشر في الإرادة و الكلام عدوهما في المشهور من الصفات الذاتية للواجب تعالى أما الإرادة فقد تقدم القول فيها في البحث عن القدرة و أما الكلام فقد قيل إن الكلام في عرفنا لفظ دال بالدلالة الوضعية على ما في الضمير فهو موجود اعتباري يدل عند العارف بالوضع بدلالة وضعية اعتبارية على ما في ذهن المتكلم و لذلك يعد وجودا لفظيا للمعنى الذهني اعتبارا كما يعد المعنى الذهني وجودا ذهنيا و مصداقه الخارجي وجودا خارجيا للشي‏ء. فلو كان هناك موجود حقيقي دال على شي‏ء دلالة حقيقة غير اعتبارية كالأثر الدال على المؤثر و المعلول الدال بما فيه من الكمال الوجودي على ما في علته من الكمال بنحو أعلى و أشرف كان أحق بأن يسمى كلاما لأصالة وجودها و قوة دلالتها. و لو كان هناك موجود بسيط الذات من كل وجه له كل كمال نهايةالحكمة، صفحة 308 في الوجود بنحو أعلى و أشرف يكشف بتفاصيل صفاته التي هي عين ذاته المقدسة عن إجمال ذاته كالواجب تعالى فهو كلام يدل بذاته على ذاته و الإجمال فيه عين التفصيل. أقول فيه تحليل الكلام و إرجاع حقيقة معناه إلى نحو من معنى القدرة فلا ضرورة تدعو إلى أفراده من القدرة على أن جميع المعاني الوجودية و إن كانت متوغلة في المادية محفوفة بالأعدام و النقائص يمكن أن تعود بالتحليل و حذف النقائص و الأعدام إلى صفة من صفاته الذاتية. فإن قلت هذا جار في السمع و البصر فهما وجهان من وجوه العلم مع أنهما أفردا من القدرة و عدا صفتين من الصفات الذاتية. قلت ذلك لورودهما في الكتاب و السنة و أما الكلام فلم يرد منه في الكتاب الكريم إلا ما كان صفة للفعل. الفصل السابع عشر في العناية الإلهية بخلقه و أن النظام الكوني في غاية ما يمكن من الحسن و الإتقان الفاعل العلمي الذي لعلمه دخل في تمام عليته الموجبة إذا كان ناقصا في نفسه مستكملا بفعله فهو بحيث كلما قويت الحاجة إلى الكمال الذي يتوخاه بفعله زاد اهتمامه بالفعل و أمعن في إتيان الفعل بحيث يتضمن جميع الخصوصيات الممكنة اللحاظ في إتقان صنعه و استقصاء منافعه بخلاف ما لو كان الكمال المطلوب بالفعل حقيرا غير ضروري عند الفاعل جائز الإهمال في منافعه و هذا المعنى هو المسمى بالعناية. نهايةالحكمة، صفحة 309 الواجب تعالى غني الذات له كل كمال في الوجود فلا يستكمل بشي‏ء من فعله و كل موجود فعله و لا غاية له في أفعاله خارجة من ذاته لكن لما كان له علم ذاتي بكل شي‏ء ممكن يستقر فيه و علمه الذي هو عين ذاته علة لما سواه فيقع فعله على ما علم من غير إهمال في شي‏ء مما علم من خصوصياته و الكل معلوم فله تعالى عناية بخلقه. و المشهود من النظام العام الجاري في الخلق و النظام الخاص الجاري في كل نوع و النظم و الترتيب الذي هو مستقر في أشخاص الأنواع يصدق ذلك فإذا تأملنا في شي‏ء من ذلك وجدنا مصالح و منافع في خلقه نقضي منها عجبا و كلما أمعنا و تعمقنا فيه بدت لنا منافع جديدة و روابط عجيبة تدهش اللب و تكشف عن دقة الأمر و إتقان الصنع. و ما تقدم من البيان جار في العلل العالية و العقول المجردة التي ذواتها تامة و وجوداتها كاملة منزهة عن القوة و الاستعداد فليس صدور أفعالها منها لغرض و غاية تعود إليها من أفعالها و لم تكن حاصلة لها قبل الفعل لفرض تمام ذواتها فغايتها في فعلها ذواتها التي هي أظلال لذات الواجب تعالى و بالحقيقة غايتها في فعلها الواجب عز اسمه. و يظهر مما تقدم أن النظام الجاري في الخلقة أتقن نظام و أحكمه لأنه رقيقة العلم الذي لا سبيل للضعف و الفتور إليه بوجه من الوجوه. توضيحه أن عوالم الوجود الكلية على ما سبقت إليها الإشارة ثلاثة عوالم لا رابع لها عقلا فإنها إما وجود فيه وصمة القوة و الاستعداد لا اجتماع لكمالاته الأولية و الثانوية الممكنة في أول كينونته و إما وجود تجتمع كمالاته الأولية و الثانوية الممكنة في أول كينونته فلا يتصور فيه طرو شي‏ء من الكمال بعد ما لم يكن و الأول عالم المادة و القوة و الثاني إما أن يكون مجردا من المادة دون آثارها من كيف و كم و سائر الأعراض الطارية للأجسام المادية و إما أن يكون عاريا من المادة و آثار المادة جميعا و الأول نهايةالحكمة، صفحة 310 عالم المثال و الثاني عالم العقل. فالعوالم الكلية ثلاثة و هي مترتبة من حيث شدة الوجود و ضعفه و هو ترتب طولي بالعلية و المعلولية فمرتبة الوجود العقلي معلولة للواجب تعالى بلا واسطة و علة متوسطة لما دونها من المثال و مرتبة المثال معلولة للعقل و علة لمرتبة المادة و الماديات و قد تقدمت إلى ذلك إشارة و سيجي‏ء توضيحه. فمرتبة الوجود العقلي أعلى مراتب الوجود الإمكاني و أقربها من الواجب تعالى و النوع العقلي منحصر في فرد فالوجود العقلي بما له من النظام ظل للنظام الرباني الذي في العالم الربوبي الذي فيه كل جمال و كمال. فالنظام العقلي أحسن نظام ممكن و أتقنه ثم النظام المثالي الذي هو ظل للنظام العقلي ثم النظام المادي الذي هو ظل للمثال فالنظام العالمي العام أحسن نظام ممكن و أتقنه الفصل الثامن عشر في الخير و الشر و دخول الشر في القضاء الإلهي الخير ما يطلبه و يقصده و يحبه كل شي‏ء و يتوجه إليه كل شي‏ء بطبعه و إذا تردد الأمر بين أشياء فالمختار خيرها فلا يكون إلا كمالا وجوديا يتوقف عليه وجود الشي‏ء كالعلة بالنسبة إلى معلولها أو كمالا أولا هو وجود الشي‏ء بنفسه أو كمالا ثانيا يستكمل الشي‏ء به و يزول به عنه نقص و الشر يقابله فهو عدم ذات أو عدم كمال ذات. و الدليل على أن الشر عدم ذات أو عدم كمال ذات أن الشر لو كان أمرا وجوديا لكان إما شرا لنفسه أو شرا لغيره و الأول محال إذ لو اقتضى الشي‏ء عدم نفسه لم يوجد من رأس و الشي‏ء لا يقتضي عدم نفسه و لا عدم شي‏ء نهايةالحكمة، صفحة 311 من كمالاته الثانية لما بينه و بينها من الرابطة الوجودية و العناية الإلهية أيضا توجب إيصال كل شي‏ء إلى كماله. و الثاني أيضا محال لأن كون الشر و المفروض أنه وجودي شرا لغيره إما بكونه معدما لذات ذلك الغير أو معدما لشي‏ء من كمالاته أو بعدم أعدامه لا لذاته و لا لشي‏ء من كمالاته و الأول و الثاني غير جائزين فإن الشر حينئذ يكون هو عدم ذلك الشي‏ء أو عدم شي‏ء من كمالاته دون الشي‏ء المعدم المفروض و هذا خلف. و الثالث أيضا غير جائز فإنه إذا لم يعدم شيئا لا ذاتا و لا كمال ذات فليس يجوز عده شرا فالعلم الضروري حاصل بأن ما لا يوجب عدم شي‏ء و لا عدم كماله فإنه لا يكون شرا له لعدم استضراره به فالشر كيفما فرض ليس بوجودي و هو المطلوب. و يصدق ذلك التأمّل الوافي في موارد الشر من الحوادث فإن الإمعان في أطرافها يهدي إلى أن الشر الواقع عدم ذات أو عدم كمال ذات كما إذا قتل رجل رجلا بالسيف صبرا فالضرب المؤثر الذي تصداه القاتل كمال له و ليس بشر و حدة السيف و كونه قطاعا كمال له و ليس بشر و انفعال عنق المقتول و لينته كمال لبدنه و ليس بشر و هكذا فليس الشر إلا زهاق الروح و بطلان الحياة و هو عدمي. و تبين بما مر أن ما يعد من الوجودات شرا بسبب الاستضرار به هو شر بالعرض كالقاتل و السيف في المثال المذكور. فإن قلت إن الألم من الإدراك غير تفرق الاتصال الحاصل بالقطع مثلا و هو أمر وجودي بالوجدان و ينتقض به قولهم إن الشر بالذات عدمي اللهم إلا أن يراد به أن منشأ الشرية عدمي و إن كان بعض الشر وجوديا. قلت أجاب عنه صدر المتألهين قدس سره بأن الألم إدراك المنافي العدمي كتفرق الاتصال و نحوه بالعلم الحضوري الذي يحضر فيه المعلوم نهايةالحكمة، صفحة 312 بوجوده الخارجي عند العالم لا بالعلم الحصولي الذي يحضر فيه المعلوم عند العالم بصوره مأخوذة منه لا بوجوده الخارجي فليس عند الألم أمران تفرق الاتصال مثلا و الصورة الحاصلة منه بل حضور ذلك الأمر المنافي هو الألم بعينه فهو و إن كان نحوا من الإدراك لكنه من أفراد العدم و هو و إن كان نحوا من العدم لكن له ثبوت على حد ثبوت أعدام الملكات كالعمى و النقص و غير ذلك و الحاصل أن النفس لكونها صورة الإنسان الأخيرة التي بحذاء الفصل الأخير جامعة لجميع كمالات النوع واجدة لعامة القوى البدنية و غيرها فتفرق الاتصال الذي هو آفة واردة على الحاسة تدرك النفس عنده فقدها كمال تلك القوة التي وردت عليها الآفة في مرتبة النفس الجامعة لا في مرتبة البدن المادية. ثم إن الشر لما كان هو عدم ذات أو عدم كمال ذات كان من الواجب أن تكون الذات التي يصيبه العدم قابلة له كالجواهر المادية التي تقبل العدم بزوال صورتها التي هي تمام فعليتها النوعية و أن تكون الذات التي ينعدم كمالها بإصابة الشر قابلة لفقد الكمال أي أن يكون العدم عدما طاريا لها لا لازما لذاتها كالأعدام و النقائص اللازمة للماهيات الإمكانية فإن هذا النوع من الأعدام منتزع من مرتبة الوجود وحده. و بهذا تبين أن عالم التجرد التام لا شر فيه إذ لا سبيل للعدم إلى ذواتها الثابتة بإثبات مبدئها و لا سبيل لعروض الأعدام المنافية لكمالاتها التي تقتضيها و هي موجودة لها في بدء وجودها. فمجال الشر و مداره هو عالم المادة التي تتنازع فيه الأضداد و تتمانع فيه مختلف الأسباب و تجري فيه الحركات الجوهرية و العرضية التي يلازمها التغير من ذات إلى ذات و من كمال إلى كمال. و الشرور من لوازم وجود المادة القابلة للصور المختلفة و الكمالات المتنوعة المتخالفة غير أنها كيفما كانت مغلوبة للخيرات حقيرة في جنبها إذا قيست إليها نهايةالحكمة، صفحة 313 و ذلك أن الأشياء كما نقل عن المعلم الأول من حيث الخيرات و الشرور المنتسبة إليها على خمسة أقسام إما خير محض و إما شر محض و إما خيرها غالب و إما شرها غالب و إما متساوية الخير و الشر و الموجود من الأقسام الخمسة قسمان هما الأول الذي هو خير محض و هو الواجب تعالى الذي يجب وجوده و له كل كمال وجودي و هو كل الكمال و يلحق به المجردات التامة و الثالث الذي خيره غالب فإن العناية الإلهية توجب وجوده لأن في ترك الخير الكثير شرا كثيرا. و أما الأقسام الثلاثة الباقية فالشر المحض هو العدم المحض الذي هو بطلان صرف لا سبيل إلى وجوده و ما شره غالب و ما خيره و شره متساويان تأباهما العناية الإلهية التي نظمت نظام الوجود على أحسن ما يمكن و أتقنه. و أنت إذا تأملت أي جزء من أجزاء الكون وجدته أنه لو لم يقع على ما وقع عليه بطل بذلك النظام الكوني المرتبط بعض أطرافه ببعض من أصله و كفى بذلك شرا غالبا في تركه خير غالب. و إذ تبين أن الشرور القليلة التي تلحق الأشياء من لوازم الخيرات الكثيرة التي لها فالقصد و الإرادة تتعلق بالخيرات بالأصالة و بالشرور اللازمة لها بالتبع و بالقصد الثاني. و من هنا يظهر أن الشرور داخلة في القضاء الإلهي بالقصد الثاني و إن شئت قلت بالعرض نظرا إلى أن الشرور أعدام لا يتعلق بها قصد بالذات. الفصل التاسع عشر في ترتيب أفعاله و هو نظام الخلقة قد اتضح بالأبحاث السابقة أن للوجود الإمكاني و هو فعله تعالى نهايةالحكمة، صفحة 314 انقسامات منها انقسامه إلى مادي و مجرد و انقسام المجرد إلى مجرد عقلي و مجرد مثالي و أشرنا هناك إلى أن عوالم الوجود الكلية ثلاثة عالم التجرد التام العقلي و عالم المثال و عالم المادة و الماديات فالعالم العقلي مجرد تام ذاتا و فعلا عن المادة و آثارها و عالم المثال مجرد عن المادة دون آثارها من الأشكال و الأبعاد و الأوضاع و غيرها ففي هذا العالم أشباح متمثلة في صفة الأجسام التي في عالم المادة و الطبيعة في نظام شبيه بنظامها الذي في عالم المادة و إنما الفرق بينه و بين النظام المادي أن تعقب بعض المثاليات لبعض بالترتب الوجودي لا بتغير صورة أو حال إلى صورة أو حال أخرى بالخروج من القوة إلى الفعل بالحركة كما هو الحال في عالم المادة فحال الصور المثالية فيما ذكرناه من ترتب بعضها على بعض حال صورة الحركة و التغير في الخيال و العلم مجرد مطلقا فالمتخيل من الحركة علم بالحركة لا حركة في العلم و علم بالتغير لا تغير في العلم. و عالم المادة لا يخلو ما فيها من الموجودات من تعلق ما بالمادة و تستوعبه الحركة و التغير جوهرية كانت أو عرضية. و إذ كان الوجود بحقيقته الأصيلة حقيقة مشككة ذات مراتب مختلفة في الشدة و الضعف و الشرف و الخسة تتقوم كل مرتبة منها بما فوقها و يتوقف عليها بهويتها يستنتج من ذلك أولا أن العوالم الثلاثة مترتبة وجودا بالسبق و اللحوق فعالم العقل قبل عالم المثال و عالم المثال قبل عالم المادة وجودا و ذلك لأن الفعلية المحضة التي لا يشوبها قوة و لا يخالطها استعداد أقوى و أشد وجودا مما هو بالقوة محضا كالهيولى الأولى أو يشوبه القوة و يخالطه الاستعداد كالطبائع المادية فعالما العقل و المثال يسبقان عالم المادة. ثم العقل المفارق أقل حدودا و أوسع وجودا و أبسط ذاتا من المثال الذي تصاحبه آثار المادة و إن خلا عن المادة و من المعلوم أن الوجود كلما كان نهايةالحكمة، صفحة 315 أقل حدودا و أوسع و أبسط كانت مرتبته من حقيقة الوجود المشككة أقدم و أسبق و أعلى و من أعلى المراتب التي هي مبدأ الكل أقرب فعالم العقل أقدم و أسبق وجودا من عالم المثال. و ثانيا أن الترتيب المذكور بين العوالم الثلاثة ترتيب علي لمكان السبق و التوقف الذي بينها فعالم العقل علة لعالم المثال و عالم المثال علة مفيضة لعالم المادة. و ثالثا أن العوالم الثلاثة متطابقة متوافقة نظاما بما يليق بكل منها وجودا و ذلك لما تقدم أن كل علة مشتملة على كمال معلولها بنحو أعلى و أشرف ففي عالم المثال نظام مثالي يضاهي نظام عالم المادة و هو أشرف منه و في عالم العقل ما يطابق نظام المثال لكنه موجود بنحو أبسط و أشرف و أجمل منه و يطابقه النظام الرباني الذي في العلم الربوبي. و رابعا أنه ما من موجود ممكن مادي أو مجرد علوي أو سفلي إلا هو آية للواجب تعالى من جميع الوجوه يحكي بما عنده من الكمال الوجودي كمال الواجب تعالى. الفصل العشرون في العالم العقلي و نظامه و كيفية حصول الكثرة فيه قد تحقق في مباحث العلة و المعلول أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد و لما كان الواجب تعالى واحدا بسيطا من كل وجه لا يتسرب إليه جهة كثرة لا عقلية و لا خارجية واجدا لكل كمال وجودي وجدانا تفصيليا في نهايةالحكمة، صفحة 316 عين الإجمال لا يفيض إلا وجودا واحدا بسيطا له كل كمال وجودي لمكان المسانخة بين العلة و المعلول له الفعلية التامة من كل جهة و التنزه عن القوة و الاستعداد. غير أنه وجود ظلي للوجود الواجبي فقير إليه متقوم به غير مستقل دونه فيلزمه النقص الذاتي و المحدودية الإمكانية التي تتعين بها مرتبتها في الوجود و يلزمها الماهية الإمكانية و الموجود الذي هذه صفتها عقل مجرد ذاتا و فعلا متأخر الوجود عن الواجب تعالى من غير واسطة متقدم في مرتبة الوجود على سائر المراتب الوجودية. ثم إن الماهية لا تتكثر أفرادها إلا بمقارنة المادة و الوجه فيه أن الكثرة إما أن تكون عين الماهية أو جزأها أو خارجة منها لازمة لها أو خارجة منها مفارقة لها و على التقادير الثلاثة الأول لا يوجد للماهية فرد إذ كلما وجد فرد لها كان من الواجب أن يكون كثيرا و كل كثير مؤلف من آحاد و الواحد منها وجب أن يكون كثيرا لكونه مصداقا للماهية و هذا الكثير أيضا مؤلف من آحاد و هلم جرا فيتسلسل و لا ينتهي إلى واحد فلا يتحقق كثير فلا يوجد للماهية فرد. فمن الواجب أن تكون الكثرة الأفرادية أمرا خارجا من الماهية مفارقا لها و لحوق المفارق يحتاج إلى مادة فكل ماهية كثير الأفراد فهي مادية و ينعكس عكس النقيض إلى أن كل ماهية غير مادية و هي المجردة وجودا لا تتكثر تكثرا أفراديا أي أن كل مجرد فنوعه منحصر في فرد و هو المطلوب نعم يمكن الكثرة الأفرادية في العقل المجرد فيما لو استكملت أفراد من نوع مادي كالإنسان بالسلوك الذاتي و الحركة الجوهرية من نشأة المادة و الإمكان إلى نشأة التجرد و الفعلية الصرفة فيستصحب التميز الفردي الذي كان لها عند كونها في أول وجودها في نشأة المادة و القوة. فتبين أن الصادر الأول الذي يصدر من الواجب تعالى عقل واحد هو نهايةالحكمة، صفحة 317 أشرف موجود ممكن و أنه نوع منحصر في فرد و إذ كان أشرف و أقدم في الوجود فهو علة لما دونه و واسطة في الإيجاد و أن فيه أكثر من جهة واحدة تصح صدور الكثير منه لكن الجهات الكثيرة التي فيه لا تبلغ حدا يصح به صدور ما دون النشأة العقلية بما فيه من الكثرة البالغة فمن الواجب أن يترتب صدور العقول نزولا إلى حد يحصل فيه من الجهات عدد يكافئ الكثرة التي في النشأة التي بعد العقل. و تتصور هذه الكثرة على أحد وجهين إما طولا و إما عرضا فالأول و هو حصول الكثرة طولا أن يوجد عقل ثم عقل و هكذا و كلما وجد عقل زادت جهة أو جهات حتى ينتهي إلى عقل تتحقق به جهات من الكثرة يفي بصدور النشأة التي بعد نشأة العقل فهناك أنواع متباينة من العقول كل منها منحصر في فرد و هي مترتبة نزولا كل عال أشد و أشرف مما هو بعده و علة فاعلة تام الفاعلية له لما أن إمكانه الذاتي كاف في صدوره و آخر هذه العقول علة فاعلة للنشأة التي بعد نشأة العقل و هذا الوجه هو الذي يميل إليه المشاءون فيما صوروه من العقول العشرة و نسبوا إلى آخرها المسمى عندهم بالعقل الفعال إيجاد عالم الطبيعة. و الثاني و هو حصول الكثرة عرضا بأن ينتهي العقول الطولية إلى عقول عرضية لا عليه و لا معلولية بينها هي بحذاء الأنواع المادية يدبر كل منها ما بحذائه من النوع المادي و بها توجد الأنواع التي في عالم الطبيعة و ينتظم نظامه و تسمى هذه العقول أرباب الأنواع و المثل الأفلاطونية. و هذا الوجه هو الذي يميل إليه الإشراقيون و ذهب إليه شيخ الإشراق و اختاره صدر المتألهين قدس سره و استدل عليه بوجوه أحدها أن القوى النباتية من الغاذية و النامية و المولدة أعراض حالة في جسم موضوعها متغيرة بتغيره متحللة بتحلله فاقدة للعلم و الإدراك فمن المحال أن تكون هي المبادي الموجدة لهذه التراكيب العجيبة التي لموضوعاتها نهايةالحكمة، صفحة 318 و الأفعال المختلفة و الأشكال و التخاطيط الحسنة الجميلة التي فيها مع ما فيها من النظام الدقيق المتقن المحير للعقول فليس إلا أن هناك جوهرا عقليا مجردا يعتني بها و يدبر أمرها و يهديها إلى غاياتها في الوجود. و فيه أن هذا الدليل لو تم دل على أن هذه الأعمال العجيبة و النظام الجاري فيها تنتهي إلى جوهر عقلي ذي علم و أما قيامه بجوهر عقلي مباشر لا واسطة بينه و بين الجسم النباتي فلا فمن الجائز أن ينسب ما نسبوه إلى هذا الجوهر العقلي إلى الصورة الجوهرية التي بها يتحقق نوعية النوع و فوقها العقل الفعال الذي هو آخر سلسلة العقول الطولية. الثاني أن الأنواع الطبيعية المادية بما لها من النظام الجاري فيها دائما ليست موجودة عن اتفاق فالأمر الاتفاقي لا يكون دائميا و لا أكثريا فلهذه الأنواع علل حقيقية و ليست هي التي يزعمونها من الأمزجة و نحوها إذ لا دليل يدل على ذلك بل العلة الحقيقية التي يستند إليها كل منها جوهر عقلي مجرد و مثال كلي يعتني به و يوجده و يدبر أمره و المراد بكليته استواء نسبته إلى جميع الأفراد المادية التي تسوقها من القوة إلى الفعل لا جواز صدقه على كثيرين. و فيه أن أفعال كل نوع و آثاره مستندة إلى صورته النوعية و لو لا ذلك لم يتميز نوع جوهرة من نوع آخر مثله و الدليل على الصورة النوعية الآثار المختصة بكل نوع التي تحتاج إلى ما تقوم به و تستند إليه فيكون مبدأ قريبا لها. الثالث أن ذلك مما تقتضيه قاعدة إمكان الأشرف و هي قاعدة مبرهن عليها فإذا وجد ممكن هو أخس وجودا من ممكن آخر وجب أن يكون الممكن الذي هو أشرف منه موجودا قبله و لا ريب أن الإنسان الذي هو بالفعل في جميع الكمالات الإنسانية مثلا أشرف وجودا من الإنسان المادي الذي هو بالقوة بالنسبه إلى أكثر الكمالات الإنسانية فوجود الإنسان المادي دليل على وجود مثاله العقلي قبله و كذلك الأفراد المادية لكل نوع مادي وجودها دليل نهايةالحكمة، صفحة 319 على وجود رب نوعها قبلها و هو فرد من النوع مجرد في أول وجوده له فعلية في جميع كمالات النوع مخرج لسائر الأفراد من القوة إلى الفعل مدبر لها. و فيه أن جريان قاعدة إمكان الأشرف مشروط بكون الأخس و الأشرف داخلين تحت ماهية نوعية واحدة حتى يدل جود الأخس في الخارج على إمكان الأشرف بحسب ماهيته و مجرد صدق مفهوم على شي‏ء لا يدل على كون ذلك الشي‏ء فردا لذلك المفهوم حقيقة كما أن كل علة موجدة واجدة لجميع كمالات المعلول التي بها ذلك المعلول هو هو و لا يجب مع ذلك أن يكون علة كل شي‏ء متحدة الماهية مع معلولها. فكون الكمال الذي به الإنسان إنسان مثلا موجودا لشي‏ء و انطباقه عليه لا يكشف عن كونه فردا لماهية الإنسان لمجرد كونه واجدا لذلك. و بعبارة أخرى صدق مفهوم الإنسان على الإنسان الكلي الذي نعقله لا يدل على كون معقولنا فردا للماهية النوعية الإنسانية لم لا يجوز أن يكون واحدا من العقول الطولية التي هي في سلسلة علل الإنسان القريبة أو البعيدة لوجدانه كمال الإنسان و غيره من الأنواع و الحمل على هذا حمل الحقيقة و الرقيقة دون الشائع. و أما لو لم يشترط في جريان القاعدة كون الأخس و الأشرف داخلين تحت ماهية واحدة نوعية فالإشكال أوقع. تنبيه قاعدة إمكان الأشرف و مفادها أن الممكن الأشرف يجب أن يكون أقدم في مراتب الوجود من الممكن الأخس فلا بد أن يكون الممكن الذي هو أشرف منه قد وجد قبله قد اعتنى بأمرها جمع من الحكماء و بنوا عليها عدة من المسائل. نهايةالحكمة، صفحة 320 و قد قرر الاستدلال عليها صدر المتألهين قدس سره بأن الممكن الأخس إذا وجد عن الباري جل ذكره وجب أن يكون الممكن الأشرف قد وجد قبله و إلا فإن جاز أن يوجد معه وجب أن يوجد عن الواجب لذاته في مرتبة واحدة لذات واحدة من جهة واحدة شيئان و هو محال و إن جاز أن يوجد بعد الأخس و بواسطة لزم كون المعلول أشرف من علته و أقدم و هو محال و إن لم يجز أن يوجد لا قبل الأخس و لا معه و لا بعده مع أنه ممكن بالإمكان الوقوعي الذي هو كون الشي‏ء بحيث لا يلزم من فرض وقوعه محال فلو فرض وجوده و ليس بصادر عن الواجب لذاته و لا عن شي‏ء من معلولاته و هو على إمكانه فبالضرورة وجوده يستدعي جهة مقتضية له أشرف مما عليه الواجب لذاته فيلزم أن يكون الممكن المفروض يستدعي بإمكانه علة موجدة أعلى و أشرف من الواجب لذاته و هو محال لأن الواجب لذاته فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى شدة فالمطلوب ثابت. و يمكن الاستدلال بما هو أوضح من ذلك فإن الشرافة و الخسة المذكورتين وصفان للوجود مرجعهما إلى الشدة و الضعف بحسب مرتبة الوجود فيرجعان إلى العلية و المعلولية مآلهما إلى كون الشي‏ء مستقلا موجودا في نفسه و كونه رابطا قائما بغيره موجدا في غيره فكل مرتبة من مراتب الوجود متقومة بما فوقها قائمة به و أخس منه و مقومة لما دونها مستقلة بالنسبة إليه و أشرف منه. فلو فرض ممكنان أشرف و أخس وجودا كان من الواجب أن يوجد الأشرف قبل الأخس قبلية وجودية و إلا كان الأخس مستقلا غير رابط و لا متقوم بالأشرف و قد فرض رابطا متقوما به هذا خلف. و المستفاد من الحجتين أولا أن كل كمال وجودي هو أخس من كمال آخر وجودي فالأشرف منهما موجود قبل الأخس و الأشد منهما قبل الأضعف كالمرتبتين من الوجود المختلفتين شدة و ضعفا و إن اختلفتا ماهية نظير العقلين الأول و الثاني. نهايةالحكمة، صفحة 321 و أما إذ كان الأخس فردا ماديا لماهية فإنما تفيد القاعدة أن الكمال الذي هو مسانخ له و أشد منه موجود قبله من غير أن تفيد أن ذلك الكمال الأشد فرد لماهية الأخس لجواز أن يكون جهة من جهات الكمال الكثيرة في علة كثيرة الجهات كالإنسان مثلا له فرد مادي ذو كمال أخس و فوقه كمال إنساني مجرد من جميع الجهات أشرف منه لكن لا يلزم منه أن يكون إنسانا بالحمل الشائع لجواز أن يكون جهة من جهات الكمال الذي في علته الفاعلة فينتج حمل الحقيقة و الرقيقة. نعم تجري القاعدة في الغايات العالية المجردة التي لبعض الأنواع المتعلقة بالمادة كالإنسان لقيام البرهان على ثبوتها لذويها بالحمل الشائع إذا لم تصادف شيئا من الموانع الطبيعية. و ثانيا أن القاعدة إنما تجري فيما وراء الماديات و عالم الحركات من المجردات التي لا يزاحم مقتضياتها مزاحم و لا يمانعها ممانع و أما الماديات فمجرد اقتضاء المقتضي فيها و إمكان الماهية لا يكفي في إمكان وقوعها بل ربما يعوقها عائق. فلا يرد أن القاعدة لو كانت حقة استلزمت بلوغ كل فرد مادي كالفرد من الإنسان غاية كمالها العقلي و الخيالي لكونها أشرف من الوجود الذي هو بالقوة مع أن أكثر الأفراد محرومون عن الكمال الغائي ممنوعون عن الوجود النهائي. الفصل الحادي و العشرون في عالم المثال و يسمى أيضا البرزخ لتوسطه بين العالم العقلي و عالم المادة و الطبيعة نهايةالحكمة، صفحة 322 و هو كما ظهر مما تقدم مرتبة من الوجود مجردة عن المادة دون آثارها من الكم و الكيف و الوضع و نحوها من الأعراض و العلة الموجدة له هو آخر العقول الطولية المسمى عقلا فعالا عند المشائين و بعض العقول العرضية عند الإشراقيين. و فيه أمثلة الصور الجوهرية التي هي جهات الكثرة في العقل المفيض لهذا العالم المتمثل بعضها لبعض بهيئات مختلفة من غير أن يفسد اختلاف الهيئات الوحدة الشخصية التي لجوهره مثال ذلك أن جمعا كثيرا من أفراد الإنسان مثلا يتصورون بعض من لم يروه من الماضين و إنما سمعوا اسمه و شيئا من سيرته كل منهم يمثله في نفسه بهيئة مناسبة لما يقدره عليه بما عنده من صفته و إن غايرت الهيئة التي له عند غيره. و لهذه النكتة قسموا المثال إلى خيال منفصل قائم بنفسه مستقل عن النفوس الجزئية المتخيلة و خيال متصل قائم بالنفوس الجزئية المتخيلة. على أن في متخيلات النفوس صورا جزافية لا تناسب فعل الحكيم و فيها نسبة إلى دعابات المتخيلة. الفصل الثاني و العشرون في العالم المادي و هو العالم المحسوس أخس مراتب الوجود و يتميز عن العالمين عالم العقل و عالم المثال يتعلق الصور فيه ذاتا و فعلا أو فعلا بالمادة و توقفها على الاستعداد. فما للأنواع التي فيها من الكمالات هي في أول الوجود بالقوة ثم يخرج إلى الفعلية بالتدريج و ربما عاقها من كمالها عائق فالعلل فيها متزاحمة نهايةالحكمة، صفحة 323 متمانعة. و قد عثرت الأبحاث العلمية الطبيعية و الرياضية إلى هذه الأيام على شي‏ء كثير من أجزاء هذا العالم و النسب التي بينها و النظام الجاري فيها و لعل ما هو مجهول منها أكثر مما هو معلوم. و قد تبين في الأبحاث السابقة أن عالم المادة بما بين أجزائه من الارتباط و الاتصال واحد سيال في ذاته متحرك في جوهره و يشايعه في ذلك الأعراض و الغاية التي تنتهي إليها هذه الحركة العامة هي التجرد على ما تقدمت الإشارة إليه في مرحلة القوة و الفعل. و إذ كان هذا العالم حركة و متحركا في جوهره سيلانا و سيالا في وجوده و كانت هويته عين التجدد و التغير لا شيئا يطرأ عليه التجدد و التغير صح ارتباطه بالعلة الثابتة التي تنزه عن التجدد و التغير. فالجاعل الثابت الوجود جعل ما هو في ذاته متجدد متغير لا أنه جعل الشي‏ء متجددا متغيرا و بذلك يرتفع إشكال استناد المتغير إلى الثابت و ارتباط الحادث بالقديم. الفصل الثالث و العشرون في حدوث العالم قد تحقق فيما تقدم من مباحث القدم و الحدوث أن كل ماهية ممكنة موجودة مسبوقة الوجود بعدم ذاتي فهي حادثة حدوثا ذاتيا و العدم السابق على وجودها بحده منتزع عن علتها الموجدة لها فهي مسبوقة الوجود بوجود علتها متأخرة عنها. و إذ كان المبدأ الأول لكل وجود إمكاني سواء كان ماديا أو مجردا نهايةالحكمة، صفحة 324 عقليا أو غير عقلي هو الواجب لذاته تعالى فكل ممكن موجود حادث ذاتا بالنسبة إليه و مجموع الممكنات المسمى بعالم الإمكان و بما سوى الباري تعالى ليس شيئا وراء أجزائه فحكمه حكم أجزائه فالعالم بجميع أجزائه حادث ذاتا مسبوق الوجود بوجود الواجب لذاته. ثم أنا لو أغمضنا عن الماهيات و قصرنا النظر في الوجود بما أنه الحقيقة الأصيلة وجدنا الوجود منقسما إلى واجب لذاته قائم بذاته مستقل في تحققه و ثبوته و ممكن موجود في غيره رابط قائم بغيره الذي هو الواجب كان كل وجود إمكاني مسبوقا بالوجود الواجبي حادثا هذا النحو من الحدوث و حكم مجموع الوجودات الإمكانية حكم أجزائه فالمجموع حادث بحدوثه. ثم إن لعالم المادة و الطبيعة حدوثا آخر يخصه و هو الحدوث الزماني تقريره أنه قد تقدم في مباحث القوة و الفعل أن عالم المادة متحرك بجوهره و ما يلحق به من الأعراض سيال وجودا متجدد بالهوية سالك بذاته من النقص إلى الكمال متحول من القوة منقسم إلى حدود كل حد منها فعلية لسابقه قوة للاحقه ثم لو قسم هذا الحد بعينه كان كلما حدث بالانقسام حد كان فعلية لسابقه قوة للاحقه. و إن هذه الحركة العامة ترسم امتدادا كميا كلما فرض منه قطعة انقسمت إلى قبل و بعد و كذا كل قبل منه و بعد ينقسمان إلى قبل و بعد من غير وقوف على حد ما ذكر في الحركة التي ترسمه و إنما الفرق بين الامتدادين أن الذي للحركة مبهم و الذي لهذا الامتداد العارض لها متعين نظير الفرق بين الجسم الطبيعي و الجسم التعليمي. و هذا الامتداد الذي يرسمه جوهر العالم بحركته هو الزمان العام الذي به تتقدر الحركات و تتعين النسب بين الحوادث الطبيعية بالطول و القصر و القبلية و البعدية و قبليته هي كونه قوة للفعلية التي تليه و بعديته هي كونه فعلية للقوة التي تليه. نهايةالحكمة، صفحة 325 فكل قطعة من قطعات هذه الحركة العامة الممتدة أخذناها وجدناها مسبوقة بعدم زماني لكونها فعلية مسبوقة بقوة فهي حادثة بحدوث زماني و مجموع هذه القطعات و الأجزاء ليس إلا نفس القطعات و الأجزاء فحكمه حكمها و هو حادث زماني بحدوثها الزماني فعالم المادة و الطبيعة حادث حدوثا زمانيا هذا. و أما ما صوره المتكلمون في حدوث العالم يعني ما سوى الباري سبحانه زمانا بالبناء على استحالة القدم الزماني في الممكن و محصله أن الوجودات الإمكانية منقطعة من طرف البداية فلا موجود قبلها إلا الواجب تعالى و الزمان ذاهب من الجانبين إلى غير النهاية و صدره خال عن العالم و ذيله مشغول به ظرف له. ففيه أن الزمان نفسه موجود ممكن مخلوق للواجب تعالى فليجعل من العالم الذي هو فعله تعالى و عند ذاك ليس وراء الواجب و فعله أمر آخر فلا قبل حتى يستقر فيه عدم العالم استقرار المظروف في ظرفه. على أن القول بلا تناهي الزمان أولا و آخرا يناقض قولهم باستحالة القديم الزماني مضافا إلى أن الزمان كم عارض للحركة القائمة بالجسم و عدم تناهيه يلازم عدم تناهي الأجسام و حركاتها و هو قدم العالم المناقض لقولهم بحدوثه. و قد تفصى بعضهم عن إشكال لزوم كون الزمان لا واجبا و لا معلولا للواجب بأن الزمان أمر اعتباري لا بأس بالقول بكونه لا واجبا و لا معلولا للواجب. و فيه أنه يستوي حينئذ القول بحدوث العالم و قدمه زمانا إذ لا حقيقة للزمان. و تفصى عنه آخرون بأن الزمان انتزاعي منتزع من الوجود الواجبي تعالى عن ذلك. نهايةالحكمة، صفحة 326 و اعترض عليه بأن لازمه عروض التغير للذات الواجبية. و أجيب عنه بأنا لا نسلم وجوب المطابقة بين المنتزع و المنتزع عنه و أنت خبير بأنه التزام بالسفسطة. الفصل الرابع و العشرون في دوام الفيض قد تبين في الأبحاث السابقة أن قدرته تعالى هي مبدئيته للإيجاد و عليته لما سواه و هي عين الذات المتعالية و لازم ذلك دوام الفيض و استمرار الرحمة و عدم انقطاع العطية. و لا يلزم من ذلك دوام عالم الطبيعة لأن المجموع ليس شيئا وراء الأجزاء و كل جزء حادث مسبوق بالعدم و لا تكرر في وجود العالم على ما يراه القائلون بالأدوار و الأكوار لعدم الدليل عليه. و ما قيل إن الأفلاك و الأجرام العلوية دائمة الوجود بأشخاصها و كذلك كليات العناصر و الأنواع الأصلية المادية دائمة الوجود نظرا إلى أن عللها مفارقة آبية عن التغير. يدفعه عدم دليل يدل على كون هذه العلل تامة منحصرة غير متوقفة في تأثيرها على شرائط و معدات مجهولة لنا تختلف معلولاتها باختلافها فلا تتشابه الخلقة في أدوارها. على أن القول بالأفلاك و الأجرام غير القابلة للتغير و غير ذلك كانت أصولا موضوعة من الهيئة و الطبيعيات القديمتين و قد انفسخ اليوم هذه الآراء. تم الكتاب و الحمد لله في سادس محرم الحرام من سنة ألف و ثلاثماءة و خمس و تسعين من الهجرة النبوية و الصلاة على محمد و آله.